البحيرة.. قصة قصيرة

لا أدري لماذا تذكرت سابا فجأة..

كانت سابا صديقتي في الطفولة، لم نكن ندرك معنى الصداقة بعد، لكن جمعتنا أوقات المرح واللعب بعد المدرسة.

اعتدنا أن نكون معًا، نتجول في شوارع قريتنا الضيقة، نجوب البساتين، نستنشق رائحة الأزهار والفواكه الناضجة، نستلقي على العشب الرطب وندور حول الأشجار ونتأمل السماء الصافية والغيوم المتناثرة في أرجائها هنا وهناك حتى يدركنا المغيب.

اقرأ أيضًا وفرقتنا الأيام.. قصة قصيرة

المشهد الأول

كان يومًا صيفيًّا، وكنا قد اعتدنا أن نلتقي عند باب جارتنا أم وديع. تأخرت سابا في القدوم، لم أكن مستعدة لسماع خبر حزين.

اعتقدتُ أنها مريضة أو ببساطة لم ترغب في اللعب معي؛ بعد مرور الوقت تملكني الفضول لرؤيتها من جديد.

لم يكن منزلها بعيدًا فأسرعت الخطى لملاقاتها، وهناك وجدت باب منزلها مفتوحًا، وكان صوتي خافتًا وأنا أنادي باسمها، تمنيتُ أن تسمعني وتسعد بلقائي لكني وجدت أمها تبكي وحولها بضع سيدات يحاولن مواساتها.

لم ينتبه أحد لوجودي في البداية، لكنني ظللتُ واقفة مدة أطول مما تخيلتها حينها، وعندها رفعت أم سابا نظرها باتجاهي وقالت بنبرة حزينة ولكنها قاسية: لم تعد سابا بالأمس.

اختلطتْ مشاعر حزينة وذكريات فتلعثمتُ في كلماتي ولم أعطِ جوابًا واضحًا.

أمضيت مع سابا أوقاتًا جميلة بالأمس القريب وانتهى كل ذلك بلا وداع وبدون حتى تفسير مقنع.

أين ذهبت سابا؟

لم يكن سؤالي وحدي، كان كل من في القرية حينها يتساءل: ماذا حصل لسابا؟

في نهاية ذلك اليوم اعتدنا أن نفترق في مكان قريب من منزلها ومنزلييومها عدت لذلك المكان، لم يكن هناك شيء مريب أو كما كان يبدو لطفلة صغيرة.

ظللت لأيام أتأمل وجوه المارة وأطفال القرية لعلي أجد سابا من جديد.

اقرأ أيضًا بُنيتُ بعد سقوط ! - قصة ملهمة

المشهد الثاني

اقترب الصيف وقررت أن أقضي بعض الوقت في منزل البحيرة. ذلك المكان الهادئ الذي اعتدت أن أستمتع فيه بهدوء المكان، وتأمل الطبيعة وكتابة بعض الأشعار.

تسللت أشعة الشمس الدافئة لتوقظني من نومي، لم أستطع مقاومة سحرها الذهبي الذي يلف المكان، شعرت بالنشاط وتمنيت أن أقضي يومًا مفعمًا بالطاقة والتجول حول البحيرة.

الروتين الصباحي انقضى بسرعة ووجدتُ نفسي أستعد للخروج، تناولتُ قبعتي وكتاب أشعاري وأغلقتُ الباب ورائي.

شعرتُ بنسائم الصيف الدافئة تداعب وجنتيَّ، ابتسمتُ وأكملتُ طريقي ببطء.

لم يكن يوجد ما يشغل تفكيري لكني كنت قريبة من ذكرياتي أكثر من أي وقت مضى.

كان لا يشوب هدوء المكان غير صوت خطاي على الحصى الصغيرة المتناثرة على طول الطريق باتجاه البحيرة.

تجولت لساعات أرقب طيور البحيرة والحيوانات البرية تختلس النظرات قبل أن تجري مسرعة.

وأخيرًا تملكني التعب فجلست تحت السنديانة العتيقة لأستريح قليلًا وأقرأ بعض سطور الشعر:

لماذا ينبض القلب بالشوق والألم؟
أهو وهم أم حقيقة؟
أم يكون العقل تائهًا بين الذكريات والحلم؟

وفجأة سمعت صوت ضحكات أطفال بدَّدت سكون المكانتلفتُّ حولي؛ فلم أعتد وجود الأطفال في الجوار.

توقعتُ أن أرى واحدًا أو اثنين يلعبان بمرح ولكني لم أجد أحدًا.

كان صوتًا صارخًا تلاشى بسرعة ولم يبقَ غير تغريد العصافير الصغيرة.

بعد قليل تركت مكاني واخترت بقعة أقرب للبحيرة، جلست بين الصخور مستندة لجذوع إحدى الأشجار، كان المنظر رائعًا فسلبني من بين سطور كتابي وظللت أتأمل جمال تدفق مياه البحيرة لبرهة، لماذا هذه البقعة تظهر داكنة أكثر من المعتاد؟!

