ألبير قصيري فيلسوف الكسل وفولتير النيل.. رحلة أديب خارج المألوف

يُعد ألبير قصيري شخصية أدبية فريدة ومتمردة في تاريخ الأدب العالمي، هو الكاتب المصري الذي أتقن الفرنسية وجعلها لغته الأدبية، لكنه لم يكتب إلا عن مصر وشوارعها وشخصياتها الهامشية، وهو ابن العائلة الثرية الذي قضى حياته زاهدًا في غرفة فندق رخيصة في باريس، ورفع الكسل إلى مرتبة الفلسفة، أُطلق عليه لقب «فولتير النيل» وفيلسوف الكسل، وظل طول حياته صوتًا ساخرًا ينتقد العبث الإنساني والطمع والعمل المفرط.

في هذا المقال، نصحبك في جولة سريعة في حياة ألبير قصيري لنتعرف على أهم المحطات التي مر بها على مدار تجربته الشخصية والإبداعية، ونفهم سر هذه الألقاب التي أُطلقت عليه، إضافة إلى التعرف على أهم أعمال ألبير قصيري الأدبية في السطور التالية. تُقدم هذه الجولة نظرة عميقة على حياة أديب فريد تحدى القوالب، وترك بصمة مميزة في الأدب الفرنسي على الرغم من عشقه لوطنه الأم مصر.

قد لا يعرف كثير من المثقفين والأدباء والقراء العرب ذلك الأديب المصري الكبير الذي كتب بالفرنسية، وانشغل بالكتابة عن مصر. وتناولت أعماله المهمشين في وطننا العربي، على الرغم من أنه عاش معظم عمره في فرنسا، إنه الأديب الكبير ألبير قصيري الذي أُطلق عليه ألقاب عدة منها: فيلسوف الكسل، ورائد أدب المهمشين، وفولتير النيل. وحظي بتقدير كبير لدى الدول الناطقة بالفرنسية، في حين لم يحظَ بنفس القدر في البلاد العربية.

مولد ونشأة ألبير قصيري

وُلِد ألبير قصيري في حي الفجالة يوم 3 نوفمبر عام 1913 لعائلة تعود أصولها إلى منطقة القصير في بلاد الشام، وهي أسرة ميسورة الحال من الروم الأرثوذكس، إذ كانت لهم ممتلكات كثيرة تدر دخلاً منتظمًا، ما ساعد الأسرة على أن تعيش حياة كريمة ولا تحتاج إلى أن تعمل، إضافة إلى نظام حياة مدلل إلى حد كبير، وهو ما كان له تأثير واضح على ألبير قصيري بعد ذلك.

تعلم ألبير قصيري في المنزل، وانتقل بعد ذلك إلى مدارس دينية مسيحية قبل أن يلتحق بمدرسة الجيزويت الفرنسية، وهو ما ساعده على إتقان اللغة الفرنسية والابتعاد قليلًا عن اللغة العربية، وكانت قراءاته في الأدب الفرنسي، فتعرَّف على الكُتاب الكبار مثل موليير وفولتير وفيكتور هوجو، في حين كان اتصاله بالأدب العربي ضعيفًا إلى حد ما.

في سن العاشرة، بدأ ألبير قصيري يكتب القصص باللغة الفرنسية، ولم يُتم دراسته الثانوية، على الرغم من أنه لم تكن توجد عقبات تمنعه من إكمال الدراسة، ويمكن تفسير ذلك حسب طريقة حياة الأسرة التي كانت تتعامل مع كل شيء في الحياة ببساطة شديدة نتيجة الوضع المادي الذي يسمح لهم بذلك، فلم يكن يوجد ضغط أو حاجة للتعليم أو العمل أو بذل أي مجهود كبير دون رغبة أو شغف.

محطات في حياة ألبير قصيري

في سن المراهقة، بدأ ألبير قصيري يتنقل بين الدول والمدن في أسفار ورحلات ممتعة وشيقة، فسافر إلى فرنسا وأمريكا وإنجلترا قبل أن يعود مرة أخرى إلى باريس ويستقر فيها عام 1945.

كانت وسيلة ألبير قصيري للسفر بين البلدان والتجول في دول أوروبا هي العمل في البحرية التجارية، وذلك منذ عام 1939 حتى عام 1943، قبل أن يعيش في باريس منذ عام 1945 حتى نهاية حياته، ليصبح مواطنًا فرنسيًّا بامتياز، لكنه لم يحصل أبدًا على الجنسية الفرنسية لأنه لم يرغب فيها أبدًا.

من الجدير بالذكر أن ألبير قصيري عاش طوال حياته في غرفة في أحد الفنادق في حي «سان جيرمان»، وذلك لأنه كان يكره أن يعيش في بيت أو يمتلك سكنًا خاصًا. وكان دائمًا يقول: «إن الملكية هي ما تجعل منك عبدًا»، وقد يتوافق هذا الأمر مع فلسفة العائلة في مسألة الكسل، إذ عُرف عنه حبه للكسل وعدم رغبته في العمل، وكذلك كانت أسرته منذ الجد حتى الأحفاد.

حياة ألبير قصيري

يقول ألبير قصيري: «حين نملك في الشرق ما يكفي لنعيش منه، لا نعود نعمل بعد ذلك. أما في أوروبا، فهم يعملون لكسب مزيد، حتى وهم يملكون الكثير». لذا تحولت فلسفة الكسل لدى ألبير قصيري من حال شخصي نتيجة وجود أملاك وعوائد، إلى فكرة يحاول تصديرها للآخرين، ويسعى لترويجها في أعماله وكتاباته؛ لذا عُرف بعد ذلك بفيلسوف الكسل.

تزوج الأديب المصري صاحب الأصول السورية ألبير قصيري من ممثلة فرنسية تعمل في المسرح، لكن هذا الزواج لم ينجح ولم يستمر طويلًا، كما أن ألبير قصيري لم يكرر التجربة مرة أخرى، وعاش وحيدًا طوال حياته. وعندما كان يسأله أحد الصحفيين أو النقاد عن فكرة العيش أعزبًا واحتياجه النفسي والعاطفي للزوجة، كان يقول دائمًا: «السعادة أن أكون بمفردي».

وفي فرنسا، تعرف ألبير قصيري على الكثير من أصحاب المواهب والمبدعين، الذين أصبحوا بعد ذلك نجومًا في المشهد الأدبي الفرنسي والعالمي، وعلى رأسهم جان بول سارتر، وألبير كامو، وهنري ميلر، ولورانس داريل، وهم أصدقاء الرحلة الأدبية بالنسبة لألبير قصيري، وكانوا يلتقون في مقهى «دو فلور» طول 15 عامًا.

وعلى الرغم من أنه عاش في فرنسا طوال هذه السنوات، رفض ألبير قصيري الاقتراحات والطلبات والأفكار التي كانت تطالبه بالحصول على الجنسية الفرنسية، إذ كان يقول: «لست في حاجة لأن أعيش في مصر لأكتب عنها، وكذلك لست مضطرًا للكتابة عن مصر بالعربية. وسأظل مصريًا حتى آخر يوم في عمري، حتى وإن كنت أعيش في فرنسا، فإن مصر تعيش في داخلي وتحتل ذاكرتي».

أدب ألبير قصيري

على الرغم من أن ألبير قصيري أجاد الفرنسية ولم يكن على الدرجة نفسها من الإتقان في اللغة العربية، فإنه اختار أن يتحدث عن مصر حتى ولو كان الحديث بالفرنسية، فكتب عن المصريين وناقش القضايا التي تشغل بالهم، ودارت أحداث قصصه ورواياته في مدن القاهرة والإسكندرية ودمياط، وهو ما جعلهم يطلقون عليه في فرنسا «فولتير النيل».

كما كان ألبير قصيري يؤكد دائمًا على أن القضايا التي يتناولها هي قضايا إنسانية تهم الإنسان في كل مكان، وكان يقول إن الإنسان في مصر يشبه نفس الإنسان الذي يعيش في قلب باريس، مع اختلاف اللغة، لكنه كان واعيًا بالموقف الشرقي والتفاصيل التي تمنح الشخصية المصرية خصوصياتها.

لذا كان التناول عميقًا وأصيلًا، فهو مصري يكتب عن مصر وهموم المصريين، على الرغم أن الكتابة كانت بلغة مختلفة، وهذا ما جعل الباحث الأدبي «حنا شاهين» يكتب عن ألبير قصيري كتابًا بعنوان «ألبير قصيري والسخرية والتهميش إجابة على الحداثة»، الذي أشار فيه إلى خصوصية كتابات ألبير قصيري عن الواقع المصري باللغة الفرنسية، على الرغم من أنه لم يكن منفيًا أو خاضعًا للغة أجنبية، فكانت الفرنسية هي لغته الأولى، وكانت مصر هي همه الأول.

كذلك، كان الأديب ألبير قصيري يتناول الكسل في كتاباته الأدبية كفلسفة يحاول تصديرها للقراء، وكان يدعو إلى رفض العمل، وهو ما يعود إلى نشأته المدللة، لكن الأمر كان أكبر من ذلك؛ إذ كان ألبير قصيري يدعو فئات المجتمع على اختلاف ظروفها إلى رفض العمل واتخاذ الكسل منهجًا للحياة والتفرغ من أجل التأمل والاستمتاع، على نحو مثير للجدل دفع كثيرًا من النقاد إلى مهاجمة أعمال ألبير قصيري.

وعلى مستوى تناول أعمال ألبير قصيري، فقد ساد احتفاء كبير من القراء الذين يجيدون الفرنسية في فرنسا وخارجها، لكن أعماله التي تُرْجِمَت إلى 15 لغة لم تجد هذا الاحتفاء في العالم العربي، وهو ما أرجعه ألبير قصيري إلى الترجمة الضعيفة التي جعلت منه صوتًا خافتًا بين أصوات الأدباء العرب من جيله والأجيال التالية. كما كان أدب ألبير قصيري غريبًا إلى حد ما في أوروبا، إذ كان الأديب يكتب عن هموم الشرق ومعاناة الناس في بلاد بعيدة. لذا، سادت غربة مزدوجة لأعمال ألبير قصيري، فهو الأديب الذي يكتب بالفرنسية عن أناس يتحدثون العربية. وهكذا كانت تجربته الأدبية على مدار نحو 70 عامًا.

