منذ فجر التاريخ، استنبط الإنسان من صراعه مع الزمن وتجاربه اليومية دروسًا بليغة، كانت بمنزلة طوق نجاة أنقذ كثيرين من الوقوع في براثن العجلة والتسرع؛ هذين المسلكين اللذين غالبًا ما يصاحبهما الفشل ويتبعهما الخسران.
في هذا المقال، نبحر في رحلة تربوية وفقهية لنفكك رموز أربعة أمثال عربية اجتمعت على غاية واحدة، وهي أن التريث هو مفتاح الأمان، وأن الصبر هو الجسر المتين نحو نيل المنى وتحقيق المبتغى.
الأمثال ودورها في حياة العرب
الأمثال العربية ديوان الحكمة وخلاصة التجارب التي عاشها العربي في حله وترحاله، فهي جمل مختصرة، قليلة الألفاظ، لكنها عظيمة الدلالات، تُصاغ في قالب يسهل حفظه وتداوله.

وقد أدى المثل دور المستشار الحكيم في حياة العرب؛ فكان ينقل خبرات الكبار إلى الصغار في صورة حكايات مكثفة، مما جعلها تغرس المعنى في الفؤاد غرسًا عميقًا. وبفضل هذه الأمثال، استطاع العربي أن يواجه تقلبات الأيام بحيلة المجرب وحكمة الخبير، فصارت الأمثال مدرسة تربوية متنقلة عابرة للأزمان، تعكس رقي الفكر العربي وقدرته على تلخيص معقدات الحياة في كلمات وجيزة.
الأمثال وليدة التجربة
الإنسان اجتماعي بطبعه كما يقال؛ حيث يعيش عن طريق الاحتكاك بالآخرين، والأخذ من تجاربهم واستشارتهم، والأخذ بآرائهم ومشورتهم، فقالوا أقوالًا، وألفوا جملًا وأحوالًا. تلك التجارب، والمشاورات، والحكم، صيغت في قالب جمل مختصرة قيل عنها إنها أمثال.
وهذه الجمل تناقلتها الأجيال جيلًا بعد جيل، وطبقوها في حياتهم، ونجحوا في أعمالهم ومعاملاتهم بعد الالتزام بفحواها. وهذا ما يمكن أن نصف به الأمثال التي بين أيدينا، وسنتناولها بالشرح والتفصيل، وهي أربعة أمثال كلها تؤدي معنى واحدًا، هو التريث والتأني وعدم التسرع والاستعجال.
أولًا: «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة»
وهو يُضرب لمن يريد الاستعجال في الأمور كلها، وفعل الأشياء دون دراسة أو استبصار، ودون تريث؛ فيقال له، على سبيل الحث على التريث وعدم التسرع: في التأني السلامة، وفي العجلة الندامة.
وهذا ينطبق على كل ما يقوم به المرء من قول أو فعل، حتى إن هذا المثل نجده مكتوبًا في علامات الطريق، تنبيهًا للسائقين إلى ضرورة التأني وعدم التسرع.
ثانيًا: «من تأنَّى نال ما تمنى»
ويأتي هذا المثل بمنزلة التكملة للمثل السابق؛ فإذا كان في العجلة الندامة، وفي التأني السلامة، وإذا وضعت هذا في حسابك وطبقته في أعمالك وأفعالك، فإنك ستصل إلى مناك ومبتغاك.
فمن تأنَّى ولم يستعجل، بل تريث ودرس الأمر جيدًا من جميع جوانبه، وخطط لفعله أو قوله تخطيطًا مبرمًا، فلا شك في أنه سينجح: «من تأنَّى نال ما تمنى».

ثالثًا: «التسرُّع يفسد الأمور»
وهذا المثل هو على العكس من المثل الثاني؛ ذلك أن المثل الثاني يتحدث عن النتيجة الإيجابية لعجز المثل الأول، في حين أن المثل الثالث يتحدث عن النتيجة السلبية لصدر المثل الأول. فـ«التسرع يفسد الأمور» هو المعنى نفسه الذي يؤديه صدر المثل الأول: «في العجلة الندامة»، والندامة فُسِّرت هنا بإفساد الأمور وذهاب ثمرتها.
رابعًا: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه»
وتوجد صياغة أخرى لهذا المثل، قولهم: «من طلب الشيء قبل إبانه عوقب بحرمانه».
ومعناهما واحد؛ فلفظ «طلب» يدل على أنه طلبه طلبًا حثيثًا، وجرى من ورائه جريًا سريعًا من أجل أن يتحصل عليه بطريقة ما.
أما قولهم في الصياغة الأولى للمثل: «قبل أوانه»، فهو قولهم نفسه في الصياغة الثانية: «قبل إبانه»، فكلاهما من المترادفات اللغوية الدالة على الوقت المحدد للأمر.
قاعدة فقهية أصولية
وهذا المثل صار قاعدة عامة؛ ففقهاء الفقه الإسلامي استدلوا به في بعض القضايا، وجعلوه قاعدة أصولية وفقهية. وكذلك فقهاء القانون الوضعي جعلوه قاعدة قانونية بنوا عليها بعض القوانين التي تدخل تحت هذا السياق.
ومن تطبيقات هذا المثل وهذه القاعدة في الفقه الإسلامي قولهم: إن القاتل إذا كان من ورثة المقتول لا يرث شيئًا مما تركه القتيل؛ لأنه ما قتله إلا ليرثه، فيكون بذلك قد طلب الإرث قبل وقته، فيعاقب بحرمانه من الإرث. وقس على ذلك ما يدخل تحت هذا الباب.
الشعر يعضد المثل
قال القطامي: «قد يُدرك المتأني بعض حاجته.. وقد يكون مع المستعجل الزللُ».
يُعد هذا البيت الشعري من أصدق ما جرى مَجرى الأمثال في لغة العرب، وهو يضع ميزانًا دقيقًا للمقارنة بين عاقبة التؤدة وعاقبة الاندفاع. فالمتأني الذي يدرس خُطواته ويمشي نحو هدفه بوعي، لا شك في أنه سيظفر بمراده أو بجزء كبير منه في نهاية المطاف.
أما المستعجل الذي يظن أن السرعة هي السبيل الوحيد للنجاح، فغالبًا ما يرافقه «الزلل»؛ والزلل هنا هو الخطأ الذي يقع فيه المرء نتيجة عدم التثبت، مما قد يؤدي به إلى السقوط في منتصف الطريق.
والمعنى التربوي هنا يتقاطع مع الأمثال الأربعة السابقة في نقطة جوهرية؛ وهي أن الوصول المتأخر مع السلامة والظفر، خيرٌ ألف مرة من الوصول السريع المليء بالعثرات والأخطاء. فالمتأني يملك زمام أمره، بينما المستعجل تملكه الرغبة في الوصول، فيعمى عن رؤية العقبات، فيكون سقوطه ثمنًا لاستعجاله.
وختامًا أقول: إن الأمثال مدرسة تربوية كبيرة وعميقة، لا يدرك كنهها إلا من غاص في لجج أعماق بحر الأمثال، وسبح في أمواجها المتلاطمة من أجل استخراج لآلئها وجواهرها. أما من غفل عنها، وتجاهلها، وتركها وراء ظهره، فقد فاته شيء كثير، وخبرات كبيرة قد ضربت جذورها في أعماق التاريخ، وحوت خبرات ملايين أو مليارات من البشر السابقين. وكما يقال: «من فاتك بليلة، فاتك بحيلة».
مرحبا بكم جميعا اصدقائي الأوفياء في صفحتي المتواضعة فضلاً وليس أمرا
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.