ازداد فضولي لمعرفة السبب؛ فمن الواضح وجود شيء ما يحاول الوصول لسطح البحيرة.

بعد أن تجاهلتُ أسطورة وحش البحيرة اقتربت أكثر، لم يكن الوصول للمياه سهلًا كما اعتقدت ولكني حاولت أن ألمس صفحة المياه المتلألئة تحت أشعة الشمس.

اقتربت أكثر حتى إنني خشيت أن أفقد عقدي الذي كنت أرتديه لأن له مكانة عزيزة على قلبي.

كانت صورة منعكسة تتمايل مع نسمات الريح، تأملتُ بدقة ودهشة، كانت تقريبًا منعزلة عن سطح المياه وتزداد وضوحًا كلما تأملتها وتكاد تطفوعلى سطح البحيرة.

أبعدت عينيَّ قليلًا فكنت أخشى أنني أتوهم شيئًا لا وجود له، لكن المياه القريبة منى كانت فعلًا مختلفة عن باقي مياه البحيرة النقية الصافية.

لم أكن أملك خيارًا إلا أن أواصل التأمل في هذا الوجه الذي يستمر بالنظر إليَّ وتلك العينين الباردتين اللتين تشداني إليهما.

اقرأ أيضًا مذكرات عفوية.. قصة قصيرة

هل كان وجهًا مألوفًا لديَّ؟

هذه الملامح ليست غريبة عليَّ، قد رأيت هذا الوجه من قبل لكن منذ مدة طويلة، هذا الوجه الدائري الصغير والأنف الدقيق والوجنتين المتوردتين.

نظرتُ مرة أخرى وواصلت النظر حتى أعرف لماذا أرى وجه سابا منعكسًا في نفس المكان من هذه البحيرة، صرخت باسمها مرة بعد أخرى، بعثرت هذه الصورة المنعكسة لوجهي بأناملي عساها تتلاشى أو أجد تفسيرًا لها.. لكن بلا فائدة.

تمنيتُ أن تبادلني سابا النظرات حتى تحكي لي ماذا حصل لها ذلك اليوم عندما افترقنا، اعتصرني الألم والندم فلم يكن ذنب أحد.

مددتُ يدي لألمسها وأعانقها وأقضي معها بقية الوقت حتى الغروب. لماذا لا تجيبينني؟

أم أنكِ تلومينني

أردتها أن تمسك بيدي ونظل إلى الأبد لا نفترق، نلهو ونلعب بحرية بين الأشجار، أردتها أن تشدو بأغنية الصباح المعتادة.

ازدادت الصورة وضوحًا وحدة، كأنها تتألم وتحاول أن تهمس بكلمات لم أتمكن من سماعها، أردت أن أجاوبها ولكن تجمد لساني وشفتاي، قاومت بقوة وقلت لها:

هل تذكرينني؟

ردَّت بنظرة تساؤل صامتة، قد أجد جوابي هنا منها لكنني أخشى أن أفقدها مجددًا. فقدت صوتي وأنا أنادي باسمها وخارت قواي من ملاحقتها.

صوت الرنين أصمَّ أذنيَّ، ذلك الضوء الذي يخرج من عينيها أعمى عينيَّ، وعندما فتحتهما مجددًا وجدت فقاعات الماء تخرج من بين شفتيها وكأنها تريد أن تقول شيئًا قبل أن تبتلعها الأمواج.

زاد فمها اتساعًا وغارت وجنتاها في عمق المياه، هل كانت تصرخ؟

سحبني التيار لداخل البحيرة، حاولت سحب يدي لكنها كانت ملتصقة بشىء ما، يد تمسكني بقوة وتجذبني للأسفل.

سقطت قبعتي، تهاوى رأسي للداخل، تناثر عقدي الثمين، اختنقت وأنا داخل هذه الحلقات الحلزونية اللامنتهية من الموج العاتي وأيقنت بهلاكي.

الدوار يلفني ولم يعد يوجد ضوء يرشدني، تضاءل جسدي ومياه البحيره تعتصرني. فتحت عينيَّ من جديد فوجدت نفسي أستند إلى جذع السنديانة العتيقة، هل كانت حقيقة أم خيالًا؟

كانت الشمس قد قاربت على المغيب، لم يكن هناك أحد غيري سوى بضع فراشات تطير من هنا إلى هناك، كنت بعيدة عن أطراف البحيرة ببضعة أمتار ولم يكن هناك أصوات ولا ضحكات أطفال.

ولكني أيقنت مع نهاية ذلك اليوم الصيفي الدافئ أنه كان وداع سابا الأخير.

اقرأ أيضًا

-رمضان كريم.. قصة قصيرة

-البطء والحياة في مكان آخر.. قصة قصيرة 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة