البخيل

البخل هو إحدى الملكات النّفسيّة الموجودة في طبع بعض النّاس، والملكة هي صفة من الصّفات المتمكّنة من النّفس، وتظهر آثارها في النّفس بلا رويّة ولا اختيار.

فالبخيل يتعامل مع هذه الملكة بتلقائيّة، فتجد جميع تصرفاته تدعو إلى البخل، فمثلًا تجده يُحبّ أن يأكل من الغير، وتجده يقترب من الكريم لينال منه ولو بضع لقيمات، فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وقد رأيت رجلًا من أصحاب هذه الملكة يمتلك رصيدًا في أحد المصارف مايقرب من ربع مليون جنيه، ووجدته يأكل من سلّات القمامة، وكان يعمل مشرف أمن في بعض القرى السّياحيّة في السّاحل الشّماليّ، وعندما سألته لماذا تأكل من القمامة؟ ردّ وقال: "قمامة النّاس (دول) من الذّهب".

ويُحكى أنّ رجلًا بخيلًا من إحدى  قرى الرّيف كان يجلس ليتناول وجبة الغداء مع ابنه، وأمر الرّجل ابنه أن يقوم ويغلق الباب حتّى لا يأتي أحدٌ من المارّة أمام البيت فيأتي ويأكل معهم، فردّ الولد وقال لأبيه: لايوجد أحد يمرّ في هذه السّاعة فالجوّ حارٌّ جدًا، وبعد برهة من الزّمن مرّ رجلٌ عليهم.... السّلام عليكم... وعليكم السّلام ورحمة الله وبركاته.. تفضّل الغداء، فدخل الضّيف وجلس ليأكل، فنظر البخيل إلى ابنه نظرة مشمئزة، فقال الضّيف:"سبحان الله! كلّ شيء نصيب وصحيح زي مابيقولوا اللّقمة تنادي آكلها..."، فقطع البخيل كلام الرّجل، وقال: "لانصيب ولا حاجة ده كله كسل من الواد ده منّه لله".

وقديمًا تحدثوا عن البخيل فقالوا: 

البخل أن يرى الرّجل ما أنفقه تلفًا وما أمسكه شرفًا.

البخيل شخص يعيش طيلة حياته دون أن يتذوّق طعم الحياة.

البخيل لماله أمّا ماله فليس له.

البخلاء جمال عطشانة والمياه محمّلة على ظهورها.

قمّة الجنون أن يعيش المرء فقيرًا ليموت غنيًا.

عندما تشيخ كلّ العيوب يبقى البخل شابًّا.

البخيل شحاذ دائم.

البخيل فقير لا يؤجر على فقره.

البخيل يبخل ليس بماله فقط بل تجده في بعض الأوقات يبخل بمعلومة، ويبخل بالنّصيحة لإخوانه خشية أن ينتفعوا بها، وأكثر من ذلك إذا كان لايصلّي، ونصحه أحد النّاصحين له من أجل أن ينجو بنفسه من عذاب الله.... أصلّي كي يأخذ هذا الشّخص ثوابًا على نصحه لي، فهذا لايكون أبدًا، والبخيل لا يحبّ أن يستفيد منه أيّ أحد ماديًّا أو معنويًّا، فلا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم.

وهنا يأتي سؤال، ما هي الأسباب الّتي غرست ملكة البخل في نفس البخيل؟

وننقل الإجابة عن هذا السؤال من صاحب النّظرات (مصطفى لطفي المنفلوطيّ) حيث قال: إنّ الأسباب تختلف باختلاف الأشخاص البخلاء وأطوارهم وأخلاقهم وتربيتهم.

وأهمّ تلك الأسباب من حيث ذاتها بقطع النّظر عن افتراق مايفترق منها واجتماع مايجتمع:

1. الوراثة: وهي وإن كانت سببًا ضعيفًا؛ لما يعرض للأخلاق الموروثة أحيانًا من التّغير والانقلاب بمعاشرة المتّصفين بأضدادها والتّأثر بمخالطتهم، إلّا أنّها كثيرًا ماتنمو وتتجسّم إذا أغفلت ولم يعترضها ما يسدّ سبيلها ويقف في طريق نمائها.

