أبو إسحاق البطروجي الأندلسي ونقد نظرية بطليموس الفلكية

في قلب الحضارة العلمية التي ازدهرت في ربوع الأندلس، برز نجم العالم الفلكي نور الدين البطروجي كونه أحد ألمع العقول التي لم تكتفِ باستيعاب علوم الأوائل، بل تجرأت على نقدها وتحدي أقوى النظريات السائدة في عصره. ويقدم هذا المقال رحلة في حياة وإسهامات البطروجي الذي انطلق من إشبيلية ليقدم للعالم رؤية فلكية جديدة، مناقضًا بها نموذج بطليموس الراسخ، وممهدًا بذلك الطريق أمام ثورة علمية كبرى ستتوج لاحقًا على يد كوبرنيكوس. ونستعرض كيف أثرت أفكاره الجريئة في مسار علم الفلك أكثر من أربعة قرون.

أبو إسحاق نور الدين البطروجي

نجم الدين أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن محمد البطروجي»، واسمه اللاتيني Alpetragius. من علماء الأندلس في علم الفلك، اشتق اسمه من بطروش (Pedroche)، وهي مدينة فحص البلوط الأندلسية التي تقع إلى الشمال من قرطبة، كان يلقب بالإشبيلي؛ لأنه عاش في مدينة إشبيلية، واشتهر فيها، وهو تلميذ عالم الفلك والفيلسوف المعروف محمد بن عبد الملك بن طفيل (1185م)، صاحب كتاب حي بن يقظان.

التعريف بالعالم البطروجي

كتاب البطروجي في علم الهيئة وتأثيره في أوروبا

وللبطروجي كتاب في علم الهيئة (علم الفلك)، ترجمه إلى اللغة اللاتينية ميخائيل سكوت في سنة 1217م، وضُمت أقسام منه في دائرة المعارف العبرية سنة 1247م، ثم ترجمه إلى العبرية سنة 1259م موسى بن تبون، وترجم هذه الصيغة العبرية إلى اللاتينية سنة 1528-1529م كالونيموس بن دافيد، وطبعت في فينيسيا سنة 1531م.

ويُعرف هذا الكتاب بعنوانه اللاتيني «De motibus corporum coelestium» (في حركات الأجسام السماوية)، وقد مثّل أول محاولة في أوروبا الوسيطة لتقديم تصور كوني بديل لنموذج بطليموس.

كتاب البطروجي

وكتاب البطروجي هذا يعرض هيئة جديدة للعالم تستهدف أن تحل محل هيئة العالم لبطليموس، وقد أثر في التفكير الفلكي والفلسفي والطبيعي في أوروبا إلى أواسط القرن السادس عشر، وأسهم إلى جانب محاولات الفلكيين الآخرين، لا سيما محاولات ابن الهيثم والزرقالة وجابر بن أفلح وثابت بن قرة ونصير الدين الطوسي وقطب الدين الشيرازي وابن الشاطر في وصول علم الفلك إلى مرحلة جديدة تتجلى في شخصية كوبرنيكوس.

وفكرة هذا الكتاب قائمة على رفض فكرة الدوائر التعويضية (epicycles) التي افترضها بطليموس لتفسير حركة الكواكب، واستبدل بها تصورات تعتمد على الحركة الطبيعية والسماوية ذات الطابع الدائري المنتظم.

نقد البطروجي لنظرية بطليموس الفلكية

قد اهتم البطروجي بدراسة نظرية بطليموس في الفلك ونقدها، لا سيما تفسيره عدم انتظام حركات الشمس والقمر والكواكب في مساراتها. وقد استند نقده إلى رصدات دقيقة، مستفيدًا من تطور الأدوات الفلكية في الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي.

وملخص رأي بطليموس في ذلك أن الكوكب يسير في دائرة صغيرة، وهذه يسير مركزها على محيط دائرة أخرى توجد الأرض في وسطها، وشبه ذلك بالخاتم الذي يدور في الإصبع، والكوكب يدور مكان الفص فيه. 

إن مسار الكوكب دائرة توجد الأرض بداخلها، وهكذا تبنى بطليموس نظام الأفلاك المتراكبة الذي تكون فيه مراكز أفلاك صغيرة على محيط أفلاك كبيرة.

عارض البطروجي نظرية بطليموس؛ وحاول أن ينقضها، فعارضه في أخص آرائه، كقوله بالحركة البيضاوية للكواكب ودورانها حول الشمس، وحركات الأفلاك المتقابلة، وكان لتصورات البطروجي هذه الفضل في زعزعة رأي مأثور جيلًا عن جيل؛ لأنه عارض تعاليم بطليموس مُسْهبًا في ذلك؛ فوضعها موضع الشك، ومهد السبيل إلى تقويضها في المستقبل.

البطروجي وحركة الكواكب

وعلى الرغم من أن نموذج البطروجي لم يثبت حسابيًا كما في النموذج البطلمي، إلا أنه كان ذا تأثير فلسفي عميق، خصوصًا في الجامعات الأوروبية التي تلقّفت ترجماته في العصور الوسطى.

ويقول البطروجي إن غرضه من معارضة رأي بطليموس لم يكن لغرض الرفعة أو المعارضة من أجل المعارضة؛ إنما للوصول إلى الحقيقة، ويطلب بتعبيره الخاص في كتاب المرتعش من كل من يقرأ ما كتبه: «... ألا يُظن أن ما نذكره أن الغرض منه معارضة رأي القدماء وطلب الرفعة، فإن الله عالم وشاهد أنه ما قصدت هذا من أول الأمر إلا لأني من زمان صباوتي، حين قرأت ما قرأته في القسم الرياضي في حركة السماوات».

ويؤكد البطروجي أن ما قاله بطليموس في تفسير حركة الأفلاك إنما هو وهم، وأن ما أورده ليس مطابقًا بالضرورة لما شاهده برصده وحسه. وقد عبّر البطروجي في هذا السياق عن مبدأ علمي جوهري، مفاده أن النظرية يجب أن تتطابق مع الرصد لا أن تُفرض فرضًا لتفسيره.

ويقول إنه وضع تلك التفاسير «ليطابق بها تلك الحالات لتتمشى له تلك الحركات حتى تكون على نظام واحد وترتيب غير مختلف ولا متباعد».

النموذج الفلكي البديل للبطروجي

نتيجة عدم اقتناع البطروجي بنظرية بطليموس اجتهد في عمل بديل لها؛ فرجع إلى نظريات اليونان القديمة التي سبقت بطليموس ودرسها؛ خاصة نظرية الأفلاك المتناظرة لـ أويوكسوس وأرسطو وأوتوليوس التي عدلها تعديلًا جذريًّا بطرائق عدة، مدمجًا إياها بنظرية ارتعاش الاعتدالين؛ أي حركة النقطتين اللتين تكون فيهما الشمس في أول فصلي الربيع والخريف.

وهكذا، لم يكن نور الدين البطروجي شارحًا أو ناقلًا لعلم الفلك، بل كان مجددًا جريئًا وضع الأسس لتقويض نموذج فلكي هيمن على العالم أكثر من ألف عام. إن إسهامه الذي بني على الشك المنهجي والسعي الدؤوب نحو الحقيقة المادية، يمثل حلقة ذهبية في سلسلة التطور العلمي الذي انتقل من الأندلس إلى أوروبا، مؤكدًا أن الشك في المسلمات هو الخطوة الأولى نحو اكتشاف الحقائق الكبرى. ويظل إرث البطروجي شاهدًا على عمق وأصالة العقل العلمي في الحضارة الإسلامي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.