البَلد الخيِّرْ

 

قصة قصيرة

البَلَد الخيِّرْ

   ( 1 )                   

       يقولون : لاأتحدث معهم إلا بضع كلمات .. بعضهم يقول : إنه ثقيل الظل .. وإحداهن تقول واصفةً معاناتها فى الحديث معي : لق) : ألا تشفع العين إن نظرت  والفم إذا بسم  والرأس إن تحرك دالاً على القبول أو الرفض ؟!. بالعين أنظر نظرةً بلهاء فأسخر .. وبها أنظر بعطف فأشفق .. وبها أنظر بود فأعشق .. وبها أنظر بغضبٍ فأسخط وأرفض .. وبالعين د أولدنى بصمته ولادة !.

  أجل هذا ما حدث : تقول (أولدتها والفم أبسم فاسخر .. وبهما أبسم فأضحك ..

        و بالرأس إن حركتة ذات اليمين وذات الشمال في تتابع قول لا .. ولي به إن حركتة إلى أعلى وأسفل بتتابع قول نعم .. ماذا بقى للفم ليفعله وباليد إن علوتُ بها مبسوطة الأصابع تحية..

   الآن وقد مضى من الزمن مايقارب العام وأنت ما زلت تبذل من الكلام أقله .. و تفعِّل من أداء الجوارح . فلا تكون العين للنظر فقط .. ولا الفم للطعام فحسب .. و الرأس له مهام أخرى..و اليد ليست لحمل الاشياء حصراً ..

     ماذا في كشف الحساب اليوم؟، كم من الكلم صرفت؟!.. خمس وثلاثين كلمة!.هذا إسراف.. ماذا لو عددت ما تكفل الله به عنك من صرفٍ في الصلوات و قراءة القرآن و الوعظ .. إذن لزادت الحسبة .. فالكلم كثير .. و لكنة أمانة ينبغي التصرف فيها بقدر.. نعم لقد زاد صرفك عن الأمس خمس كلماتٍ .. هذا كثير .. لكن تراك ما تفعل و اليوم أول الشهر بالشركة .. و العمل على أشده في قسم المرتبات و الأجور ؟. كان الله في عون من يعمل صرافاً مثلك .. الآن و بعد أن دونت حساب اليوم ذاهبٌ لأنام حيث زوجتي تنتظر .. لن أصرف عليها شيئاً من الكلم . هي تعلم نهجي الجديد .. و قد أغلقت حساب اليوم و لست على إستعدادٍ لفتحه مرةً اخرى.. كان الله في عونك يازوجتي ..

     هاهي ذي  الزوجة الصابرة تنتظر .. تنظر اليَّ و لا تتفوه بكلمة .. أعلم بما يعتمل في صدرها .. لن اصرف عليها شيئاً فيثقل الحساب..ساكتفي برفع يدي بتحية المساء ..إنها لا ترد التحية .. بل تنظر الي .. تراها تودُّ ... هذه النظرة منها أعلمها .. ليكن ما تريد فهو حقٌ لها و لا يحتاج مني لكثير أو قليل صرفٍ بقدر ما يحتاج مني الى تحركٍ و خفة دم .. سأبدأ ....

ألم أقل لك .. هاهي ذي تتداعى عليّ كما يتداعى الطفل على أمهِ يوسعها تقبيلاً و لثما .

  ( 2 )

      أشرقت الشمس .. وعلى الأفق تناثرت أشعتها الذهبية .. يا للشروق و ما به من جمالٍ و سحرا .. لو كنت شاعراً لنظمت فيه شعرا ، او كنت ناثراً إذن لكتبت فيه سجعا .. أو كنت رساماً لأبدعته لوحه ..

    حسبك يا نفسُ من أمانٍ .. لا وقت للعدو وراء السراب ، فقد حان وقت الذهاب الى العمل .. قد حان وقت الصرف .. حساب الأمس أثقل كاهلي.. ها هم زملاءُ العمل يتطلعون اليّ .. ماذا يودون بعد ان حييتهم جميعاً .. و أنفقت عليهم كلمتين ؟! .. أحدهم يقترب مني . ماذا يريد ؟.. إنه يتحدث الي:(أعطني جدول ضريبة الدخل).

   حان الآن دوركِ يا يد .. إدفعي إليه بالجدول .. إنه يتحدث مرةً ثانيه : (هل قيدت أسماء العمال الجدد ؟ ..)

   لقد حان وقتك يا رأسي العزيز .. علم هذا الأبله كيف تكون لغة الراس .. حسناً لقد إنصرف بلا صرف ..

   و لكن..ما هذا ؟.. يا للمصيبة !!..زميلة العمل التي صرفت عليها بالأمس كلمة..ماذا تود ؟ ..سليها يا عيني..إنها ترد عليك:

  - لا أود أن أعطلك..و لكن قل لي: (هل أنت راضٍ عن حالك هذا ؟)

    حسناً أيها الرأسُ العزيز.. لك من الفم ألف شكر أن تحدثت عنه و أجبت بنعم.. ما لهذه الزميلة و حالي؟..أنها تحشر أنفها في كل شيء !..ها هي الآن تنصرف بعد أن قالت لها العينان :

 (- دعيه يعمل و لا تعطليه ..)

  (  3  )

     إن صرف الكلام في المحادثة ليس كصرف الكلام في النحو،فتنون بعض الكلمات و يمنع بعضها من التنوين(هو الممنوع من الصرف)،و يجوز الصرف أو عدمه في بعض الكلمات الساكنة الوسط .

    الأمر هنا يختلف عنه في النحو..فصرف الكلام يعني نشره في موضعه و في غير موضعه من غير حاجةٍ لذلك..فقد يقوم عضوٌ في الجسد بتوصيل معلومةٍ تحتاج لعددٍ من الكلمات.. يفعل ذلك مع جعل الكلمة نابضةً بالإحساس و الشعور ..

      هذا هوالصرف الذي نقصده.و ضده منع الصرف و قصره على أقل عددٍ ممكن من الكلمات عند تعذر أعضاء الجسم في قيامها بتلك المهام من لمحٍ و إشارةٍ ..

    سيقول البعض من الناس:و ماذا تجني النفس من هذا الصمت المبين؟!. لهؤلاءِ نقول: الصمت يقود الإنسان الى قضايا الفكر و التأمل،فيتدبر أمر نفسه فلا يشرع في فعلٍ إلا و قد قتله بحثاً ليرى وجه الصواب فيه من الخطأ.. و عن قضايا الفكر و قضايا الإيمان لا يأتي ذلك إلا بالصمت الذي يقود إلى الصفاء الروحي و التدبر في العبادة ..

       تخيَّلوا معي ما شكل الكون و قد نهج نهج الصمت..إذن لساد السكون ، و أرتاحت الأعصاب،و زال القلق..وعمرت النفوس بإلإيمان..و ساد الكون السلام..و تخاطب الأنام بغير اللسان..ففقدت النميمة..و حلَّت مكانها الطمآنينة..فما من أحدٍ إلا و قد شغل بأمر نفسه عن غيرهِ.

     نهج الصمت أو لغة الإشارة .. ليست بالجديد المبتدع .. فهي قد وجدت عند الإنسان البدائي في أغراض تبادل السلع و التفاهم بين قومٍ لهم لغة و قومٍ لهم لغة أخرى.فالترحيب بالغريب القادم..حيث لا تعرف لغة يفهمها..عند ذاك نلجأ للغة الإشارة .  

هذا فيما يختص بالصمت في العصر القديم، و في العصر الحديث أغرت فكرة الصمت أناساً و أخطرت أن أهل بلدٍ ما رفعوا من شأن الإجماع السكوت..وقد يحدث التفاهم بتعبيرات عصريه أخرى كثيرة ..لكننا لا ندعو الناس للتخلف كما سيقول البعض:أهي دعوة للتخلف و الرجوع بنا إلى العصر البدائي و لغة الغاب ؟! .. بالطبع لا، بل دعوة للتقدم و الرقي النفسي الى أقصى درجات الرقي .. حيث يتمثل هذا النهج في قول الخير أو الصمت،و لا يأتي ذاك إلا بقصر الكلام على الضروره..

   حقاً إنها لرسالة دكتوراة في (الصمت دين و عقيدة)..غداً أبعث بها الى الجامعة..أعلم ما أنفقته من ليالٍ في إعدادها..و لكن..(في سبيل العلا تهون علينا نفوسنا.. و من يخطب الحسناء لم يغلها المهرُ.)

   ( 4 )

        ما هذه الضجة التي تثيرها الصحافة،ألأجل نيلي الدكتوراة في( الصمت دين و عقيدة) ؟! ..لماذا لا تثار هذه الضجة حول دكتور (عبد المعطي)؟..ألم ينل دكتوراة في الضفادع؟!..حقاً لقد كثرت المطاعن حولي..فهذه إحدى الصحف تقول عن رسالتي:(.. ومن العجيب في دنيا العلم أن برز للوجود من تقدم برسالةٍ لنيل الدكتوراه في الصمت .. تخيلوا !.. نحن في هذا القرن و يأتي من يقول لنا:عودوا الى العالم البدائي..عودوا الى لغة الغاب!!.)

     و هذه صحيفة(المجد) تقول : (إنها لقمة المهزلة أن تمنح جامعة لكسمبورج دكتوراة لهذا المعتوه الذي يدعو للتخلف و الرجوع بنا القهقري،حيث لغة الإشارة و بدائية التعبير).

 ( 5 )

     الآن و قد مرَّ ما يقارب الخمسة عشر عاماً من نيلي رسالة الدكتوراه..و قد ذاع صيتي،و صار يشار لي بالبنان.. ليس بي كبر إذ قلت ما قلت من باب معرفة قدر النفس للنفس ، و لا تثريب علي فيما ذهبت إليه ما دمت لم أطلع عليه أحداً مفاخراً مكابراً..