2. التّربية: إذا نشأ الطّفل بين أهل أشحاء، ولم يكن في فطرته ما يقاوم سلطان التّربية على نفسه، أخذ أخذهم في الحرص وتخلّق فيه بأخلاقهم، كما يتخلّق بها في العقائد والعادات من حيث لا يفكّر في استحسانٍ أو استهجانٍ، كأنّما هي عدوى الأمراض تسري إلى الإنسان من حيث لا يدري بها ولا يشعر بسريانها.

3. سوء الظّن بالله: ذلك أن المتديّن إذا أخذت عقيدة القضاء والقدر من نفسه مأخذها رسخ في قلبه الإيمان بأنّ لله سبحانه وتعالى عينٌ ساهرة على عباده الضّعفاء، فهو أرحم من أن يغفل شأنهم ويكلهم إلى أنفسهم ويسلّمهم لصروف اللّيالي وعاديات الأيّام، فلا يلجّ به الحرص على الجمع، ولا يزعجه الخوف من البذل، وعلى العكس منه ضعيف الإيمان ضعيف الثّقة بواهب الأرزاق ومقسم الحظوظ والجدود؛ فهو لسوء ظنّه لا يزال الخوف من الفقر نصب عينيه حتى يصير البخل ملكة راسخة فيه.

4. النكبات: كثيرًا ما تحلّ بالإنسان نكبات تصهر قلبه، وتزعج غريزته من مستقرّها، ومن ذلك النّكبات الّتي يكون مرجعها قلّة المال، كأن يقع الرّجل في خصومة يرى أنّه لولا ضيق ذات يده لما وقع في مثلها، فلا يكون له فكر بعد ذلك إلا في التّوقي من الوقوع في أمثالها، فكلّما تمثّلت له نكبته لجّ به الحرص وأغرق في المنع حتى يصير ذلك غريزة فيه، وخلقًا ثابتًا له.

5.  اللّؤم: فإنّ النّفس إذا خبثت طينتها، ولؤم طبعها كان من أخص صفاتها الحقد على الوجود بأجمعه، وبغض الخير للنّاس قاطبة، فكيف يمنحهم من ذات يده ما يزيده ألمًا على ألم، وحسرةً فوق حسرةٍ، وهو لو استطاع أن يمنعَ عنهم سارية السّماء، ويعترض دُونهم نابتة الأرض لفعل.

فلو يعلم البخيل كم منع نفسه من نعم كثيرة كان من الممكن أن يستمتع بها في حياته، ولكنّه سرعان مايندم في أواخر العمر في وقت لا ينفع فيه النّدم، ألَا يذكر ذلك البخيل قول المولى الجليل: "ولا تنسَ نصيبك من الدّنيا وأحسن كما أحسن الله إليك"، فقد نسي البخيل نصيبه من الدّنيا وترك ماله لورثته ليكونوا أغنياء وقد عاش فقيرًا. 

بقلم الكاتب


سعد ابو الفتوح عبد العزيز ابراهيم من مواليد محافظه البحيرة - دمنهور - جمهورية مصر العربية ولد في الثاني عشر من شهر مايو عام الف وتسعمائه و واحد سبعون من الميلاد تدرج في التعليم الازهري من الابتدائية الى الاعدادية الى التانوية بمعهد دمنهور الديني ثم حصل علي ليسانس اصول الدين والدعوى الاسلامية بطنطا داعية اسلامي - ومحقق تراث -


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

سعد ابو الفتوح عبد العزيز ابراهيم من مواليد محافظه البحيرة - دمنهور - جمهورية مصر العربية ولد في الثاني عشر من شهر مايو عام الف وتسعمائه و واحد سبعون من الميلاد تدرج في التعليم الازهري من الابتدائية الى الاعدادية الى التانوية بمعهد دمنهور الديني ثم حصل علي ليسانس اصول الدين والدعوى الاسلامية بطنطا داعية اسلامي - ومحقق تراث -