لا أدري ما الذي حدث. كل ما أعرفه أنني فقدت الرغبة، ولم يعد هُنا ثمة شيء يثير الدهشة، خاصة وحدتي والجدران الأربعة التي ينحصر بينها عالمي الخاص. هُنا أعرفني كما أنا، أجد ذاتي الضائعة بين العوام. عندها فقط يمكنني الوصول إلى ذروة الحقيقة: بأن كل شيء مجرد حلم.
متى كنت وحيدًا، دون رفاق، دون بهجة، ودون أسى؟ لأراني مجرد جسد، جريمة، مرض، عمر، وموت. فما الذي حدث؟ لِمَ كل هذه الضجة؟ وما الداعي لهذا الجنون كله؟
ثمة تساؤلات تمطرني مع كل لقاء، لا أنفك عنها. تمسكني من تلابيبي كلما دنوت باب غرفتي. عندها تستقبلني رائحة نتنة مخمّرة، وتذهب إلى غير رجعة، أيْ: حتى أعودَ مرةً أُخرى تكونَ هي في استقبالي. ومن ثم أقطعُ ظلام الغرفة — التي أعرفها على ظهر غيب — أربعَ خطواتٍ حتى أكون قد بلغت فراشي.
هُناك، في زاويتها، حيث أقضي الكثير من الوقت بحثًا عن إجابة، لكن كل الإجابات تفلت مني. كما العناكب الموزّعة في زوايا سقف غرفتي، تبقى علامة الاستفهام عالقة في اللاشيء. ترى، أيُّ استفهامٍ هذا؟ وما الذي أقصده باللاشيء؟
لا عليك منهما، لأنني لا أعرف عنهما أيَّ فكرةٍ. كل ما في الأمر أنني، ظُهرَ اليوم، خرجتُ إلى جبل صبر، المتنفس الوحيد في هذه المدينة، المكان المقدّس للأنفس الضجرة من هذه الأزقة. عيادة الأمراض النفسية التي لا يمكن لأي عيادة أو مستشفى أن تداوي مرضاها كما يداوي هذا الجبل الوافدين إليه.
وأنت على ضفافه، حيث المدينة كلها تحت عدسة عينك، وتتخيل أن يدك بإمكانها أن تعيق سحب السماء عن السير لو أنك ترفعها فقط. إلا أن يدك لا تكف عن عدّ خيبات المدينة ومعالمها وشوارعها وأحيائها، التي كان من المفترض أن تكون أكثر ترتيبًا وأجمل تصميمًا، إلا أنها بُنيت بعشوائية فردية، تغلب فيها الطمع الشخصي على المصلحة العامة.
ناهيك عن الجرائم التي اقترفت بحق هذه المدينة وساكنيها، فهي لا تعد ولا تحصى. فكل موطئ قدم فيها يشهد على جريمة بحق الإنسانية، أو عن قصة من الصمود والكفاح بحق الحرية. ولا تنتهي من العد عند هذه النقطة، لأنه لا بدَّ أن يسألك أحدٌ: أين يتموقع أصحابنا — أي قوات المقاومة الشعبية والجيش الوطني — وأين تتموقع المليشيات؟
فإذا كان الوقت نهارًا، تكتفي بأن تشير إلى امتداد أخضر ينصف المدينة، أو امتداد أسود إذا كان الوقتُ ليلًا، وتقولُ: «انظر هناك، حيث الطوق الأخضر الممتد، ذاك هو الفاصل ما بيننا وبينهم». آه... يبدو أن ما تحت سيطرتهم أكثر مما هو تحت سيطرتنا؟ لكن ما حررناه ليس بالقليل. تذكر أنهم ذات يوم كانوا هاهنا!
وهل يوجد جنود على طول هذه المسافة؟ لا، لا يوجد جنود فحسب، بل ما يوجد هناك أعظم الجنود وأشجعهم وأكثرهم قوة وصبرًا، لأنهم لا يحاربون المليشيات فحسب، بل إلى جانب حربهم هذه يحاربون المعيشة والظروف الصعبة، والمواعيد الكاذبة التي يتغنّى بها القادة.
ورغم هذا كله، تشعر بأن صدرك أكثر رحابة ورئتك أكثر سعة، لكنني هذه المرة عدت منه وكأنني لم أصعده. وأعلم أن المشكلة ليست فيه، بل فيَّ أنا. أنا الذي لم أعد كما يرام.
يبدو أن التعاسة بلغت فيَّ حدًّا لم يَعُدْ في مقدور أي شيء أن يحرّك فيَّ مثقال ذرة من سعادة، على الرغم من أنني أجزم بأنني لستُ متذمِّرًا ولا حتى يائسًا قط. لكن ماذا يعني أن يبلغ المرء أقصى نقاط اللاشعور، حيث لم يعد هناك ما يثير مشاعره وأحاسيسه!
يبدو أنني ميت، جثة متحركة ليس إلا. لكن ما الذي يوقظني في وحدتي؟ عندما أكون وحيدًا، ما الذي يدفعني للتساؤل؟ من الذي يصرخ فوق رأسي ويُصِرُّ على تأنيبي على كل جرائمي اليومية التي اقترفتها بحق نفسي؟
يسألني مساء كل يوم: ماذا جنيت؟ وكم من الوقت أضعت؟ وفيما أضعت كل هذا؟ وأيهما كان يستحق: الذي ضاع منك، أو الذي ضعت فيه؟
ولا أكاد أفقه ما يقصد بـ«منك» أو «فيه». كل ما أعرفه أن الأيام تضيع مني، وأنا الآخر تائه فيها. ورغمَ كلِّ هذا التيهِ والضياعِ، فإني على ثقة بأنني قد أجدني ذات يوم.
ربما يكون لهذه التأنيبات سببٌ في إصلاحي، ترتيبي على رفوف الوقت، وتنظيم شتات أفكاري المبعثرة. يكفي أنها توقظني من سباتي لتبث فيَّ الحياة، وتشعرني بأني ما زلتُ حيًّا، وأن هناك حياة يتوجب أن أعيشها بعين العقل وأذن الحذر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.