أعمال ومؤلفات ألبير قصيري

على الرغم من أن معظم أعمال ألبير قصيري قد تُرْجِمَت إلى اللغة العربية، فإنها كانت تتعرض لكثير من الحذف بسبب الرقابة، وهو ما جعله غير راضٍ عن نسخ أعماله باللغة العربية. ولعل أبرز أعمال ألبير قصيري ما يلي:

أعمال ألبير قصيري

  • «لسعات» – ديوان شعر نشره في القاهرة عام 1931
  • «بشر نسيهم الرب» – مجموعة قصصية صدرت في القاهرة عام 1941
  • «بيت الموت المحتوم» – عام 1944
  • «تنابل الوادي الخصيب» – عام 1948
  • «شحاذون ومتغطرسون» – عام 1955
  • «العنف والسخرية» – عام 1962
  • «مؤامرة مهرجين» – عام 1975
  • «طموح في الصحراء» – عام 1984
  • «موت المنزل الأكيد» – عام 1992
  • «ألوان النذالة» – عام 1999

جوائز وتكريمات ألبير قصيري

حصل الأديب المصري صاحب الأصول السورية ألبير قصيري على عدد من الجوائز والتكريمات في حياته وبعد موته، ومن بينها:

  • جائزة جمعية الأدباء عام 1965
  • جائزة الأكاديمية الفرنسية للفرانكوفونية عام 1990
  • جائزة أودي بيرتي عام 1995
  • جائزة البحر المتوسط عام 2000
  • جائزة بوسيتون لجمعية الأدباء عام 2005

اقتباسات من أعمال ألبير قصيري

«كيف حال البشر الآن يا أمير؟ أذكر أنهم أشرار، إنهم هكذا دائمًا، ولكن غبائهم لا يزال ممتعًا».

«أعرف شيئين في غاية البساطة، أما الباقي فلا أهمية له. الشيء الأول هو أن العالم الذي نعيش فيه تحكمه عصبة نبيلة من الأنذال التي لطّخت الأرض، والشيء الثاني أنه يجب ألا نأخذ الأمر على محمل الجد، لأن هذا هو ما يرغبون فيه».

«تعلّمت القراءة لأني أحب دائمًا أن أتحقق من كذباتك. إنها متعة تأخرت في معرفتها، للأسف فأنا لم أتقدم، أنا تلميذ بليد للغاية».

اقتباسات ألبير قصيري

«أنا لا أؤمن بالحب، الحب هو مجرد وهم، إنه طريقة أخرى للناس لتخدير أنفسهم. لا يوجد شيء اسمه الحب الحقيقي».

«الروايات هي الأفيون الذي يمنحه الناس لأنفسهم كي يتحملوا وجودهم. إنها طريقة للهروب من الواقع، طريقة لتخدير أنفسهم».

«أنا لا أؤمن بالعمل، إنه مضيعة للوقت. العمل يجعل الناس مرضى وأغبياء. الكسل هو أفضل طريقة للعيش. الكسالى هم أسعد الناس».

وفاة ألبير قصيري

كان ألبير قصيري قد أجرى حوارًا قبل موته بمدة قصيرة مع إحدى المجلات الفرنسية، وأعرب عن رغبته في أن يموت داخل الغرفة التي يعيش فيها في الفندق، وهو ما حدث فعلًا، إذ توفي ألبير قصيري في غرفته في الفندق يوم 22 يونيو عام 2008، وهو في الرابعة والتسعين من عمره، بعد أن عاش بالطريقة التي اختارها وتوفي بالطريقة التي تمناها.

لم يكن ألبير قصيري كاتب عاديًّا، بل كان مشروع حياة متكامل، وتجسيدًا حيًا لفلسفته، لقد رفض كل ما يعده المجتمع نجاحًا -من الثروة والملكية إلى العمل الدؤوب والشهرة الواسعة- واختار بدلاً من ذلك حياة من التأمل والسخرية والكتابة المتقنة، ترك وراءه إرثًا أدبيًا فريدًا يحتفي بالبشر المنسيين، ويجد الحكمة في الكسل، ويقدم ضحكة ساخرة وعميقة في وجه عبث الوجود، سيظل قصيري صوتًا استثنائيًا ومتمردًا في الأدب العالمي، برأيك ما أبرز الجوانب في حياة ألبير قصيري التي تجدها الأكثر إلهامًا أو إثارة للجدل؟

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمّن جولة سريعة في تجربة الكاتب المصري صاحب الأصول السورية الذي كتب بالفرنسية، ألبير قصيري، نرجو أن نكون قد قدّمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعمّ الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة