البيعُ على المكشوف استراتيجيةٌ للاستثمار أو التداول (المُتاجَرَة) يُضارَب فيها على تراجع أسعار سهمٍ أو ورقةٍ ماليةٍ، إنها استراتيجية متطورة ينبغي ألاَّ يقوم بها إلا المستثمرون والمتداولون المُتَمَرِّسون.
قد يستخدم المتداولون البيعَ على المكشوف في المُضارَبَةِ بينما يَستَخدِمُها المستثمرون في التَّحَوُّطِ من مخاطر الهبوط لمركزٍ شرائيٍّ طويلٍ في ذاتِ الورقةِ الماليةِ أو في ورقةٍ ماليةٍ مرتبطةٍ بها، تنطوى المُضارَبَةُ على احتمال حدوث مخاطر مادية حقيقية، وتمثل أسلوبَ تداولٍ متطور، والتحوط هو معاملةٌ أكثر شيوعاً تتضمن وضع مركزٍ تعويضيٍّ (Offsetting position) لِلحَدِّ من الانكشاف على المخاطر.
يُفتح المركز في البيع على المكشوف عبر اقتراض حصص من أسهمٍ أو أصولٍ ماليةٍ أخرى يُؤمِنُ المستثمرُ أن قيمتها ستتدنى عند تاريخٍ مستقبليٍّ مُحَدَّدٍ، يبيعُ المستثمرُ حينئذٍ تلك الحصص إلى مشترين راغبين في دفع الثمن بسعر السوق، ويراهن المتداولُ على استكمال سعر السهم لمسيرة الهبوط قبل أجل إعادته إلى المٌقرِضِ، وأنه سيتمكن من شرائه مرة أخرى بتكلفة أقل، نظرياً، مخاطرُ الخسارة من البيع على المكشوف لا محدودة، حيث يمكن لسعر أيّ أصل مادي أن يواصل ارتفاعه إلى ما لا نهاية.
كيف يعمل "البيع على المكشوف"؟
يَفتَحُ البائعُ المركزَ (Position) عبر اقتراض حِصَصٍ، وغالباً من شركة سمسرة أو تاجر كبير مُفَوَّض (Dealer)، سوف يحاول البائع استغلال الأسهم للربح قبل أن يتوجب عليه إعادتها إلى المُقرِض، ولكي يتمكن من فتح مركز بيع على المكشوف ينبغي أن يكون لدى المتداول حسابُ هامش (شراء بالهامش)، وفي الغالب سيتوجب عليه دفع نسبة فائدة على الأسهم المُقتَرَضَة طوال فترة فتح الصفقة، تضع المؤسسات الحاكمة لعمليات التداول مثل هيئات الأسواق المالية، وهيئات الرقابة المالية القواعدَ واللوائحَ التي تَحكُمُ شركاتِ السمسرةِ والتجارَ الكبارَ المفوضين (Dealers) في البورصات، تضعُ قِيَماً أدنَى للمبالغ التي ينبغي وجودها في أرصدة حساب الهامش لئلا يُغلَق، ويُسمَّى المَبلغ هامش الصيانة (Maintenance margin)، إذا هبطت قيمة رصيد المتداول تحت هامش الصيانة، ينبغي ضخ المزيد من الأموال في الحساب، وإلاَّ يُمكن لشركة السمسرة إغلاق المركز (الصفقة) تلقائياً.
لإغلاق مركز بيع على المكشوف يُعيدُ المتداولُ شراءَ الأسهُمِ من السوق، وحبذا لو كانَ بسعرٍ أقل من ذلك الذي اقترضَ الأصلَ الماليَّ عنده، ويعيد تلك الأسهم إلى المُقرِضِ أو شركةِ السمسرة، ينبغي أن يضع المتداولُ في حُسبانِهِ أية فوائد مفروضة من قِبَل شركة السمسرة، وأية عمولات مفروضة على الصفقات.
تقوم شركات السمسرة، خلفَ الستار، بعمليةِ إيجاد الأسهم التي يمكن اقتراضها وإعادتها في نهاية الصفقة، ويمكن فتح وإغلاق الصفقة عبر منصات التداول المعتادة الخاصة بمعظم شركات السمسرة إلا أن كل شركة سمسرة سيكون لديها مؤهلات (مواصفات) خاصة ينبغي أن يتحلى بها حسابُ المتداولِ قَبلَ السماح له بالتداول بالهامش.
الأفكار الأساسية حتى الآن:
يحدث البيع على المكشوف حين يقترض مستثمرٌ ورقةً ماليةً ما ويبيعها في السوق المفتوحة سعياً لإعادة شرائها لاحقاً بأموالٍ أقل.
يراهن البائعون على المكشوف، ويربحون من هبوط سعر الورقة المالية.
نسبة المخاطر إلى الجَزاء (Risk/reward ratio) للبيع على المكشوف عالية؛ يمكنها أن تعطي أرباحاً طائلة كما يمكن أن تتعاظم الخسائر بسرعة وإلى ما لا نهاية.
كما ذكرنا سابقاً، أحَدُ الأسباب الرئيسة للانخراط في عملية البيع على المكشوف هو المضاربة، يمكن تصنيف استراتيجيات الشراء الطويل التقليدية إلى استثمار ومضاربة، الأمرُ الذي يعتمد على عامِلَينهما:
- درجةِ المخاطرِ المُتَّخَذَة في الصفقة.
- الأُفُقِ الزَّمَنِيِّ للصفقة.
يميل الاستثمارُ لأن يكونَ قليلَ المخاطرةِ ويكون الأفق الزمني عموماً طويل الأجل قد يمتد لسنوات وربما لعقود، المُضارَبَة نشاطٌ أكثرُ مُخاطرَة بكثير، وعادة ما يكون أفقه الزمني قصيرَ الأجل.
البيع على المكشوف للربح:
تَخَيَّل متداولاً يؤمنُ أن السهم (س) الذي يتداول حالياً بسعر 50 ديناراً، سوف ينخفض سعره خلال الشهور الثلاثة المقبلة، مما جعله يقترض 100 سهم ويبيعه لمستثمر آخر، أصبح المتداول مُفتَقِراً لمئة سهم "Short" حيث إنه باع شيئاً لا يملكه بل اقترضه، مما جعل البيع على المكشوف ممكناً إلا عبر اقتراضِ الأسهم، وهو الأمر الذي قد لا يتوفر أحياناً، إذا ما كان السهم قد بيعَ على المكشوف بكثافة عن طريق متداولين آخرين، بعد أسبوع قدمت الشركة التي بيعَت أسهمها على المكشوف تقريراً كَشَفَ عن نتائج مالية مخيبة للآمال، وهبط سعر السهم إلى 40 ريالاً، قرر المتداولُ إغلاقَ صفقةِ البيع على المكشوف واشترى 100 سهم، بـ 40 ديناراً من السوق المفتوحة، لِتَحِلَّ محل الأسهم المقترضة، كان ربح المتداول من صفقة البيع على المكشوف دون حساب العمولات، والفائدة على حساب الهامش 1000 دينار، (50 دينار – 40 دينار = 10 دينار x 100 سهم = 1000 دينار).
البيع على المكشوف والخسارة
باستخدام السياق السابق، لنفترض أن المتداول لم يغلق مركز البيع على المكشوف كلياً عند سعر 40 ديناراً، وقرر تركه مفتوحاً لتعظيم الربح مع ازدياد تراجع السعر، إلا أن مستثمراً انقضَّ ليستحوذَ على الشركة وقدَّمَ عرضاً للاستحواذ عليها بسعر 65 ديناراً للسهم، وارتفع السعرُ بقوة، إذا قرر المتداولُ إغلاقَ مركزِ البيعِ على المكشوف بسعر 65 ديناراً فإن خسارَتَهُ من البيع على المكشوف ستكون 1500 دينار (50 – 65 = - 15دينار)*(100 سهم ) = - 1500 دينار (خسارة وقدرها 1500 دينار)، تَوَجَّبَ على المتداول هنا شراء الأسهم بسعر أعلى بكثير من السعر الذي اقترضه بها، لتغطية المركز.
البيع على المكشوف كَوسيلة تَحَوُّط
بعيداً عن المضاربة، للبيع على المكشوف غَرَضٌ مُفيدٌ آخر هو التَّحَوُّط، والذي يُنظَر إليه على أنه الصورة الرمزية الأكثر احتراماً والأقل خطورة للبيع على المكشوف، في مقابل حافز الربح الخالص الموجود في المضاربة، والهدفُ الرئيس من التحوط هو الحماية، ويُتَّخَذ التحوط لحماية الأرباح أو لتلطيف أثر الخسائر في محفظةٍ ماليةٍ ما، لكن ولكونه يأتي بكُلفَةٍ عالية فإن الغالبية العُظمَى من المستثمرين الصغار لا يفكرون فيه في الأوقات العادية.
تَكلِفَةُ التَّحَوُّطِ مُضاعَفَة، هناك التكلفة الفعلية لوضع التحوط مثل النفقات المرتبطة بعمليات البيع على المكشوف أو العلاوات المدفوعة لعقود الخيارات الوقائية، أيضاً هناك تكلفة الفرصة البديلة التي سيتم التعامل معها إذا ما تخطَّت المحفظة سعراً ما لأعلى، واستمر السعر في الصعود مثلاً إذا كانت محفظة ما مرتبطةً ارتباطاً وثيقاً بمؤشر ستاندَرد آند بورز 500، جرى التحوط عليها، وتحرك المؤشر 15% لأعلى خلال الاثني عشر شهراً الآتية، فسوف تسجل المحفظة نصف هذا الربح تقريباً فقط.
إيجابيات وسلبيات البيع على المكشوف:
قد يكون البيع على المكشوف مُكلفاً إذا أخطأ البائع في تخمينه المتعلق بتحرك الأسعار، وقد يخسر المتداول المشتري لسهمٍ ما فقط 100% مما أنفقه إذا وصل سعر السهم إلى صفر، لكن إذا باع متداولٌ سهماً على المكشوف قد يخسر أكثر بكثير من استثماره المبدئي في الصفقة، ويكمن الخطر في عدم وجود سقف لسعر السهم، فقد يرتفع إلى ما لا نهاية، وكما أنه طالما ظل السهم مقترضاً فإن المتداولَ عليه تمويل حساب الهامش حتى إذا سارت الأمور على ما يرام، وينبغي على المتداول حساب تكلفة فائدة الهامش عند حساب الأرباح.
الإيجابيات:
- احتماليةُ الأرباحِ الضخمة.
- رأس المال المبدئي المطلوب صغير.
- الاستثمارات بالروافع المالية ممكنة.
- التحوط مقابل المقتنيات الأخرى.
السلبيات:
- الخسائر غير المحدودة المحتملة.
- ضرورة وجود حساب هامش.
- الفوائد المُتَكَبَّدَة في حساب الهامش.
- مآزق البائعين على المكشوف (Short squeezes).
عندما يَحينُ وَقتُ إغلاقِ مركزٍ ما، قد يُواجِهُ البائعُ على المكشوفِ المتاعبَ في العثور على أسهم كافية لشرائها، يحدث هذا إذا كان هناك كثير من المتداولين قد باعوا على المكشوف أو في حالة الأسهم ضعيفة أحجام التداول، وعلى العكس قد يقع البائعون على المكشوف في الفخ إذا ما تحقق مأزق البائعين على المكشوف حالَ ارتفاع السوق، أو سهمٍ ما بشكل صاروخي.
في المقابل، الاستراتيجيات التي تنطوي على مخاطر عالية تنطوي على عوائد مرتفعة مجزية، ولا يمثل البيع على المكشوف استثناء.
إذا توقع البائع الحركات السعرية بشكلٍ صحيح يمكنه تحقيق عائدٍ منهجيٍّ على الاستثمار وخاصةً إذا استخدم الهامش لبدء الصفقة.
إن استخدام الهامش يضيف رافعةً مالية، وهو ما يعني أن المتداول ليس مضطراً لوضع الكثير من ماله الخاص كاستثمارٍ مبدئي.
إذا بيعَ على المكشوف بعناية، يمكن أن يصبح البيعُ على المكشوف وسيلةً غيرَ مُكلِفَةٍ للتحوط، وهو ما يوفر موازنة للمقتنيات الأخرى في المحفظة.
يتبع
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.