تُعدُّ رحلة البحث عن الذات من أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وعمقًا، إذ يجد الإنسان نفسه أحيانًا غارقًا بين خيبات العمر، وضياع الأحلام، وثقل الذكريات التي تترك أثرها في الروح.
وفي لحظات التأمل الطويلة، يبدأ الحنين إلى الذات القديمة بالظهور، فتعود الأسئلة الكبرى عن الهوية، والوطن الداخلي، ومعنى النجاة وسط ازدحام الحياة.
هذا النص الأدبي يلامس مشاعر الاغتراب الداخلي، ويغوص في أعماق النفس البشرية التي تحاول باستمرار استعادة نورها رغم الألم والانكسارات.
معرفة النفس.. أن أكونَ أنا
راق لي أن أكونَ أنا، أن أفتِّش في دهاليز روحي عن ذلك الوجه الذي أضاعته السنون، وأن أمدَّ يدي إلى طفلةٍ قديمة كانت تسكنني، تضحك بعفوية، وتحلم بلا خوف، وتؤمن أنَّ العالم أكثر رحمةً مما يبدو.
بحثتُ عنِّي طويلًا بين ازدحام الأيام، بين الوجوه التي مرَّت في حياتي ثم غابت، وبين الكلمات التي قلتُها حينًا صادقة، وحينًا هاربة من ضعفي.
راسلتُ أحلامًا غابرةً نسيتُها في زحمة الواقع، وناجيتُ أنفاسًا سكبتُها من عمري دون أن أشعر، وناشدتُ أخيلةً كانت تمرُّ بخاطري كالحلم، ثم تتلاشى قبل أن ألمس ملامحها.
وحين ضمَّتني نفسي إلى حضنها أخيرًا، أدركتُ أنَّني ما عدتُ أنا.
لقد غيَّرتني الخيبات، وأرهقتني الطرق الطويلة، وأحرقني الانتظار حتى صرتُ أشبه برمادِ حلمٍ قديم.
أنا شعاعُ شعرٍ في ديوان المنفى، أحمل في داخلي وطنًا من الحنين، لكنني كلَّما اقتربتُ منه ابتعد أكثر.
أثقلتني تفاصيل الأيام التافهة، وتعبتُ من محاولات النجاة الصغيرة التي لا تنتهي. أكتوي بلهيب كوني، ولا أجد سوى الضباب يملأ الجهات.
يا عتمة المنافي، أين وطني؟ أفي قلبٍ أنهكه الغياب؟ أم في ذاكرةٍ لم تعد قادرةً على التمييز بين الحقيقة والحلم؟
أمِن شمعةٍ تحترق كي أرى؟ وما ذنب الشمعة في متاهاتي أنا؟
ألوذ بصمت الغياب، وأعود تكبِّلني وجوهٌ كنتُها يومًا: هناك طفلةٌ تحمل جناح فراشة، حاولت أن تحتفظ بجمالها فأهلكتها ببراءتها.
وهناك شابَّةٌ هائمةٌ في القصائد، كانت تظنُّ أنَّ الكلمات قادرة على إعادة الغائبين، لكنَّها اكتشفت متأخرةً أنَّ بعض الغياب أبديٌّ.
وهنا أشلاءُ ذاتٍ خجولة، تبحث عن الكمال في عالمٍ ناقص، فتتعب أكثر كلَّما اقتربت من ذاتها.
ومع ذلك، ما زلتُ أحاول أن أكون أنا، لا تلك النسخة التي صنعها الخوف، ولا تلك التي فرضتها خيبات العمر، بل أنا التي لا تزال تؤمن أنَّ في الروح نورًا لا ينطفئ مهما اشتدَّ الظلام.
ألا أيُّها العمر التائه، أما اكتفيتَ منِّي؟
في نهاية المطاف، تبقى رحلة البحث عن الذات محاولة إنسانية لا تنتهي، مهما أثقلت الروح الخيبات أو أرهقتها طرق الحياة الطويلة.
فالإنسان قد يتغيَّر، وقد يفقد أجزاءً كثيرة من نفسه في زحام الأيام، لكنه يظل يحمل داخله شعلة خفية من الأمل والحنين والقدرة على النهوض.
وربما تكمن النجاة الحقيقية في ألا نتوقف عن العودة إلى ذواتنا، وفي أن نؤمن دائمًا بأن نور الروح قادر على مقاومة أكثر العتمات قسوة.
ماشاء الله تبارك الله. موفق
موفق يارب
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.