الساعة تشير إلى الثالثة والنصف صباحا، الشمس البهية لم تشرق بعد، لازال العديد من الناس كبارا وصغارا، يتمتعون بنوم عميق، رغم أن ليالي فصل الصيف الساخن أقصر من ليالي باقي الفصول الثلاثة، بما فيها الخريف والشتاء والربيع. لم أشاهد أثناء خروجي من المنزل في أزقة وشوارع مدينتي الأثرية سلا الجميلة التي أحببتها منذ صغري من قلبي الصافي حبا يعادل حب أمي الغالية، المدفونة في مقبرتها المسماة باب المعلقة القريبة من البحر، التي تجاور ضريح الولي الصالح سيدي أحمد
ا بن عاشر الأندلسي، الذي كانت تكتسي كرامته صبغة أسطورية، فبغض النظر عن شفائه لذوي العمى والمقعدين والمجانين، اعتقد الكثير من الناس في ذلك الزمن أن بركته تهدأ أمواج البحر، لذلك كان قراصنة المدينة، يدخلون المرسى بسفنهم وغنى أئمتهم وأسراهم في ثقة تامة من أمرهم، لم أشاهد طبعا إلا بعض حراس السيارات الجالسين فوق صناديق خشبية راشية و متسخة، يدخنون فرادى أو جماعات السجائر التي تضر بصحتهم الغالية، التي لا تعوض ولو بالمال الكثير والمجهود الطبي الكبير، وكذلك بعض الكلاب المسعورة والقطط المهجورة، تتجول بكل حرية وسلامة من حي إلى آخر، مثلها مثل البشر، باحثة مسكينة بنشاط كبير وحيوية متقدمة عن لقمة عيشها من خلال بعض صناديق القمامة البلاستيكية ذات اللون الأخضر المكسرة، وضعتها شركة النظافة الجديدة، بعد أن اتخذ أخيرا مسئولو مصالح البلدية المحلية قرارا هادفا يقضي بتفويض تدبير النفايات المنزلية لفائدة القطاع الخاص في إطار المنافسة المشروعة كما يزعمون، وقبل أن يزاحمها الذين يبحثون كذلك بدورهم عن المتلاشيات التي يبدو بعضها مجرد أزبال إلى الحد الذي يجعل من الصعب أحيانا التميز بين " القمامة " الحقيقية بما في ذلك الذباب والبعوض....وغيره
دخلت إحدى المقهى الفسيحة، الذي لا يبعد عن منزلي ببعض الخطوات القليلة جدا، فوجدته خاليا إلا من نادلة واحدة، قصيرة القامة جالسة تتثاءب لعدم نومها ليلا نوما كافيا، مؤخرتها الكبيرة تتمايل صعودا ونزولا...، ورغم ذلك كله فهي تبتسم لزائري المقهى بوجه بشوش
وقلت في نفسي:
إن هذا خير مكان أجلس فيه مرتاحا هذا الصباح الصافي، الذي لا يعرف ألوان تغيير الطقس الجوي، أكتب بعض المقالات الصحفية السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية والرياضية وغيرها، وأقدمها لرئيس تحرير الجريدة الورقية التقليدية التي أتعاون مع هيئة تحريرها الرسمية مند أكثر من عشر سنوات مضت، التي أصبحت تعيش بدورها على وقع أزمة مالية نتاج التدبير الشيء للذين أوكلت لهم مهمة تسييرها . التزمت وتعهدت مند أكثر من عشر سنوات، بأن أمدها بالأخبار الصحيحة الواقعية، من مصادر موثوق بها جدا، و أن تكون مطبوعة بأوصاف
النزاهة والموضوعية والشفافية، و أن لا تمس أغراض بعض الناس، و أن تحترم بصفة عامة أخلاقية مهنة الصحافة السلطة الرابعة المقدسة.
على إحدى المناضد البيضاء الكبيرة، وضعت محفظتي الصغيرة السوداء، وطلبت من النادلة المتثائبة فنجان قهوة سوداء بدون سكر، تم أمسكت قلمي الرصاصي وبعض الأوراق، وشرعت أفكر في كيفية استهلال المادة الصحفية الأولى، التي سأحاول أن أكتبها، و تساءلت في خاطري:
عن ماذا أكتب؟
لمن أكتب؟
أجبت في نفس الوقت:
إنني أعرف عن ماذا أكتب، وأعرف جيدا أن قرائي الذين أكتب إليهم، لأن كتاباتي في مادتها وطريقتها وشكلها، تتوقف على نوع هذا الجمهور وخصائصه المعينة، ومع ذلك كله طرحت من جديد على نفسي مرة أخرى الأسئلة التالية:
هل أكتب عن تدهور صحتي الغالية، وارتفاع الضغط الدموي القاتل، الذي أصابني منذ ثمان سنوات كاملة، ولم أشعر بمفعوله الخطير، إلا خلال السنوات الأربع الأخيرة، وتسبب لي في عدة أمراض قلبية مختلفة الأضرار؟
ولم يقم بمساعدتي أي صديق لمقاومتها، وتغلبي عليها بصفة نهائية، وانقاد حياتي الغالية من الموت، الذي أفكر فيه دائما، فهو قضية تشغلني ما دمت حيا، وأعترف للجميع أنه حقيقة أزلية، لا مفر لأي مخلوق موجود في هذه الدنيا منه، كيفما كان نوعه، ولكن الحياة جميلة بين أزهار الربا، ويا ليت الشيب لا يضرب الصبا...
أم أكتب عن الأشجار الجميلة التي بدأت يوما بعد يوم تتساقط
في مدينتي، واحدة تلو الأخرى، وتختفي لتترك أمكنتها للأسمنت البيضاء والسوداء والآلات الحديدية الواردة من الخارج، ليصبح هذا المكان عمارة و ذاك معملا صناعيا أو أي شيء آخر، ولعل كل واحد منا يتذكر الآن الأشجار الكثيرة التي كان يطوف بها ويستظل في ظلها، وكل ما يتذكر الآن تلك الحدائق والمنتزهات التي كان يستمتع بجوها وهدوئها، التي كانت توجد داخل المدينة وخارجها، يزرع في محاسنها أحلامه الوردية، كل واحد منا وخاصة الذي يعادلني في السن يتذكر ذلك، ويتأسف لأن هذه الأماكن الجميلة قد تحولت إلى عمارات شاهقة، ولأن هذه الأحلام الوردية، ودلك الانتعاش النفسي الجميل، وتلك الحرية المطلقة،التي يستشعرها الإنسان في جنابتها قد داستها الحجارة والآلة، وطحنتها طحن القمح والشعير.
بكل باختصار إننا نعيش في هذا الزمن الجديد مذبحة الشجرة .يمكن للمتجول أن يتجول في الكثير من المدن المغربية، ولن يجد أثرا للخضرة فأحرى أن يجد مكانا للنزهة والراحة والاستحمام، وهذا شكل خطرا اجتماعيا، فهو لا يعني شخصا معينا بقدر ما هو ظاهرة تعني القاطن والزائر والمار، إذن أين يقضي الأطفال الصغار رفقة أبائهم أو أوليائهم أوقات فراغهم، وخاصة أيام العطل المدرسية، وأين يستريحون من ضغط هذه العمارات والمباني وضجيج شركات النجارة والحدادة وإصلاح السيارات وغيرها، التي ملأ ت المدينة ولوثتها؟
أم أكتب عن أعمالي الأدبية والفنية، التي ستصبح بعد رحيلي إلى دار البقاء في أيدي غيري من الناس، سواء كان هؤلاء الناس من بين ورثتي أم من القراء وطبعا فإنهم يدوسونها كلها ويحرقونها أيضا ورثتي، لأنهم يظنون أن قيمتها، لا تسمن ولا تغنيهم من الجوع.
ويقولون جميعا:
لقد ودعنا الكاتب المنتمي لأسرتنا، قال كل ما كان في جعبته ورحل .
ويضيفون أيضا:
رحم الله فقيدنا العزيز فلان الفلاني، الكاتب المبدع المتميز القدير برحمته الواسعة، وأسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء الصالحين، وحسن أولئك رفيقا، وألهم ذويه الصبر والسلوان . عاش كريما ومات كريما .
إن لله وإن إليه راجعون.
ولم تمض إلا أربع دقائق حسب هاتفي النقال على جلوسي في هذا المقهى الكبير، حتى دخل من الباب الأمامي الكبير شاب قوي البنية، طويل القامة كبير العينيين المستطيلتين، أسمر اليدين المستديرتين، شعر رأسه الطويل يغطي أذنيه، يتدلى من يده الأيسر كيس بلاستيكي أسود، وقف يلتفت حوله، ويستعرض عشرات المناضد الغالية والمتناثرة في أرجاء هذا المقهى الفسيح الفارغ من الناس، يبدو أنها لم تعجبه كلها بدليل أنه أقبل نحوي، وجلس في الطاولة اللاحقة لي مباشرة وقال بصوته المبحوح المزعج:
السلام عليك يا ساهر الليالي
رديت عليه بلطف
عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته
" وقد كنت كاذبا بالطبع، فأي سلام أتوقعه بعد أن اقتحم هذا الشاب عزلتي الركنية، وفرض علي وجوده بقوة لا يتصور مفعولها حتى صفق تصفيقة مدوية مثل هدير الرعد وقت فصل الشتاء الممطر، رأت أثرها في اهتزاز النجفة المتدلية من سقف المقهى العالي..."
ولما أتت النادلة وهي في حالة خوف شديد، طلب منها شيئا خطيرا، لم أنجح في أن أحبه وهو الشيشة القبيحة، التي تتسبب في مدمنيها بفضيحة،فما بين وعائها الزجاجي الأخضر المملوء بالماء، وذلك الخرطوم الطويل المواصل بينه وبين فم المدخن وجمرات الفحم الحمراء المتوهجة فوق قمتها، أجد أمامي دورة من التعقيد الشديد في سبيل هدف معين في البساطة وهو الحصول على نفس من الدخان.
وأتت الشيشة فتأمر هذا الشاب حبسها في فمه، وسحب نفسا عميقا كركرت له المياه في الإناء الزجاجي، كأنه هدير شلال، والنفس حبسه في صدره نحوا من خمس دقائق، حتى كدت أنا أن أختنق، ثم أطلق غمامة كثيفة تصلح لاختباء كوفة الجنود وراءها وقت المعارك الكبرى، وانتظرت أن يشعل فلم يفعل، فأشعلت أنا نيابة عنه، وخمسة أنفاس أخرى، متشابهة.
في هذه اللحظة وقفت وقلت له:
لا تلومني إذا رأيتني أحمل قلمي وأوراقي، وأنتقل إلى مائدة أخرى في أقصى المقهى؟
ومن هناك رأيته من خلال الدخان يزفر لي ويزفر بشدة قائلا:
" تــــــعـــالـــى يا أستاذ " .
وكانت عيناه مصوبتين إلي جيدا، مثل جمرات الشيشة، ونظرا لأنه لم يكن يوجد بالمقهى حارسها أو أي إنسان غيري، فلم يكن هناك مناص من استنتاج أن الأستاذ سالف الذكر هو أنا، وهو يستفزني عن معنى حركة ما: تلك الحركة التي كنت أعرفها، ولكنني قررت أتجاهلها .
قلت له متسائلا في براءة: سيادتك تتحدث معي
قال: نعم
قلت: ماذا تريد؟
قال: أريد أن أعرف معنى هذه الحركة
قلت له: أية حركة؟
قال: أنت الذي كنت جالسا هنا؟
قلت: نعم
قال: هل يمكنني أن أعرف لماذا نهضت؟
بدأت أفكر في الجواب، ولكنه سبقني إليه وقال:
هل جاءتك رائحتي كريهة يا " أســــــتــــاذ"؟
قلت له: استغفر الله يا أخي
" مرة أخرى لم يدعني أن أكمل كلامي، وتبرع بالتفسير الثالث قائلا: "
هل يظهر علي أنني نشال ماهر يا " أستاذ "؟
توهجت عيناه أكثر من قبل...
أما أنا نظرت نحو النادلة مستغيثا منها، لكنني وجدتها قد شبعت من التثاؤب، وأسندت رأسها على إحدى الموائد، ونامت نوم الأموات...
أما هذا الشاب قال لي أيضا:
ما ذا تريد إذن يا " أستاذ "؟
قلت: لا أريد شيئا " هنا قاطعني " وقال:
هل أنا لست في مستواك لتجلس معي؟
قلت له : يا أخي العفو المشكلة كلها أن دخان " الشيشة " يكلل صدري، وأنا مريض مرض الضغط الدموي، وريان القلب . الذي يعتبر العنصر الأساسي في الجهاز الدوران، حيث يقوم بضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسم عن طريق الانقباض بشكل منتظم لضخ الدم وتوزيعه في الجسم خلال الأوعية الدموية .