     نعم لقد صرت من كبار رجال الفكر في و طني،بل و في الوطن العربي الكبير.. صارت مؤلفاتي في الصمت موضع بحثٍ و دراسة من قبل أهل الفكر و الفلسفة، بل و من قبل الألسن غير العربية التي تُرجمت إليها مؤلفاتي.

     يكفي هذا القدر من الحساب اليوم،فقد كاد الليل أن ينتصف..و ما لي في الغد من وقتٍ للراحةِ. فالغد يوم العمل الكثير بالشركة التي أعمل بها ، و يوم الصرف : صرف المال و صرف الكلام : ترى ما العِلاقة بين صرف المال و صرف الكلام ؟!..ربما كلاهما يورث في النفس حسرةً و يجسد معنى الضياع و الفقد!..أم هي عِلاقةٌ أخرى؟!.

(  6  )

      لم اتحصل على إجابةٍ مقنعة لسؤال الأمس..لا يهم:ها أنت الآن بمقر العمل و قد أجل صرف العاملين لمرتباتهم ليوم الغد،فدع ما بالأمسِ يطويهِ اليوم..فالزملاء يحتفون بك.. ولا يصح أن تعرض عنهم ..

   إنتظم الجميع على مقاعدهم في إنتظار ما تجود به قريحتي من ثناءٍ لأشخاصهم..أنت تعلم كم أمقت الثناء،و لكن ما حيلتي..الأمر لله.

      ( أيها الزملاء الأعزاء لساني قاصر عن الشكر و الإفصاح إذ .... ) ما هذا ؟! مدير الشركة قد أتى مسرعاً إلى القاعة التي نحن فيها . إنه يقطع حديثي .. و يقصيني عن مقامي برفق.. ترى لم يفعل هذا ؟!..إني لأدهش لأمره!..

   ها هو- بعد أن تركني عن يمينه– يتحدث إلي الزملاء الذين عقدت الدهشة ألسنتهم عن التحدث..إنه يقول مخاطباً الجميع:

- إنه ليسرني أن أكون أول من يزف إليكم و إلى مفكرنا الكبير(عبد المعين) نبأ فوزه بجائزة نوبل للسلام عن كتابه(الصمت لغة السلام)،فقد وردت إلينا للتو محادثة هاتفية من وزارة الداخلية..

      حقاً ما يقول المدير؟.. وما الذي يدعوه للكذب؟!.. وكل الدلائل تقول بصحة مايقول.. فالزملاء قد أقبلوا مهنئين و محتفين بي أشد الإحتفاء و قد تحدث ضمن من تحدثوا من قال: كنا نحتفل بنتاج مفكرنا الكبير(عبد المعين)عن الصمت،أما الآن فإننا نحتفي به مفكراً حائزاً على جائزةٍ عالمية..

   لا أستطيع تصوير ما أحس به من سعادةٍ, نبعها بلوغي برسالةِ الصمت المرام المقصود، ووضعها في حيز التنفيذ.حيث يجب أن تكون.

      يمتد بي حبل الخيال حتى أجدني قد صرت ملكاً لمملكةِ الصمت،أمراً و ناهياً..أقصد مشيراً بالأمر و مشيراً بالنهي،لأن مملكتي تلزم الصمت إلا إذا أعوذها الكلام، فأفراد مملكتي نساءً و رجالاً ربما يصلون بعضهم البعض عبر نظرةٍ و بسمةٍ، و يدٍ ترتفع و تهوي، و راسٍ يحرك ذات اليمين و ذات اليسار.. و إلى أعلى و إلى أسفل ..

       لا يسمع بمملكتي صراخاً ، و لا يوجد من يعين عليه . تغرق مملكتي في الصمت الكثيف إلا بذكر الله و قول الخير.. و ما أقله.. ما أقله الكلام في مملكتي، حيث أصدر أوأمري إليهم كتابةً، و لا أطيل المكث متحدثاً إليهم فيملون حديثي، و لا يطيقون كثرته، فلا يعملون به.. فقط بضع كلماتٍ و جملٍ قصار، و ينتهي خطاب الراعي لرعيته. و عقاب الثرثار يطرد من مملكتي شرَّ طرده.. فأهل مملكتي ليسوا كمدينة إفلاطون الفاضلة..

     فجأةً دون سابق إنذار،و كما تشتعل النار..عدت من بلدي الخيِّر..و إنهار حلو الخيال.. تقول زوجتي التي تقبع بجانبي،والتي قطعت حبل خيالي: ماذا دهال..أنا أنتظرك منذ ساعة..

- لا شيء يا زوجتي..فقط كنت أحلم ، وها أنا ذا قد عدت و بدت الحقيقة..حقيقة ما نحن فيه من لهوٍ و ثرثرةٍ.. بدت عاريةً تماماً كما أنتِ الآن .

طارق أحمد عبد الله      

Tarig201677@gmail.com

بقلم الكاتب


شاعر و قاص و ناقد


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

لا يسعنا إلا الصمت أمام سلاسة افكارك ورقي كتابتك...بصمتك انبهرنا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعر و قاص و ناقد