صراع الحدس والمنطق: كيف توجه البوصلة البيولوجية قراراتنا لنهايات متنوعة؟

نمتلك جميعًا بوصلة بيولوجية داخلية توجه حياتنا، ونسترشد بها في كل مراحلنا، من المهاد إلى الرقاد، لكن الأمر الغريب والمدهش أن هذه البوصلة، وحيدة المنشأ شريكة المصدر، قد تقود كلًّا منا إلى دروب متباينة ونهايات متباعدة. فقد نلتقي أحيانًا، ونتباعد أحيانًا أخرى، وقد ننسجم ونتآلف ساعات، ونتنافر ونتقاتل ساعات أخرى.

فلماذا يؤدي الجهاز نفسه إلى نتائج متضاربة إلى هذا الحد الرهيب؟ أيكمن في تركيبه لغزٌ عميق يجعل مخرجاته مختلفة بين البشر؟ وما سر هذا التركيب الملغز؟ ويقودنا الحوار إلى السؤال الأكثر إثارة: هل يتحرك البشر بقيادة هذه البوصلة بإدراك ووعي وإرادة، أم أنهم يُساقون معصوبي العينين بلا تفكير واعٍ أو بصيرة نافذة؟ وإذا كانت هناك درجات متفاوتة من الانقياد، فهل يتوقف ذلك على مستوى الثقافة الفردية والجماعية التي تؤثر في درجة الانصياع من الطاعة العمياء إلى المعارضة الكؤود؟

يسعى هذا المقال إلى اكتشاف الطريقة المثلى لفك شفرة البوصلة البيولوجية واكتشاف الجهة التي تقودنا إليها حقًا. هل إلى ما يحقق وجودنا دون الاعتداء على وجود الآخرين، أم أنها تجعل منا نسخة مكررة لأناس رحلوا منذ مئات أو آلاف السنين؟ إنه سؤال شائك، لكنه يضعنا أمام مختبر ومحك وجودنا. ولو استطعنا الإجابة عنه، فربما تتغير حياتنا إلى مسارات لم يصل إليها بشر قط من قبل أو بعد.

سلوكيات وصراعات البشر

في حياتنا اليومية، نجد أشخاصًا يتخذون قرارات سريعة تعتمد على «حسهم الداخلي»، وآخرين لا يصلون إلى النتيجة نفسها إلا بعد تفكير طويل وتحليل عميق. وكلا الفريقين ينجح أحيانًا ويفشل أحيانًا أخرى. لكن كلًّا منهما يرى مسار الآخر هشًّا، بل مرفوضًا أحيانًا.

الكيان العقلي يضم نظامي عمل مختلفين تمامًا

الأول يُعرف باسم الحدس، يعمل تلقائيًا بسرعة رهيبة ومن دون وعي كامل من البشر، ويؤسس قراراته على استقراء الخبرات السابقة، سواء تلك المعاشة منذ سنوات طويلة حتى خرجت من بؤرة الوعي، أو تلك الموروثة عبر مئات أو آلاف السنين، وخرجت من دائرة الوعي قبل أن ينمو الإنسان ويتطور.

الثاني يُعرف باسم «التفكير المنطقي»، ويعمل ببطء شديد، ووعي أكيد، وكدٍّ جهيد، ويحتاج إلى تركيز وتأكيد وتكرار، ويعتمد على أدوات المنطق من استدلال وبرهان وقياس ومقارنة وسببية وأسبقية.

وعلى الرغم من أن نظام الحدس يشهد شيوعًا وتشابهًا في كل أنماط البشر لسهولته وتلقائيته وسرعته وارتباطه بالعواطف الإنسانية، فإنه يقف في خلفية الصراعات الإنسانية لاعتماده على أنماط الثقافات المختلفة والخبرات الإنسانية المتغايرة وما يرتبط بها من عواطف.

وقد تنشأ هذه الصراعات من اختلاف الثقافات والمعتقدات، وقد تنشأ أيضًا بين أصحاب المعتقد الواحد إذا اختلفت المذاهب والرؤى والعواطف الإنسانية.

وعلى الرغم أن النظام الثاني يختلف اختلافًا كبيرًا باختلاف درجة تطور النظم التعليمية، فإنه لا يؤدي إلى صراعات. ولكن قد يستثمر أصحاب النظام الأول هذا الاختلاف في صراعاتهم وفرض إرادتهم. فالصراعات لا تنشأ من اختلاف النظريات العلمية، ولكن من اختلاف العواطف وما ارتبط بها من مصالح، وكلها تقع في خيمة النظام الأول.

إذن، إن تخفيف حدة الصراعات العالمية لا يتحقق إلا بزيادة مساحة التفكير المنطقي وتقليص مساحة الحدس أو تهذيبها وتحريرها من العواطف الإنسانية المشتركة، أو عن طريق تقريب الثقافات المنعزلة إلى ثقافة عالمية عادلة تحترم وجود الجميع على قدم المساواة ووفق معيار السلامة المنطقية، لا السيادة العرقية.

العقل يجمع الحدس والمنطق والصراعات تتراجع بتعزيز المنطق

حل الصراعات وآلية عمل العقل

يكمن السر في نشوء الصراعات في كيفية التعامل مع نظامي العمل داخل العقل، ولمن تكون الغلبة والأولوية. فبعض البشر يقودهم الحدس أولًا، ثم يأتي دور التفكير ليبرر أو يضفي شرعية على قراره. والبعض الآخر يقودهم التفكير أولًا.

ولا يسمحون للحدس بالتدخل إلا في إعطاء لمسة عاطفية إنسانية على ما حققه التفكير المنطقي. وبنظرة موضوعية، نرى أن نصيب الصواب في الحالة الثانية أكبر، لكنه لا يعني على الإطلاق أن طريق الحدس دائمًا خاطئ.

ينشأ الصراع إذن لأن نظام الحدس يقول إن أحدنا «على حق مطلق»، مدعومًا بعاطفة قوية تسهم في تأجيج الصراع، في حين يقول نظام التفكير المنطقي غير المرتبط بالعاطفة: إن أحدنا على صواب نسبي، فلا يتفاقم الصراع ويتوقف عند حدود اختلاف يمكن التعايش معها، معطيًا الفرصة لكلا الفريقين للعمل معًا للوصول إلى درجة أعلى من الصواب.

صاحب الحدس يشعر بأن الحقيقة تنكشف له فجأة، كومضةٍ من نور، تكون كافية للوصول إلى قرار يقيني لا يحتاج إلى براهين؛ إذ يكتفي بالمشاعر القوية، لكنه قد يقوم باستعارة نظام التفكير المنطقي ليرسخ قراره الحدسي. أما صاحب التفكير المنطقي فيشعر بأن الحقيقة تُبنى خطوة خطوة، كجدار من اللبنات يؤدي إلى بناء كامل متكامل.

ولكننا لم نتوصل بعد إلى معايير سلامة الأدوات العقلية التي يجب أن نستخدمها في لحظة الخلاف. لذا يجب التدريب على التحول بين النظامين حسب ما يتطلبه الموقف.

توفيق استخدام النظامين

أولًا: متى نستخدم الحدس؟

في الأحداث الطارئة التي لا تحتمل التأجيل، فالحدس بسرعته قد ينقذ الموقف. وفي التنبؤ بالنتائج؛ ليكون دافعًا لنا لإتمام العمل، أو ليشكِّل فرضية أولية يقوم عليها التفكير المنطقي لاحقًا.

ثانيًا: متى نستخدم التفكير المنطقي؟

في القضايا المصيرية «اختيار شريك الحياة، أو الأحكام السياسية والعلمية»؛ فهذه القضايا لا تحتمل الاجتهاد العاطفي.

سبر غور منطقة اللاوعي الرمادية

يبقى أن نكثف جهودنا لسبر غور منطقة اللاوعي الرمادية. إنها المنطقة التي تختزن المعلومات والخبرات المكتسبة بعد الميلاد، أو الموروثة عبر حقب زمنية طويلة، وكلها ممتزجة ومتداخلة مع عواطفنا وخبراتنا العاطفية والتاريخية.

هذه هي المنطقة التي تعمل فيها آلية الحدس. إنها تتخذ قرارات مصيرية لا نفهمها أحيانًا، ولا نجد لها مبررًا واعيًا قويًا. لكننا نجد دائمًا شعورًا قويًا بأننا على حق، وأننا اخترنا القرار السليم.

اللاوعي الرمادي يوجه الحدس بقرارات تبدو يقينية دائمًا

أمثلة واقعية على سيطرة آلية الحدس على القرارات المصيرية

المثال الأول: الصراعات الأهلية

في الصراعات الأهلية، نفاجأ بظاهرة غريبة تتمثل في جيران كانوا يسكنون بجوار بعضهم في سلام لسنوات، وفجأة أصبحوا أعداء يتقاتلون. فلم تكن ثمة حاجة منطقية جديدة، لكن المنطقة الرمادية في العقل الجمعي كانت تختزن صورًا قديمة من الانقسامات الطائفية والمذهبية والعشائرية. كل ما حدث أن ظرفًا سياسيًا أو اقتصاديًا جرت الاستعانة به لإشعال فتيل هذه الصور الكامنة.

المثال الثاني: السلوكيات الإجرامية

بعض الجرائم التي نراها -من قتل جماعي، أو تعذيب بشع، أو انتقام عشائري- لا يمكن تفسيرها بالمنطق أبدًا. فالضحية لم يرتكب ذنبًا يستحق هذه العقوبة، والجاني نفسه لا يستطيع أن يشرح سبب فعلته بعقلانية.

التفسير الوحيد لهذه الجرائم أن هذه السلوكيات تستمد دوافعها من إرث قديم يعود إلى عصور همجية سحيقة، كان العنف فيها وسيلة للبقاء، والانتقام قانونًا، والقسوة مبررة لاستمرار القبيلة.

هذه الصور القديمة لم تمت بالكامل. إنها تترسب في منطقة اللاوعي الرمادية، وتنتعش في بعض العقول تحت ظروف معينة من الضغط النفسي أو التهديد الوجودي.

كل هذه الأمثلة تؤكد وجود المنطقة الرمادية في اللاوعي الجمعي أو الفردي، وهي المنطقة التي تعمل عليها آلية الحدس، فتعطي الدوافع لقرارات وأفعال كثيرًا ما تكون جائرة وغير مبررة أو مفهومة، لكنها تمثل جزءًا مهمًا من الأحداث البشرية التي يمكن أن تختزن بدورها في المنطقة نفسها؛ لتكون في المستقبل وقودًا لقرارات وأحداث جديدة على المنوال نفسه. وما يؤكد مصداقية هذا الطرح أن العاملين في الأحداث التاريخية قد استنتجوا مما عاينوه عبر الحقب أن التاريخ يعيد نفسه.

فالأحداث التاريخية التي تختزن في منطقة اللاوعي الجمعي يمكن أن تعود إلى الحياة مرة أخرى بواسطة آلية الحدس، فتولد أحداثًا مشابهة لما جرى في الماضي؛ لأنها تستكمل سلسلة الأحداث الماضية.

وهناك أيضًا مثال صارخ على رسوخ عادات الثأر في كثير من المجتمعات غير المتحضرة. أليس هذا نتيجة احتزان الأحداث التاريخية في المنطقة الرمادية، فتظل بيئة صالحة للحدس في حقبات تالية، فتعيد سلسلة الثأر إلى الحياة؟

الخلاصات النهائية

لا تتحكم منطقة اللاوعي الرمادية فقط في قراراتنا الفردية، بل ربما تتحكم في أخطر قرارات البشر المصيرية، بما فيها: الحروب العالمية والإقليمية، والصراعات الأهلية الدموية، والعنف الطائفي والمذهبي، والجرائم الفردية الغريبة التي لا تفسير منطقيًا لها. فهي منطقة لا يفصح الجميع عما بداخلها، لكنها تقف خلف أخطر القضايا المصيرية.

إذن، علينا صناعة جسر بين الحدس والتفكير عن طريق إعادة استكشاف منطقة اللاوعي الرمادية، بهدف:

  • فهمها؛ لأن الفهم وحده يزيل الغموض.
  • تطهيرها مما علق بها من صور قديمة وعداوات موروثة لا تخدمنا اليوم.
  • الاعتراف بها؛ لأن إنكار وجودها يجعلها أقوى، والاعتراف بها يجعلنا نتحكم فيها، لا أن تتحكم فينا.

فالفهم وحده، والاعتراف بأن دوافعنا ليست كلها واعية ونبيلة، هو الذي يحول الصراع الأعمى إلى حوار واعٍ، ويحول البوصلة البيولوجية من أداة للصراع إلى أداة طيعة للتفاهم والسلام، إذا أُحسن إدارتُها وتوجيهها في خدمة رفاهية الإنسان بعد تخليص العقول من الإرث التاريخي الثقيل لحقب زمنية عفا عليها الزمن، الذي يحمل مرارة خبرات قديمة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

موفق دائما دكتور محمود
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة