البعيد عن العين بعيد عن القلب


كم التفّ المعارضون ضدّ هذا المثل؟ وضُرِبَت لنا الأمثلة الواقعيّة، ولعلّ إحداها كانت قصّتي؛ فرفيقتي بعدما انتقلت انقطع بيننا الاتّصال لمدّة 12 عامًا، لكنّها كانت بفؤادي بمكانة صعب الاقتراب منها، وكانت أحبّ صديقة لي..

إذن لماذا قالوه وصار خالدًا حتّى اليوم؟ هل لأنّ الحبّ ليس من عمل القلب كما أثبتت الدّراسات الطّبيّة؟ وهذه الأعمال القلبيّة جرّاء الحبّ كسرعة ضربات القلب وما شابه لا تحدث إلّا والمحبوب أمام نظريك، أو حتّى ذكراه، هل أجدادنا صاغوا لنا العبارة الصّحيحة ونحن التبس علينا الأمر، وبتسرّع يمكن وصفه بالأحمق كذّبنا تلك المقولة الصّحيحة؟ أم هي صدفة وكانت الدّراسات الطّبيّة حظًّا ونجاةً لمقولتهم؟ أم هي بلاغة زائدة وكنّوا عن الفكر بالقلب؟ أم نحن نفسّرها بشكل خاطئ، وهم يقصدون شيئًا آخر كـ"في البعد الخلاص" مثلًا؟

لنفكّر سويًّا في الأسطر القادمة، ونرى إلى ماذا تقودنا التّحليلات، إن كان أجدادنا قصدوا "من فارقك ولم تعد عيناك تراه، ستقلّ محبتك له" فذلك غير صحيح البتّة، فكم من مفارق حيٍّ كان أو ميّتٍ، وما زال قدره بفؤادنا غير قابل للاهتزاز.

إن كان أجدادنا حصدوا من العلم والبلاغة ما جعلهم يقصدون "من فارقك ولم تعد عيناك تراه سيكون مروره على بالك قليلًا متقطّعًا، فحينها التّفاعلات النّاتجة عن ذلك الحبّ من سرعان ضربات قلب وإحساس بالسّعادة وغيرها ستقلّ لأنّ رؤيتك له قليلة، وبالتّالي أيضًا سيكون مروره على خاطرك قليلًا، فأنت منشغل بحياتك الّتي لم يعد هو جزء منها، فذلك قولٌ شديد الحكمة -رغم استثناءاته ولكن جلّ الاستثناءات تُعدّ خللًا- وهنا نحن مدينون بالاعتذار لأجدادنا على الاعتراض غير الواعي، ولعلّ تواجد قولكم حتّى الآن هو انتصار لكم رغم توالي اعتراضاتنا وسيظلّ يتواجد ربّما.

أمّا إن قصد أجدادنا "حينما تُبعد أحدهم من أمام عينك -عن قصد- سيهدأ قلبك وينساه"، فهذا نصف صحيح يتوقّف على من الّذي ستُبعده، وما تأثيره عليك؟ وكيفيّة استجابتك للموقف؟ 

فمثلًا إن كان من ستبعده قريبًا جدًا منك أحد أفراد عائلتك مثلًا، وأفعاله أودت بك لكراهيته جدًا، وأنت لا تنفكّ عن تذكّر ما فعله، فحينها إن ذهب لمثلث (برمودا) بسفينته، وقضى حتفه فلن تنساه إلّا إذا عدلت عن تفكيرك ومشاعرك، وتسامحت مع الّذي حدث لك ليس بالضّرورة مسامحته هو، لكن تسامحت مع إمكانية أنّ ذلك الأذى الّذي وقع عليك تحمّلته، وقد مرّ وتعلّمت منه ولن يحدث مجددًا، وأبعدت كلّ أفكار الانتقام، وأوقفت سيل الذّكريات، حينها إرساله بعيدًا عن عينك سيفيدك في إيقاف الذّكريات.

فماذا يا تُرى قصد أجدادنا؟ وهل سيستمر ذلك المثل أم سيجرفه تيار معارض قويّ فيندثر في الأعماق؟

بقلم الكاتب


مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مسلمة مصرية تعج الأفكار بمخيلتي وأصنع حيواتًا بأحلامي، المتمردة شعاري، والشغف دافعي، وأشجع كرة القدم