قال: أنت مريض
قلت: نعم
قال: المريض لا يسهر في الليل
" في هذا الوقت بالذات، نفخ سحابة من الدخان الكثيف، كأنها منبعثة من فوهة بركان وقال لي ":
هل تدخن؟
قلت: لا
قال لي: ومادمت لا " تــــــدخــن "، ولا تحب المدخنين الأذكياء، والمدخنات الجميلات، لماذا تجلس في هذا المقهى الخاص بهم؟
وكأن هذا السؤال لا يخلو من المعقولية والجدية، ولكنني لم أكن ملزما بالطبع بأن أرد عليه، وهو يستعرض علي كل التصرفات القبيحة المختلفة . ففي هذا الموقف الحرج، وقع اختياري على ذلك التصرف الذي أعتقد أنه يوافقني، وأنه أنسب لصحفي مهذب مثلي لا يريد الصداع والخصام مع الآخرين، جمعت أوراقي التي لم أخط في سطورها ولو حرفا واحدا بسرعة في صمت رهيب قبل أن يحرقها لي، ونهضت متجها إلى باب الخروج، وقبل أن أخرج خبطتني في ظهري عدة كلمات ساقطة منه، أرى من الأحسن أن أحتفظ بسلبياتها لنفسي، لأنها شيئا من أسراري الخاصة فحسب، ولا يسمح لي ضميري المهني بتاتا أن أبوح بمضمونها لقرائي الأعزاء، الذين وجب علي أن أحترمهم كل الاحترام، رغم أنني أعرف جيدا أن جل الكتابات التافهة هي التي أكثر قراءة من الكتابات الرصينة الجدية الحقيقية، وأن الاهتمام بمشاكل الكثير من الناس الخاصة مهمة جدا للغاية، والحقيقة أنني لا أشك في أن الكاتب المتمكن من القدرة على مقابلة أصناف مختلفة منهم ومحاوراتهم بطلاقة، بدأ من أعلى مسئول حكومي رسمي وانتهاء بالرجل الاعتيادي ـ ولا أقول ماسح الأحذية . لأن حتى ماسح الأحذية له موقعه الغالي في هذا الوطن الحبيب و يعتز أيضا بكرامته....
وهذه الأهمية تساعد الصحفي المهني في أن يلهب الثقة لدى الآخرين،والتخفيف من أجراحهم عند مقابلته لهم، تضاف إلى ذلك استعداد مطلق من جانبه لاحترام الثقة، وحفظ الالتزامات والتمسك بالمواعيد...
ومع ذلك كله لست نادما على هذه المواقف المحرجة التي صادفتها في هذا المقهى، فقد مكنتني في نفس الوقت من التعرف جيدا على ظاهرة خطيرة متفشية بكثرة في مجتمعنا المغربي، فهي تحتاج منا جميعا إلى القيام بحملة كبيرة على الصعيد الوطني والدولي أيضا لمحاربتها في أقرب الأوقات .لكنني أطرح في نفس الوقت العديد من التساؤلات حول الجهة المعنية التي توفر لمثل هذه الأوكار الخطيرة الحماية اللازمة المنتظمة، فلا الحملات الكثيرة والدوريات التي تشنها السلطات المحلية والأمنية حدت من نشاطها، ولا التنديدات والوقفات الاحتجاجية التي نظمتها فعاليات من المجتمع المدني دفعت أربابها إلى الرضوخ إلى قرار السيد المسئول الأول بالمدينة القاضي باحترام الشروط المنصوص عليها قانونيا في الرخص الممنوحة لهم من طرف الحكومة...
وأحمد الله تعالى حمدا كثيرا، لأنني بفضل صبري، تخطيت جميع الصعاب، وفزت بكتابة هذا المقال الاجتماعي، الذي جاء صدفة دون ميعاد سابق معه، وحققت رغبات ضميري، ولو لا قدرة الخالق سبحانه عز وجل لما كتب هذا المقال، ووصل عزيزي القارئ إليك، للإطلاع عليه جيدا والاستفادة من تجارب الآخرين.
وشكرا جزيلا لهذا المدخن رغم أنه أزعجني وأقلقني في نفس الوقت، دون أن أكمل شرب فنجان قهوتي، التي أحضرتها لي النادلة المتأثرة، وتركتها ممتلئة عن آخرها وانصرفت مسرعا، وألتفت ورائي بعد كل ثانية، أراقبه هل تبعني أم لا.
ومع ذلك كله . فقد ربحت مادة صحفية اجتماعية متميزة تتمثل في التعرف على عالم أضرار التدخين .ونظمت ديوانا شعريا خاصا في هذا الموضوع، لا زال مخطوطا لحد كتابة هذا المقال، عرفت فقط قصيدتان منه طريقيهما إلى التلحين والغناء من طرف بعض المطربين المقتدرين...
وهذا هو حال الصحفي الحر الملتزم، الذي يبحث جيدا عن المادة الصحفية الناذرة الصالحة للنشر، ويقول الحقيقة في شتى كتاباته المختلفة الواقعية والذاتية، ولا يبيع ضميره المهني بوسخ الدنيا.
وخلاصة موضوعي الصحفي هذا، أدعو لهذا المدخن ولأمثاله وهم كثيرون،دعوات الخير من صميم قلبي الباري جلت قدرته، مقلب جميع القلوب، أن يقلب قلبه على كره الشيشة اللعينة . ويبعده من شرور تدخينها في أقرب الآجال .حتى يتمكن من المحافظة على صحته الغالية، التي تعتبر أعز حاجة عندنا جميعا في هذه الدنيا الماشية.
والله يهدينا جميعا إلى سواء السبيل . إنه سميع الدعاء ومجيب الدعوات . وهو على كل شيء قدير.
بقلم محمد الوصاف
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.