التاريخ المقدس الجبالية سكان جبل سانت كاترين.

التاريخ المقدس الجبالية سكان جبل سانت كاترين.

 الجغرافيا والتركيب الجيولوجي:

إن شبه جزيرة سيناء في الاتجاه من الجنوب إلى الشمال عبارة عن هضبة شاهقة الارتفاع, مكونة من صخور نارية قديمة تطل فوقها قمم بركانية مرتفعة أهمها: جبال "سانت كاترين"، "أم شومر"، "الثبت", يحف بهذه الكتل الجبلية الشاهقة الارتفاع نحو الشمال هضبة التيه التي تنحدر شمالا، وتكون ثلثي مساحة شبه الجزيرة ويبلغ متوسط ارتفاع هذه الهضبة ألف متر, ويقطعها وادى العريش شاقا طريقه نحو البحر المتوسط بالقرب من مدينة العريش.

مدينة سانت كاترين تقع جنوب شبه جزيرة سيناء، تتميز بالطابع الديني، والجغرافي، والمناخي المتميز والاقتصادي الخاص، وقد شُيد عليها أحد أهم وأقدم الكنائس المسيحية القديمة في العالم وسط صحراء سيناء على هضبة ترتفع ألفا وستمائة متر فوق سطح البحر وتشرف على أعلى منطقة فيها، وهي غنية بمصادر المياه الجوفية ممّا يعطيها وفرة في الإنتاج الزراعي طوال العام، وتعتبر من أكثر مدن صحراء سيناء خصوصية وتفردا وتميزا. كما تمتلك مناخا متميزا عن بقية المناطق من حولها، فهو معتدل ولطيف في الصيف، وشديد البرودة في الشتاء، مما يضفي عليها جمالا؛ خاصة عندما تعلو الثلوج قمم الجبال وتغطيها. أما ما أعطاها بعدا دينيا هاما؛ فهو بناء دير سانت كاترين في القرن السادس الميلادي الذي يعد من أهم الآثار الدينية المسيحية في مصر والعالم.

يصل ارتفاع جبل سانت كاترين 2642 مترا، قد سمي بهذا الاسم نسبة إلى "سانت كاترين" المسيحيّة القدّيسة، ومن الاعتقادات الشائعة حول سانت كاترين أنّها قُتلت بسبب معتقداتها _وهو مصير الكثير من المسيحيين الأوائل_ ويقال إنّ الرهبان عثروا على بقاياها على الجبل. ولمكانة الجبل الدينيّة يأتي إليه الحجاج المسيحيين من مصر، يعدّ الجبل أعلى قمة في مصر، ويتكوّن من الصخور البركانيّة السوداء.

يضمّ جبل سانت كاترين العديد من المواقع والنصب التراثيّة والدينيّة، منها دير القديسة كاترين الأرثوذكسي أسفل الجبل، حيث يقال أنّ النبيّ موسى حصل على لوح الوصايا عنده، وعليه فالموقع يقدّسه المسلمون، ولكن يطلقون عليه اسم جبل موسى، وقد تأسس الدير في القرن السادس، ويعد الأقدم الذي حافظ على وظيفته الأساسية، كما أنّ جدرانه ومبانيه تعكس الهندسة البيزنطية، ويوجد به العديد من المخطوطات والرموز المسيحية القديمة فيه.

زيارة جبل سانت كاترين والمشي عبر الطريق المقدّس يعدّ تجربة لا مثيل لها، حيث توجد العديد من المعالم والآثار التي تصور روعة الهندسة المعمارية، على سبيل المثال الباب الخشبي القديم الموجود عند مدخل الكنيسة قبل 1400 عام.

أصول سكان سيناء:

يذكر نعوم بك شقير: بالنظر للآثار التي خلفها الفراعنة في سيناء يتضح أن سكان هذه الجزيرة كانوا منذ بدء التاريخ من أصل سامى كسكان سوريا وكانوا يتكلمون لغة غير لغة المصريين، وعرفوا في الآثار المصرية باسم "حريو شاع" أسياد الرمال, وعرف سكان بلاد الطور خاصة باسم "مونتيو" وعرفوا في التوراة عند مرور بنى إسرائيل بالجزيرة (بالعمالقة)، ثم عند الفتح الإسلامي تغلب الفاتحون على أهل سيناء الأصليين.

كذلك عرفت سيناء على الآثار المصرية باسم "توشريت" أي أرض الجدب والعراء وعرف أهلها في الشمال باسم "حريوشاع" أسياد الرمال, ونسبوا الى جنس "العامو" المعروف بالجنس السامي, عرف أهلها في الجنوب باسم "مونتيو". وكان "المونيتو، والحريوشاع" متشابهين في الهيئات والملابس والعيشة البدوية. وقد دلت صورهم الباقية على الآثار على أن هيئاتهم في تلك العصور تقترب جدا من هيئات بدو سيناء اليوم.

ومعظمهم طعامهم ألبان الماشية وثمار النخيل ويشتغل بعضهم بالزراعة ويسكنون بجوار الينابيع والآبار وينشئون الحدائق من النخيل والتين والزيتون والكروم. وفى أخبار المصريين القدماء أن أولئك الأقوام كان يغرهم خصب مصر فكانوا كلما سنحت لهم فرصة, غزوا أطرافها الشرقية بغرض النهب والسلب وعادوا إلى الصحراء.

في عام 1947, 1948 عثرت احدى البعثات الامريكية المنقبة في شبه جزيرة سيناء عند الروافعة على بعد ميلين شرق أبو عقيلة على محطة غنية من العصر الباليوليتى الأسفل _مائة ألف سنة_ وجد فيها مجموعة من أهم الأدوات وعثر على نفس الأدوات في وادى العريش على مقربة من بير الحسنة في وسط سيناء وبين نخل والشط، وفى وادى خريزة في جنوب غرب سيناء قرب مناطق المناجم القديمة، كلها أدوات من العصر الباليوليتى.

الجبالية سكان جبل سانت كاترين:

تعود أصول الجبالية إلى تحالف الطورة العربي الذي يجمع عدة قبائل عربية في سيناء، مساكنهم قرب موقع دير سانت كاترين؛ حيث كانوا يسكنوا الموقع قبل بناء الدير. ويُذكر أن "جستنيان" الإمبراطور البيزنطي أمر ببنائه عند سفح جبل سيناء، وبإحضار مائة عائلة من إقليم "والاشيا" الذي يقع رومانيا حاليا، وزادهم "ثيوديسيوس" حاكم مصر مائة عائلة أخرى من أعراب صحراء العباسية بالقرب من القاهرة، وفي مصدر آخر مائة عائلة من الإسكندرية ليقوموا ببناء الدير، وليعيشوا في محيطه ويعملوا على حمايته وخدمة رهبانه.

اختلطت هذه العائلات مع قبائل العرب من حولهم، خصوصا بني واصل، وتحولوا للإسلام بعد منتصف القرن السابع الميلادي وذابوا في قبائل سيناء ومن ضمنهم الجبالية، وأصبحوا جزءا لا يختلف عنهم. وفي الأعوام بين 1517 و1520، زادهم السلطان سليم الأول العثماني بجماعة أخرى من سكان المطرية شرق الدلتا.

تنقسم الجبالية إلى أربعة عشائر أو "أرباع"، يعود أحدها، وهو ربع أولاد جندي إلى مائة عائلة عربية بدوية حضرت من صحراء العباسية بالقرب من القاهرة، بينما تعود الثلاث الباقية، الحمايدة والوهيبات وأولاد سليم إلى قبائل عربية متنوعة.

تتولى قبيلة «الجبالية» حراسة وحماية دير سانت كاترين وخدمة رهبانه منذ 1400 عام هي عمر الدير، وفوضتهم قبائل جنوب سيناء لهذه المهمة، بالاتفاق بين مشايخ وعواقل القبيلة الشهيرة بجنوب سيناء. بلغ تعداد أبناء قبيلة الجبالية قرابة ستة آلاف فرد، غالبيتهم يعملون بالسياحة، وصناع منتجات بدوية من البيئة السينائية كالمطرزات وغيرها وبعضهم أصحاب بازارات، حيث تمثل السياحة الحرفة الرئيسية لأبناء قبيلة الجبالية بسانت كاترين.

يشكل الجبالية بعائلاتهم أصغر قبائل الطوارة، ونظرا لسكنهم إقليم الجبال العليا جنوب سيناء، فإنهم يعيشون حياة الاستقرار، وكانوا يعملون في فلاحة الجنائن، ومؤخرا في السياحة. وأبناء قبيلة الجبالية يحرسون دير سانت كاترين منذ عام 1919 ولم تنازعهم أي قبيلة في حراسة الدير من الداخل وقضاء كافة خدماته من خلال قرابة 50 شابا من أبناء القبيلة يعملون في حراسة وخدمته، وهم يجيدون عدة لغات منها اليونانية والإنجليزية بطلاقة لجانب لغتهم الأم العربية.

بقلم سالم أبو شبانه - شاعر وباحث

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

نبذة عن الكاتب

شاعر مصري وباحث صدر له: ديوان للموت سمعة سيئة_ ثقوب سوداء _ بدوي يشبه توم هانكس في cast away