البيوت القديمة في المدينة المنورة وأسرار عمارتها الفريدة

كانت بيوت المدينة المنورة -خاصة بيوت الأحواش- ذات مساحات مختلفة؛ فبعضها تصل مساحته نصف مخزن، أو ثلاثة أرباع مخزن، أو مخزن واحد، أو مخزن ونصف، أو مخزنين، أو ثلاثة مخازن، أو أربعة مخازن، وما كانت مساحته أكبر من ذلك فيُعد قصرًا من القصور، والمخزن عند أهل المدينة المنورة هو وحدة تقاس بها الأراضي يساوي 42 مترًا مربعًا.

وتختلف البيوت أيضًا في ارتفاعها وعدد الطوابق، وأغلبها مكون من دورين وثلاثة أدوار، وعدد قليل من البيوت مكون من أربعة أدوار ودور واحد. وتُبنى البيوت بالحجر المنحوت، واللَّبِن المضروب، والطوب المحروق، والطين المخلوط، وسقوفها من جذوع النخل والجريد والحصير وأعواد الأثل، أما الأبواب والنوافذ والرواشين والأرفف، فيصنعها النجار من الخشب المحفور والمنقوش بأشكال هندسية وجمالية.

شكل بيوت المدينة المنورة

وتكون هذه البيوت مكحلة بالجص الأبيض إذا كانت مبنية بالحجارة، ومليَّسة بالطين ومرخَّمة بالنورة في غير ذلك.

هذه البيوت التي يصفها البعض في الوقت الحالي بأنها صغيرة وضيقة، ويستغرب بعضهم كيف كانت تسع مجموعة من العوائل، ومساحتها بالكامل لا تتجاوز مساحة غرفة واحدة في البيوت الحالية. نقول لهم بكل احترام:

إن هذه البيوت الصغيرة الحجم والمساحة في نظر بعض الناس الآن كانت في نظر ساكنيها زمان بيوتًا كبيرة، وذات مساحات شاسعة، وغرف واسعة، ومرافق متعددة؛ لأنهم ينظرون إليها بقلوبهم الدافئة، وعيونهم الممتلئة بالحب والمودة والوئام. هذه البيوت الصغيرة الكبيرة في عيون ساكنيها مهما امتلأت بالعوائل والأحفاد والأسباط فلن تضيق بهم؛ لأن عيونهم مكحلة بالقناعة والرضا، وقلوبهم مزودة بالإيمان والتقوى.

تصميمات الفناء في البيوت القديمة

على أن جميع البيوت تقريبًا المكونة من دور واحد يوجد بداخلها فناء يستغله أهل البيت في الجلوس واستقبال الضيوف من الجيران، كما هو الحال في بيوت حوش الجوهري بالعنبرية وبيوت أحواش زقاق النخاولة، وبعض بيوت باب الكومة.

أما بيوت الحارات والأحواش الضيقة فهي عديمة الفناء، مثل بيوت حارة الأغوات، وحوش أبو جنب بالعنبرية، وبيوت الساحة والشونة وغيرها.

مواد البناء وجماليات الأسقف

وعادة ما يكون بناء البيوت آنذاك في الدور السفلي من الحجر البازلتي، المنقوش والمسوى يدويًا على يد حجَّار ماهر، وصنائعي فنان. وتُبنى الطوابق العلوية من الطوب أو اللَّبِن، وبعض البيوت تُعمل أسقفها من الخشب، وقد شُكِّلت سماؤها بأشكال هندسية غاية في الذوق والفن والإبداع.

أيضًا فواجهات المباني ذات الدورين والثلاثة والأربعة مكسوَّة ومغطاة بالرواشين والمشربيات على كامل المسطح لواجهة المبنى، وهي مصنوعة من الخشب، ومنقوشة بنقوش جميلة موصولة بالزخارف النباتية، والأشكال الهندسية. وبعض البيوت يغطي واجهتها أكثر من روشان؛ لسعة مسطح الواجهة، ولكنها متصلة ببعضها وكأنه عمل واحد.

المشربيات في بيوت المدينة المنورة

الرواشين والمشربيات: جمال وتهوية

وهذه الرواشين توضع بأسلوب معماري متميز وتحمل على بروز في أعمدة السقف للدور الأرضي، وكذلك في الأدوار الأخرى، وتُحمل على حوامل تسمى آنذاك: (كُبُوش أو كَابُولي). وبعض هذه الرواشين تُفتح عن طريق نافذتين إحداهما زجاج يسمح بدخول النور ويمنع دخول الأتربة، والأخرى عبارة عن شيش يسمح بدخول الهواء البارد إلى المجلس. وغالبًا ما يوضع بعض الزجاج الملون في أعلى الروشان بمقاسات هندسية تزيد قيمته الصناعية ومنظره البديع وفنه الرفيع.

تركيب الرواشين

وهناك بيوت جميلة كانت في المدينة المنورة قبل عمارة وتوسعة المسجد النبوي الشريف ما بين عامي 1370-1405 هـ وتحديث المدينة المنورة وإزالة جميع المباني والأحواش والحارات، حيث كانت هناك مبانٍ برواشين متميزة في كل أنحاء المدينة المنورة، وخاصة في بيت شارع العنبرية، وبيوت شارع الساحة، ومدخل زقاق الطيار، ومدخل التاجوري، وفي السيح، ومدخل حوش منصور، وحوش عميرة، وحوش مناع، وكذلك بيوت مقعد بني حسين، وبيوت باب المجيدي، وبيوت سويقة، وغيرها، ومعظم البيوت سميكة الجدران حيث يبلغ سمك بعضها قرابة المتر أو أقل قليلًا.

محتويات البيت المديني القديم: تفاصيل الحياة اليومية

والغرض من هذا الوصف هو إعطاء الأجيال صورة مصغرة عن المدينة المنورة في بعض الجوانب الحياتية والعمرانية والاقتصادية؛ نظرًا لأن بعض أسماء محتوى البيت القديمة قد اختلفت لعدم الحاجة إليها، أو لأن البيوت الحديثة قد اكتسبت أسماء حديثة في صالونات الاستقبال، والرواق، والمطبخ الحديث، وغرفة النوم، وغرفة الكي، والغسل، إلى غير ذلك من الأسماء.

معجم البيت المديني القديم.. جولة داخلية

محتويات البيت القديم (البيت المكون من دورين) كالتالي:

  • الضبة والمفتاح: أي قفل الباب الخارجي وهي من الخشب.
  • العتبة: هي درجة الباب الخارجي.
  • الدهليس (الدهليز): الممر من الباب الخارجي المؤدي إلى الداخل.
  • السِّيب: الممر بين المجالس في الدور الأول.
  • دكة الدهليز: على أحد جوانب الدهليز تُقام دكة لكبير العائلة.
  • المقعد: على أحد جوانب الدهليز مقابلة للدكة.
  • الديوان: في الدور الأرضي مخصص لمبيت الضيوف وغير ذلك.
  • القاعة: في صدر الدور الأرضي وهي عادة ما تكون بدكة أو دكتين.
  • الجِلَا: لتهوية القاعة من السطوح، ويُغلق ويفتح حسب الحاجة.
  • الحِينِيَّة: فراغ لفة الدرج يوضع فيها شراب الماء أو الحنفية.
  • بيت البئر: الموضع الذي يقع فيه بئر الماء، إن وجد في البيت. 
  • بيت الماء: أي المرحاض وهو موجود في كل دور.
  • المُرَكَّبْ: أي المطبخ حيث كان الطبخ بالحطب والفحم.
  • البَرْبُوخ: مجرى الصرف الصحي من الدور العلوي إلى أسفل.
  • الرَّاوَنْدِيَّة: السرداب الأرضي.
  • الطَّيْرمَة: مكان فوق الدرج في الدور العلوي لحفظ الأمتعة وغيرها.
  • المجلس: الغرفة التي تقع في الدور الثاني فوق دكة الدهليز.
  • الدِّقِيسِي: الغرفة التي تقع في الدور الثاني فوق المدخل الرئيس.
  • الصُّفَّة: هي مكان الجلوس في الدور الثاني في وسط الغرف.
  • المؤخر الصغير: غرفة فوق أحد دكاك القاعة.
  • المؤخر الكبير: غرفة فوق أحد دكاك القاعة.
  • المسروقة: غرفة صغيرة مختزلة من لفة الدرج الطالع.
  • الخَارِجَة: غرفة مكشوفة أشبه بالبلكونة أو الرواق.
  • الروشان: النافذة الكبيرة التي تكسو واجهة البيت.
  • الغُولة: طاقة بارزة في الروشان وتوضع فيها شربتا ماء.
  • السقيفة: جزء مظلل في أوسط المنازل مخصص للجلوس أحيانًا.
  • فرش الحجر: الدهليز المرصوفة أرضيته بالحجارة المنقوشة.
  • البَسْطَة: درجة الراحة المنبسطة بين لفة الصعود إلى الدور الثاني. 

على أن بعض البيوت فيها أكثر من (بيت الماء) ويسمى: الحمام، والمرحاض، وبيت الخلاء، وبيت الأدب، وبيت الحاجة. وكان منفصلًا أيضًا عن مكان الغسل الذي يسمى بالحمام.

وفي بعض البيوت أيضًا سرداب، وهو غير الراوندية مخصص لتخزين الأشياء، وهناك أيضًا مخزن لحفظ المواد والأرزاق، وقد كان في بعض البيوت بجانب أبوابها أخنان مبنية باللبن أو بالخشب أو بالجريد لحفظ الدجاج والأغنام.

مكونات بيوت المدينة المنورة قديمًا

أما البيوت التي كانت موجودة في البلدان والبساتين فكان ملحقًا بها أمكنة تُسمى: (نزلة) وهي بيت للعيش فيه، ومكان آخر يسمى (عزلة) وهو مكان توضع فيه الحيوانات، ومكان آخر يسمى (عشة) وهو مكان مظلل بجريد النخل يُخصص للجلوس في أوقات الحرارة.

وتتميز بيوت الأحواش والأزقة حتى البيوت المطلة على الشارع بأنه لم تكن الأبواب الخارجية تُفتح مباشرة على الدهليز أو السبب، بل كان لها نظام فريد، حيث إنه قبل الباب يوجد شيش أو ستارة، إما من شرائح الخشب الصغيرة على هيئة مربعات أو أشكال البقلاوة، صنعه نجار ماهر، أو ستارة مصنوعة من شرائح جرائد النخل بطول الباب، تتخللها فتحات صغيرة بين كل جريدة وجريدة، تسمح بدخول الهواء، وهذه يصنعها القفاص. ومن مميزات الشيش والستارة أنهما يسمحان بدخول الهواء ومروره إلى داخل البيت، خصوصًا عندما يُرش خارج الباب بالماء في فصل الصيف فيعمل ذلك على تلطيف الهواء.

في النهاية، لم تكن بيوت المدينة المنورة القديمة أبنية من حجر وخشب فحسب، بل كانت أنظمة اجتماعية حية، تنبض بالقناعة، وتفيض بالترابط الأسري. لقد عكست عمارتها الفريدة، من الرواشين البديعة إلى أدق تفاصيل تقسيماتها الداخلية، حكمة الأجداد في التكيف مع بيئتهم، وقدرتهم على خلق الجمال من أبسط المواد. وعلى الرغم من أن أغلب هذه البيوت قد اندثرت، فإن الحفاظ على ذاكرتها وتراثها الشفهي والمكتوب يظل واجبًا، لننقل للأجيال القادمة قصة مكان كانت فيه البساطة هي سر السعة والجمال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.