البيروني مقابل أينشتاين.. هل كان العالم العربي يمتلك عبقريًا أعظم؟

مقارنة بين البيروني وأينشتاين، ليست مقارنة لتقليل من شأن أحدهما، بل لإعادة اكتشاف عظمة منسيّة. إنها رحلة في تاريخ العلم عند العرب تكشف كيف أن علماء العصر الذهبي للإسلام لم يكونوا نقلة للحضارة فقط، بل كانوا مؤسسين وعباقرة سبقوا عصرهم بقرون.

كان أحمد يجلس في مكتبه الصغير، محاطًا بأكوامٍ من الأوراق والكتب المتناثرة في كل مكان. على الحائط أمامه، تتدلى صورة كبيرة لألبرت أينشتاين بشعره الأشعث الشهير ونظرته الثاقبة. كانت تلك الصورة مصدر إلهامٍ يوميٍّ له، لا سيما في الأوقات التي يشعر فيها بالإحباط من رسالة الماجستير التي يكتبها في الفيزياء النظرية.

«أينشتاين... يا لك من عبقري»، تمتم أحمد وهو يتأمل الصورة للمرة الألف، «كيف استطاع عقلٌ بشريٌّ واحد أن يغيّر فهمنا للكون بأسره؟»

كان أحمد، مثل ملايين الطلاب حول العالم، مفتونًا بأينشتاين. قرأ سيرته الذاتية عشرات المرات، وحفظ مقولاته عن ظهر قلب، وكرّس حياته الأكاديمية لفهم نظرياته المعقدة له، لم يكن هناك عالم أعظم في التاريخ من هذا الفيزيائي الألماني الذي أعاد تشكيل فهمنا للزمان والمكان والجاذبية.

المصادفة التي غيّرت كل شيء

في تلك الليلة، بعد ساعاتٍ طويلةٍ من العمل المرهق، قرر أحمد أن يأخذ استراحة. كان عقله مشبعًا بالمعادلات والنظريات، وكان بحاجةٍ ماسّة إلى شيءٍ يشتت انتباهه. فتح جهاز الكمبيوتر وبدأ يتصفّح على نحو عشوائي، حتى وقع على فيلمٍ وثائقي بعنوان «علماء العصر الذهبي الإسلامي».

«لماذا لا؟» فكّر أحمد، «ربما أتعلم شيئًا جديدًا، ولو على سبيل التسلية».

بدأ الفيلم يروي قصصًا عن علماء عربٍ ومسلمين أسهموا في مختلف المجالات العلمية. كان أحمد يشاهد باهتمامٍ خفيف، حتى ظهر اسم غريب على الشاشة: «أبو الريحان محمد بن أحمد البيروني».

في البداية، لم يعر أحمد الأمر اهتمامًا كبيرًا. لكن مع تقدّم الفيلم، بدأت عيناه تتسعان من الدهشة. المعلومات التي كانت تُعرض أمامه بدت غير قابلةٍ للتصديق. هذا العالم الذي عاش في القرن الحادي عشر الميلادي، في منطقةٍ تقع في أوزبكستان الحالية، لم يكن مجرد عالمٍ عادي. كان موسوعةً علميةً متحرّكة، وعبقريةً نادرةً تجاوزت زمانها بقرونٍ.

الصدمة الأولى: عالم بـ 27 علمًا

توقّف أحمد عن التصفّح المتشتّت وركّز بشكلٍ كامل على الفيلم. كان البيروني قد أتقن 27 علمًا مختلفًا: الرياضيات، الفلك، الفيزياء، الجيولوجيا، الصيدلة، التاريخ، الجغرافيا، الأنثروبولوجيا، وحتى الفلسفة واللغات. كتب أكثر من 146 كتابًا، منها موسوعة «القانون المسعودي» التي تُعدّ واحدةً من أهم المراجع الفلكية في التاريخ.

«مستحيل!» همس أحمد، «كيف يمكن لعقلٍ واحدٍ أن يستوعب كل هذا؟»

لكن الصدمة الحقيقية كانت لا تزال قادمة. بدأ الفيلم يستعرض إنجازات البيروني العلمية، وشعر أحمد وكأن الأرض تهتز تحت قدميه!

اكتشافات تسبق عصرها بتسعة قرون

في القرن الحادي عشر، قبل أينشتاين بتسعة قرونٍ كاملة، حسب البيروني محيط الأرض بدقةٍ مذهلة. استخدم طريقةً رياضيةً مبتكرة تعتمد على قياس ارتفاع جبلٍ وزاوية الأفق من قمته. كانت نتيجته 6339.6 كيلومترًا لنصف قطر الأرض، وهو رقمٌ قريبٌ جدًا من القياسات الحديثة.

البيروني

ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ فقد كان البيروني أول من قدّم تفسيرًا علميًا لظاهرة الينابيع والآبار الارتوازية، وفهم كيفية عمل الوديان النهرية، ودرس الأحافير، وأدرك أن الأرض تتغيّر عبر ملايين السنين.

وقف أحمد من مكانه، وقلبه يخفق بقوة. كيف لم يسمع عن هذا العالم من قبل؟ كيف أمضى سنواتٍ في دراسة الفيزياء دون أن يعرف شيئًا عن هذا العبقري العربي؟

سرعة الضوء: من سبق من؟

استمر الفيلم في سرد الإنجازات، وكل معلومةٍ جديدةٍ كانت كالصاعقة بالنسبة لأحمد. ناقش البيروني مفهوم سرعة الضوء، وقال إن الضوء أسرع من الصوت بكثير. هذه الملاحظة، التي تبدو بسيطةً اليوم، كانت ثوريةً في عصره.

الأكثر إثارةً للدهشة، أن البيروني تحدّث عن إمكانية دوران الأرض حول محورها وحول الشمس! في زمنٍ كانت فيه الكنيسة في أوروبا تحرق من يجرؤ على قول ذلك، كان هذا العالم العربي يناقش هذه الفكرة بموضوعيةٍ علمية.

بدأت دموع أحمد تنهمر دون أن يشعر. لم تكن دموع حزن، بل دموع اكتشافٍ وصدمةٍ وشعورٍ غريبٍ بالفخر المختلط بالألم. فخرٌ بأن حضارته أنجبت مثل هذا العبقري، وألمٌ لأنه لم يعرف عنه شيئًا طوال هذه السنوات.

المقارنة التي لا مفرّ منها

أمسك أحمد بدفتر ملاحظاته وبدأ يكتب بحماس. كان عليه أن يقارن، أن يفهم، أن يستوعب ما اكتشفه للتوّ. أينشتاين، عبقريّ القرن العشرين، غيّر فهمنا للكون بنظريته النسبية. أعاد تعريف الزمان والمكان والجاذبية، وأثبت أن الطاقة والمادة وجهان لعملة واحدة «E=mc²». حصل على جائزة نوبل، وأصبح اسمه مرادفًا للعبقرية نفسها. لكن البيروني، بإمكانياتٍ محدودة وفي عصرٍ لم تكن فيه المختبرات الحديثة ولا الأدوات الدقيقة، استطاع أن يحقّق إنجازاتٍ مذهلة. حسب محيط الأرض، ودرس الكثافة النوعية للمعادن، وطوّر آلاتٍ فلكيةٍ معقّدةٍ، وكتب عن الجاذبية، ووصف عملية تشكُّل الصخور الرسوبية.

التخصص مقابل الشمولية

أدرك أحمد فرقًا جوهريًا بين العالمين. أينشتاين كان متخصصًا عميقًا في الفيزياء النظرية؛ كرّس حياته لفهم قوانين الكون الأساسية، وحفر عميقًا في مجالٍ واحد حتى وصل إلى أعماقٍ لم يصلها أحدٌ من قبله.

أمّا البيروني، فكان يمثّل نموذج العالم الموسوعي. لم يكتفِ بالتخصص في علمٍ واحد، بل أراد أن يفهم كل شيء. كان يرى العلوم كوحدةٍ واحدةٍ مترابطة، لا كجزرٍ منعزلة. درس الفلك لأنه يساعد في فهم الجغرافيا، ودرس الرياضيات لأنها أساس الفيزياء، ودرس الفلسفة لأنها تساعد في التفكير النقدي.

في عصرنا الحديث، التخصص هو السائد. نحتاج إلى خبراء يحفرون عميقًا في مجالاتهم. لكن في عصر البيروني، كانت الحكمة في الشمولية، في فهم الروابط بين مختلف العلوم.

المنهج العلمي: قواسم مشتركة

مع استمرار البحث، اكتشف أحمد أن كلا العالمين يشتركان في شيءٍ أساسي: المنهج العلمي الصارم.

كان البيروني يؤمن بالتجربة والملاحظة والقياس الدقيق. لم يكن يقبل المعلومات دون تدقيق، حتى لو جاءت من علماء مشهورين. كان ينتقد أرسطو وبطليموس عندما يرى أن ملاحظاته تختلف عن نظرياتهم. هذه الجرأة العلمية كانت نادرة في عصره.

أينشتاين

أينشتاين، بدوره، كان يتحدى النظريات السائدة. لم يخف من مواجهة فيزياء نيوتن التي سادت لقرنين. استخدم تجارب فكرية وملاحظات دقيقة لبناء نظرياته الثورية.

كلاهما واجه معارضةً من معاصريه، لكنهما آمنا بأن الحقيقة العلمية تستحق النضال من أجلها.

التواضع العلمي: درس من العظماء

قرأ أحمد أن البيروني كان يتمتع بتواضعٍ نادر. رغم علمه الموسوعي، كان يقول: «إن ما نعلمه قطرة، وما لا نعلمه بحر». كان يسافر لمسافاتٍ طويلةٍ ليتعلّم من علماء آخرين، ويحترم ثقافات الشعوب الأخرى. كتابه عن الهند يُعدّ من أدقّ الكتب الأنثروبولوجية في التاريخ، لأنه درس الهند بموضوعيةٍ دون تحيّز.

أينشتاين، رغم شهرته العالمية، كان يقول: «كلما زادت معرفتي، أدركت كم أنا جاهل».

كان يحترم من يختلف معه، ويبحث دائمًا عن الحقيقة لا عن الشهرة.

هذا التواضع العلمي هو ما يميّز العظماء حقًا، فكّر أحمد. العالم الحقيقي يعرف أن العلم رحلةٌ لا نهاية لها.

الإرث: من يُذكر ومن يُنسى؟

الحقيقة المؤلمة التي واجهها أحمد هي أن أينشتاين معروفٌ في كل مكان، في حين أن البيروني شبه منسيّ، حتى في العالم العربي نفسه.

لماذا؟ هل لأن أينشتاين عاش في عصر الإعلام والنشر الواسع؟ هل لأن نظرياته كانت أكثر إثارةً وصدمةً للعقل؟ أم لأن الغرب نجح في الترويج لعلمائه بينما أهملنا نحن عظماءنا؟

ربما كل هذه الأسباب مجتمعة. لكن الحقيقة أن البيروني يستحق أن يكون اسمه في كل كتاب فيزياء، في كل مدرسة، في ذاكرة كل طالب علم.

الدرس الذي تعلّمه أحمد

قضى أحمد تلك الليلة كاملةً يقرأ عن البيروني. كلما قرأ أكثر، ازداد إعجابه وحيرته. كيف أضعنا هذا الكنز؟ كيف تخرج أجيالٌ من الطلاب دون أن يعرفوا عن هذا العبقري شيئًا؟

في الصباح، نظر أحمد إلى صورة أينشتاين على الحائط، لكن بعينٍ مختلفة هذه المرة. لم يعد ينظر إليها بانبهارٍ أعمى، بل باحترامٍ عميقٍ ممزوجٍ بفهمٍ أوسع. «أينشتاين عظيم، لا شك في ذلك»، قال لنفسه، «لكنه ليس الوحيد. البيروني كان عظيمًا أيضًا، وهناك العشرات غيرهما».

قرّر أحمد في تلك اللحظة أن يغيّر موضوع رسالة الماجستير. لن يكتب فقط عن الفيزياء النظرية الحديثة، بل سيضمّن فصلًا كاملًا عن إسهامات العلماء العرب والمسلمين في الفيزياء، وسيجعل البيروني نجم هذا الفصل.

الخاتمة: جسر بين الحضارات

اليوم، بعد أن أنهى أحمد رسالته وحصل على درجة الماجستير بامتياز، يقف أمام طلابه، فقد أصبح معيدًا في الجامعة، وعلى الحائط خلفه صورتان: واحدة لأينشتاين، وأخرى للبيروني.

يقول لطلابه: «العلم لا جنسية له ولا دين. العلم إرثٌ إنساني نبنيه معًا، جيلًا بعد جيل، حضارةً بعد حضارة. أينشتاين عظيم لأنه بنى على ما سبقه. البيروني عظيم لأنه مهّد الطريق لمن جاء بعده».

«لا تنبهروا بعالمٍ واحد وتنسوا الآخرين. العظمة ليست حكرًا على زمانٍ أو مكان. في كل عصر، هناك عقولٌ مضيئة تدفع البشرية إلى الأمام. واجبنا أن نتذكرهم جميعًا، ونقدّرهم جميعًا، ونتعلم منهم جميعًا».

ينظر أحمد إلى الصورتين ويبتسم. لم يعد يرى تنافسًا بينهما، بل يرى استمرارية. يرى قصةً طويلةً من السعي الإنساني لفهم هذا الكون المذهل؛ قصةً بدأت قبل البيروني واستمرت بعد أينشتاين، ولن تنتهي ما دام هناك عقولٌ فضولية تسأل وتبحث وتكتشف.

ربما هذا هو أعظم درسٍ تعلمه أحمد من تلك الليلة: أن العلم جسرٌ يربط بين الحضارات، وأن العظماء، أيًّا كانوا ومن أيّ زمانٍ جاءوا، هم إخوةٌ في رحلةٍ واحدة نحو المعرفة والحقيقة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة