البيت رقم 11.. حين يتكلم الصمت

في كل يوم، وفي ذات التوقيت، يقف عامل التوصيل أمام البيت «رقم 11»، يضع كيس الطعام على الباب، يطرقه مرَّتين، ثم يمضي دون أن يخرج أحد لاستلامه.

كان المنزل يبدو مهجورًا، لا ضوء ينبعث من نوافذه، ولا صوت يُسمع من داخله، ولا أثر لحياةٍ تُذكر. ومع ذلك، يوجد مَن يطلب الطعام يوميًّا!

بدأ الفضول ينمو في داخلي، إذ كنت أسكن غير بعيدٍ عن ذلك المنزل، وكنت أراقب هذا المشهد يتكرر يومًا بعد يوم، حتى قررت الاقتراب.

كلَّما تقدَّمت نحو البيت، شعرت برهبةٍ غريبة، لكن بداخلي إحساسٌ قويّ كان يدفعني للاستمرار. كنت أشعر بأن شيئًا ينتظر أن يُكتشف، سرًّا مدفونًا في هذا الصمت الطويل.

وفي مساء أحد الأيام، قررت أن أتسلَّق السور الخلفي، لأتسلل إلى الداخل.

دخلت... وكان المكان كما توقَّعت: مهجور، مغبرّ، الأثاث مغطَّى بأقمشةٍ قديمة، والهواء مشبعٌ برائحة الزمن المنسيّ.

ثم فجأة، سمعت صوت خطواتٍ تهبط عن الدرج..

خطوة… ثم أخرى… ثم أخرى… ثم أخرى..

كان الصوت يقترب... وكلَّما اقترب، ازداد قلبي خفقانًا.

حتى لمحت خيال شخصٍ يهبط بهدوء. وعندما وصل إلى أسفل الدرج، وقف أمامي.

لم يخف من وجودي.

لكنني، أنا، شعرت برعبٍ غريب.

نظر إليَّ بعينين غارقتين في الحزن، وقال بصوتٍ خافت: «أخيرًا... جئت. لقد كنتُ بانتظارك».

كان صوته يحمل بين طيَّاته وحشةً عمرها أعوام، وكأنما لم يسمع صوت إنسانٍ منذ سنين.

رسالة ونهاية: نحن نظن أحيانًا أن وجود الأفراد في حياتنا يكفي، لكن الحقيقة أن الوجود الحقيقي هو المشاركة، هو السؤال، هو الاهتمام.

قد نعيش بين عشرات، بل مئات الأشخاص، لكنَّنا في لحظة ما، نكتشف أنَّهم مجرد أسماء على ورق.

ماذا عن جارنا الذي يعيش وحيدًا؟ أليس من واجبنا أن نطمئن عليه من حينٍ لآخر؟ ألم يوصِنا نبيّنا الكريم ﷺ بالجار، وحُسن المعاملة، والوقوف معه في فرحه وحزنه؟

ليست المشكلة في عدد من نعرف، بل في عدد من يفتقدنا حين نغيب، أو يطرق بابنا حين نصمت.

ربَّما يأتي يوم نكون فيه وحدنا.. ننتظر أحدًا يسأل: «هل أنت بخير؟»

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة