البيت الذي تلاشى

من بعيد، بدا بيتنا مطعونًا بشيء ما؛ رأيته متهاويًا وعاريًا، فقط كان هناك سقف يضغط بقوة على رأس أبي، حتى جعله كتلة صماء معتمة. من تلك النقطة البعيدة رأيت بيتنا يتلاشى.

خلفي سنوات قليلة؛ يمكن فرشها كحصيرة من الخوص في مأتم، وأمامي بيت تبتلعه الأرض، لكنني كلما اقتربت رأيته مجسمًا. عندما أكون بعيدة أرى كل الأشياء تتلاشى وعندما أقترب أجد نفسي وسط الجدران.

كان أبي واقفًا في الشرفة؛ غارسًا كوعه في الجدار، وجدتي تجلس أمام البيت، وتتفحص المارة بعينها المفتوحة. ثوب جدتي القديم تفوح منه الطمأنينة، كنت أحب هذا الثوب، كان يلفني بحياة ليس بها جدران؛ فقط مساحات شاسعة تحت شمس لينة.

كلما اقتربت تجاه البيت، تسرب إلي خوف أسود بارد، من أين جاء هذا الخوف؟ من الأرض الخشنة، من السماء الضائعة، أم من البيوت الصامتة؟

رمقني أبي بعينيه الهالعتين، وتصبب عرقًا. أبي انغرس في الجدار، رأيت بيتنا قريبًا من الأرض.

نزلت العصا على رأسي الصغير وجدتني متكومة في ركن مظلم. لم تنبس أمي بكلمة، استمرت في قص القماش وحياكته. تريد أن تنهي كل شيء وأبي مرشوق في الجدار.

كانت عمتي تتجار في الطيور، صباح كل أحد، تضع البط البلدي والأوز في طستها الألومنيوم، وتذهب إلى سوق القرية، وباقي أيام الأسبوع إلى أسواق القرى المجاورة.

ثوب عمتي منكمش، كل يوم تغسله بيديها الناعمتين، فيتناقص، ويرتفع عن جسدها الفائر. ثوب عمتي تلاشى. ظلت جدتي تنظر إليها بعينها المفتوحة، وكلما تمعنت اتسعت، فيما بدت العين المغلقة كنقطة سوداء في وجهها القديم.

في ذلك الصباح الشتوي، كان كل شيء مكتملًا وغامضًا؛ السماء مزحومة بكتل سوداء، توشك على السقوط، ستسقط على الأرض الطينية وفوق سطح بيتنا وعلى رأس أبي وهو يسحب البهائم إلى الحقل، ستسقط فوق مدرستي القابعة في الخلاء، وفوق أجساد كلاب الدوار المسعورة، ستسقط الكتل السوداء ولا سبيل إلى تفاديها. بعينها المفتوحة نظرت جدتي إلى السماء وقالت إنها ستمطر اليوم، وضعت الأواني الألومنيوم حتى لا ينشع بيتنا بالماء ثم اندست تحت غطائها الثقيل.

في الخارج، الأرض وحلة. أقدام السائرين صنعت حفرًا وأشكالًا غريبة، لكنها ستمحى بعد قليل حين تمطر. ثمة بيوت طينية تفوح منها رائحة الأرض القديمة، وعشش متناثرة تحفها بيوت اسمنتية شاحبة وبشر ينازعون الطين.

تحت الكتل السوداء وفوق الوحل، كنت أسير بجونلة واسعة بها خطوط تشبه الطرق الطويلة، وبلوزة ينبت منها ثديان صغيران، أحاول مداراتهما عن أعين الآخرين، وفوق ظهري كتب لا أفهمها؛ تقدم كل الأشياء كحقائق ثابتة لا يمكن طعنها، لا أرى فيها جدران بيتنا البائشة وأرضية حجرتي المحفورة وعين جدتي المغلقة. الكتب تختصر العالم في صور ملونة، زاهية، ومعادلات حسابية لا تعرف الطرق الملتوية والبيوت المعتمة ولا تستوعب الأرض الواسعة؛ تمشي في مسار واحد للوصول إلى نتيجة وحيدة مصمتة. أوراق أخرى تتحرك عليها، قصص تنفك عقدها بسلاسة دون أن تتعثر في قوالب الطوب، أو تنغرس فيها ذرات التراب، وتكون النهايات سعيدة، لا أرى فيها صورة أمي على ماكينتها المغروسة في الأرض أو بطن أبي المنتفخة.

بيتنا نصفان؛ نصف اسمنتي، مغلف بأضواء شاحبة وغموض محكم على الجدران، وآخر من الطين اللين، تتوسطه غرفة مخنوقة بالتبن، وفي إحدى أركانه يجلس كلب بلدي أسمر نحيل، له عينان حزينتان، وبهائم تلقي بأجسادها الضخمة على التراب، والصمت يشقق الجدران. يجمع النصفان سطوح مفتوحة على التوهان، وجدة تعيش بعين مفتوحة وأخرى مغلقة، هل ترى جدتي الأشياء كاملة أم ترى نصفها؟ هل ترى الجزء الاسمنتي ولا ترى الجزء الطيني؟ أي الجزئين تراه جدتي أكثر؟

الكتب لا تقول شيء!!!!

يومًا ما، كتفوا جدي ووضعوه في صندوق خشبي وخرجوا به إلى المقابر ولم يعد حتى الآن. وفي صباح شتوي، أغلقوا عين جدتي المفتوحة ونزعوا غطائها الثقيل، وخرجوا بالصندوق الخشبي من البيت  إلى المقابر. هل رأت جدتي الأشياء مكتملة أم أنها لم تر شيئًا على الإطلاق.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

تعليقات
ياسمين حمدي 🖤 - Jul 26, 2020 - أضف ردا

جميل جدا راقت لي 🌹⁦❤️⁩

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

يجب أن تكون مسجل دخول لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة
Aug 12, 2020 - أحمد السيد أبو مكي
Aug 10, 2020 - نانيكا (ماس)
Aug 7, 2020 - Maha M Elshazly
Aug 4, 2020 - سهير محمد إبراهيم
نبذة عن الكاتب

شاعرة وكاتبة صحفية مصرية