البنك الأهلي التجاري وفروعه الكثيرة في مختلف المناطق ودول العالم هي مراكز مصرفية شامخة، يجري من خلالها أكبر تداول نقدي ومصرفي في منطقة الشرق الأوسط، بإدارات حديثة وأساليب عصرية تحت إشراف الشيخ محمد بن سالم بن محفوظ رئيس لجنة الإدارة العامة للبنك الأهلي التجاري، الذي واصل إنجازاته بتقديم خدمات راقية ومتكاملة لعملائه توازي خدمات أكبر المراكز المالية في العالم.
إذ إنه بجانب استثمارات البنك الكبيرة في التقنية الحديثة، فقد اهتم بتوظيف أرقى وأكفأ الكفاءات المصرفية ليواصل دوره الفعال في إحداث نقلة كبيرة وسريعة في العمل المصرفي، وكسب ثقة العملاء عبر سلسلة متواصلة من الأعمال المهنية الذكية والابتكارات الخلاقة. فقد لاحظ العاملون في الأسواق العالمية مدى التزام هذا البنك المتميز بمستوى الخدمات المصرفية الراقية. ويواصل الشيخ محمد بن محفوظ وأخوه الشيخ خالد قيادة هذا الصرح الاقتصادي المهم.
أسس سالم بن محفوظ في أربعينيات القرن العشرين البنك الأهلي السعودي، الذي أصبح لاحقًا أكبر مؤسسة مصرفية في المملكة، واضعًا الأساس لأول بنك وطني يساهم في دعم الاقتصاد السعودي وتعزيز الثقة في العملة الوطنية.
البنك الأهلي السعودي: القمة المصرفية في الشرق الأوسط
ويُعد البنك الأهلي السعودي (SNB) اليوم حجر الزاوية في المنظومة المالية للمملكة العربية السعودية، حيث يتربع على عرش المؤسسات المصرفية كأكبر كيان مالي بحصة سوقية تقارب 30%، وبفضل إجمالي أصول تتجاوز 896 مليار ريال (239 مليار دولار أمريكي)، وقاعدة حقوق ملكية تبلغ 127 مليار ريال، استطاع البنك تحقيق صافي ربح مجمّع يصل إلى 15.6 مليار ريال، مما يعزز مكانته كلاعب إقليمي ودولي بارز.
وكان البنك الأهلي التجاري أكبر البنوك السعودية وأقدمها قد أُنشئ للتعامل في العملات الأجنبية خلال الأربعينيات الميلادية على يد الشيخ سالم بن محفوظ رحمه الله، الذي عاش اليتم مبكرًا ولكنه كافح واجتهد وبدأ مشروع المليون طوية واحدة وحقق نجاحات كبيرة بعصاميته حتى أصبح من كبار المستثمرين، وأسهم بدور فعَّال في دعم مسيرة الاقتصاد الوطني بتعزيزه الثقة في العملة الوطنية للمحافظة على قيمتها في أسواق الصرف العالمية بما يتلاءم مع الأهداف العامة للسياسات الاقتصادية وتوفير السيولة المحلية لتأمين الاحتياجات الحقيقية لاقتصاد الوطن.
رحلة الشيخ سالم بن محفوظ
هو الشيخ سالم بن أحمد بن محفوظ، تُوفي أبوه عام 1914م أي مع بداية الحرب العالمية الأولى، ثم تُوفيت أمه؛ فعاش يتيمًا مع أخيه سلطان في حضرموت بعيدًا عن أخيه عبد الله الذي كان في الحجاز.

وفي عام 1336هـ طلب سالم وسلطان من بعض الأهل اصطحابهما إلى الحجاز للعمل، وعندما وصلوا جميعًا إلى المكلا غيَّروا رأيهم وطلبوا منهما أن يرافقوهما إلى الحبشة، ولكنهما فضَّلا المكلا وظلَّا في حالة يرثى لها، فالتقيا رجلًا كان صديقًا لوالدهما، فعرض عليهما البحث عن عمل في المكلا أو يردهما إلى حضرموت التي عاد إليها سلطان.
وظل سالم في المكلا، وعمل في محل تجاري صغير لبيع الحبوب الحمصية والسمسمية والكعك لمدة عامين، عاد بعدهما إلى حضرموت. وبعد مدة أرسل له أخوه عبد الله 86 روبية ليحضر إلى مكة المكرمة. فاصطحبهما صديق والدهما إلى بيت آل بازرعة، فركبا في إحدى سفنه الشراعية إلى عدن ثم جيبوتي ومنها إلى مصوع وجدة وأخيرًا إلى مكة المكرمة.
وعمل سالم مع أخيه عبد الله في محل للدلال، ثم عمل مع الشيخ سليمان الكعكي في دكانه، ووجده ناجحًا في التجارة محققًا فيها أرباحًا طيبة، ثم عمل في بيع العملة، واندهش أهل السوق لذكائه وبراعته في التجارة رغم صغر سنه وعدم إلمامه بالقراءة والكتابة.
وفي أوائل عام 1357هـ طلب سالم من الكعكي افتتاح محل في جدة أو يعفيه من العمل معه، فوافق على طلبه الأول وافتتح محلًا في جدة عام 1360هـ وأصبح سالم شريكًا فيه بنسبة صغيرة، وفي عام 1368هـ قام الشركاء بتسجيل شراكتهم لدى كاتب العدل باسم شركة صالح وعبد العزيز كعكي وسالم بن محفوظ، وبارك الله في أعمالها وحققت أرباحًا كثيرة وارتفع رأس مالها.
السعي لتأسيس أول بنك وطني سعودي
فكَّر الشيخ سالم بن محفوظ بحسه الوطني وغيرته على وطنه المملكة في إنشاء بنك وطني يقوم على سواعد أبناء الوطن وينهي وجود البنوك الأجنبية مثل شركة جالاتلي وهنكي وبنك الأندوشين تحت اسم شركة الهند الصينية. وفي عام 1372هـ نقل الفكرة للشيخ عبد الله السليمان -يرحمه الله- وزير المالية آنذاك، وطلب منه الشيخ أن يعرض الأمر على الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه.
وبالفعل التقى الشيخ سالم الملك عبد العزيز، فاستشار الشيخ عبد الله السليمان فأيَّد الطلب، فوافق مؤسس هذا الكيان أن تتحول شركة صالح وعبد العزيز كعكي وسالم بن محفوظ إلى بنك أُطلق عليه اسم البنك الأهلي كأحد أهم أركان الاقتصاد الوطني للمملكة.
مواقف وطنية خالدة: الغيرة على الهوية وثقة القيادة
قام الشيخ سالم بن محفوظ عام 1957م بزيارة إلى أستراليا - وهي الأولى من نوعها لسعودي.. والهدف منها إبرام عدة اتفاقات تجارية مع رجال الأعمال الأستراليين.

وفي اليوم الأول لزيارته شاهد في أحد الشوارع الرئيسة تمثالًا لجندي عربي يجلس على حجر ويمسك بيديه بندقية ويضع رأسه عليها بشكل يوحي بالكسل والضعف؛ فغضب من تلك السخرية، وطلب من نظرائه الأستراليين إنزال هذا التمثال وإلا لن يوقع معهم أية اتفاقات، فأزالوا التمثال من مكانه واختفى إلى الأبد. وكان الشيخ سالم بن محفوظ في هذا الموقف مثالًا طيبًا للغيرة الوطنية والاعتزاز ببلاده.
ويُذكر أن الشيخ سالم حينما توجه مع عدد من المواطنين لجلالة الملك فيصل -طيَّب الله ثراه- حينما كان وليًا للعهد آنذاك، أعطاه الملك صكًا يؤكد فيه أنه وكيله لكل ما يملك من أموال منقولة وغير منقولة. وأراد الملك فيصل بهذا الأسلوب العلني أن يعرف جميع الناس أن الدولة ممثلة في ولي العهد تثق في سالم بن محفوظ وفي دوره الفعال في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية.
وكانت الثقة في محلها؛ بفضل دوره الفعال في النهوض بتنمية الوطن من خلال التسهيلات المالية الكبيرة التي يقدمها البنك الأهلي التجاري وفروعه الكثيرة المنتشرة في غالبية شوارع ومدن المملكة، فكانت له نجاحاته وإنجازاته الاستثمارية المتميزة، محققًا بذلك إسهاماته الفعالة في تنمية الوطن، بدعم ورعاية حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني.
التحولات الهيكلية ودخول الاستثمارات الحكومية
شهد البنك محطات مفصلية في مسيرته؛ ففي عام 1997 تحول إلى شركة مساهمة، وشهد عام 1999 دخول الحكومة السعودية مساهمًا رئيسًا عبر صندوق الاستثمارات العامة الذي اشترى حصة الأغلبية. استمر التوسع الهيكلي حتى عام 2014، حين طُرحت 25% من أسهم البنك للاكتتاب العام، مما أتاح للمواطنين والمستثمرين المساهمة في هذا الكيان العملاق. حاليًا، يبلغ رأس مال البنك 30 مليار ريال سعودي (8 مليارات دولار)، مما يجعله الأكبر في العالم العربي من حيث رأس المال.
الحلول المصرفية الأولى من نوعها في المملكة
لطالما كان البنك الأهلي السعودي رائدًا في تقديم الحلول المصرفية المبتكرة؛ فهو أول من أصدر صندوقًا استثماريًا في المملكة عام 1979، وأول من قدم أجهزة الصراف الآلي والبطاقات الائتمانية. كما كان سبّاقًا في تخصيص فروع مستقلة للسيدات وإنشاء برامج ادخارية للطلاب. والتزامًا منه بالضوابط الشرعية، قاد البنك مسيرة التمويل العقاري وتمويل السيارات، ليصبح نموذجًا يحتذى به في المصرفية الإسلامية المتطورة.
الانتشار الاستراتيجي: التوسع العابر للحدود والاستثمارات التابعة
لا تقتصر قوة البنك على السوق المحلية فحسب، بل تمتد لتشمل استثمارات استراتيجية كبرى؛ حيث يمتلك 90.71% من أسهم شركة الأهلي المالية الرائدة في المصرفية الاستثمارية. وعلى الصعيد الدولي، يمتلك البنك حصة 67.03% في بنك تركيا فاينانس كاتيليم بنكاسي، وهو أحد أبرز المصارف الإسلامية في تركيا، مما يعكس طموحات البنك في التوسع العابر للحدود بشكل مدروس.
الحوكمة والمسؤولية المجتمعية
يُعتبر البنك الأهلي السعودي من أوائل الشركات الوطنية التي طبقت معايير الحوكمة المؤسساتية بشكل صارم، وهو أول بنك في المملكة ينال شهادة اعتماد دولية في استمرارية العمل. وإدراكًا منه لدوره الوطني، أطلق البنك برامج عديدة للمسؤولية المجتمعية، ركزت على خلق فرص العمل، ودعم المنشآت الصغيرة، وتقديم التسهيلات الخيرية، ليثبت أن دوره يتجاوز الربحية المادية إلى بناء مجتمع مستدام.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.