أبو عبادة البحتري: عبقرية الوصف الحسي وأسرار السينية في الشعر العباسي

يُعدّ البحتري (أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي، المتوفى عام 284 هـ) أحد أعظم شعراء الوصف الحسي والغزل في العصر العباسي، فقد خلّد ديوانه روائع أدبية كـ «السينية» و«البركة الحسناء» التي مازجت بين عمق التجربة الوجدانية وهندسة المعالم التاريخية.

نشأة البحتري: حياته وشعره

في شمالي الشام، في موضع بين الفرات وحلب، تقع «منبج» التي ينحدر منها الوليد بن عبيد الله؛ الملقب بالبحتري الشاعر الفحل الذي كان لهذه الأرض الأثر الأول في طبع شخصيته وتكوين شاعريته. وإذا صحَّ ما قال الهمداني فهي مسمَّاة باسم «نبجة»، وهي كلّ عين تنبع في موضع، وليس هذا هو التحليل الوحيد لاسم هذه البلدة.

وتأثُّر البحتري بأرض منبته، له تأييد في مذهب أصحاب «البيئة» الذين لا يقصرون الوراثة على الناحية العضوية وحسب، بل يتوسعون في تصوّرها لتشمل الأجناس والأعراق والأرض وطبيعة المناخ والإقليم. ونحن نرى في أدب البحتري غير قليل من معطيات موطنه الأول؛ فصفاء شاعريته وعذوبة ديباجته ولطيف خياله نتيجة لسعة فضاء منبج وكثرة خيراتها، وطيب هوائها.

روي أن الرشيد لما دخل إلى منبج سأل عبد الملك بن صالح الهاشمي عنها، وكان من أجلاء قريش ولسان بني العباس ومن ذوي البلاغة، فقال: «إنها بلدة طيبة الهواء، قليلة الأدواء، ليلها سحر كلّه، وهي برَّة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء في فيافٍ فيح بين قيصوم وشيح». ومن الذين تغنوا بأرض منبج وشدَّهم الحسن إليها إبراهيم بن المدبر وهو يسترجع ذكرياته فيها بعد أن فارقها وله بها جارية يغراها فقال:

وليلة عيس المرج زار خياله ... فهيج لي شوقًا وجدد أحزاني

فأشرفت أعلى الدير أنظر طامحًا ... بألمح آماقي وأنظر إنساني

لعلي أرى أبيات منبج رؤية ... تسكن من وجدي وتكشف أشجاني

من هو البحتري ولماذا سمي بهذا الاسم؟

البحتري هو أبو عبادة الوليد بن عبيد التنوخي الطائي، وهو أحد أعظم شعراء العصر العباسي البارزين. اشتُهر بوصفه البارع وقصائده التي كأنها سلاسل الذهب. 

وتتعدد الروايات التاريخية حول سبب تلقيبه بهذا اللقب؛ الرأي الأول والأرجح: هو انتسابه إلى أحد أجداده أو عشيرته المعروفين باسم بني بُحتر، وهم فرع من قبيلة طيء. الرأي الثاني: يرى أن اللقب أُطلق عليه نظرًا لقصر قامته، حيث يشير مصطلح «البُحتر» في اللغة العربية إلى قصر القامة.

حياة البحتري

وُلد البحتري في مدينة منبج القريبة من حلب عام (204 هـ/ 821 م)، ونشأ بين قومه الطائيين، وكان بارعًا في وصف طيف المحبوب.

وقد وصف الأصفهاني البحتري فقال: «هو شاعر فاضل فصيح حسن المذهب، نقي الكلام، مطبوع، كان مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرف حسن فاضل نقي في ضروب الشعر».

مكانة البحتري الشعرية والموازنة بين الطائيين

تتجلى مكانة البحتري الشعرية في كونه يُعد من أبرز شعراء عصره إلى جانب المتنبي وأبي تمام. قال عنه أبو العلاء المعري: «أبو تمام والبحتري حكيمان، وإنما الشاعر البحتري». وقد أضاف البحتري إلى عوامل النشأة في بادية منبج التي نفحته برهافة الحس ورقة الشعور وسمو الخيال - عاملًا مكتسبًا أخذ بيده في فنون النظم، ألا وهو الإفادة من صحبة أبي تمام ومحاولة التشبه به في شعره واحتذاء مذهبه.

وقد ظل البحتري وفيًا لأبي تمام الذي جمعته به مجالس الممدوحين ومجد الانتساب إلى طيء. وقد اختلف الدارسون أيهما أحسن شاعرية من الآخر وانقسم النقاد بسبب ذلك، فبعضهم ينتصر لأبي تمام والبعض الآخر للبحتري، وكان الآمدي عندما عقد المقارنة بينهما في كتابه «الموازنة بين الطائيين»، أكثر ميلًا إلى طبيعة أبي عبادة، منه إلى صنعة أبي تمام. لكن هذا لم يمنع البحتري أن يقول وقد زعم الناس أنه أشعر من صاحبه: «والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به، ولوددت أن الأمر كان كما قالوا، ولكني والله تابع له آخذ منه لائذ به، نسيمي يركد عند هوائه وأرضي تنخفض عند سمائه».

البحتري في بلاط الخلفاء

غزل البحتري بين أصالة المطلع وحرارة الشوق

أما غزل البحتري فأكثره في مطالع قصائده، يجعله مدخلًا إلى مدائحه، وكان بارعًا في مثل هذه الاستهلالات. وهو لذلك غزل يحتذي فيه حذو الغابرين من الشعراء، فيحلو له الوقوف على الأطلال الدارسة والبكاء أمام الربع الخالي الذي رحل عنه الأحبة.

فإذا وجدت في مقطوعاته الغزلية أسماء مواضع من مثل: نجد، وخبت، والأجرع، وإضمْ، والرامتين، وسقط اللوى أو منعرجه، وإذا طالعتك في نسيبه أسماء معهودة في شعر أهل البادية من قبيل ليلى وسعاد أو سعدى - فلا تفسير لذلك إلا اجتماع فعل النشأة بدور الثقافة الأولى في منبج وديار الشام.

هذه المطالع الغزلية نمط من أنماط المدرسة الغزلية المحافظة نلمس فيه الجزالة والمتانة ومجاراة أساليب الطبع والأصالة. لكن عاطفة البحتري، وهواجسه في الحب وإيقاعات هواه الصادقة لا تبتدئ إلا في الجديد من غزله الذي هو مشبوب بنار الشوق إلى حبيبته الأثيرة «علوة الحلبية» التي خلفها في ديار الشام، وهو يولي وجهه ناحية بغداد عروس الحواضر آنذاك، باحثًا عن المجد والشهرة.

ويبدو أن شاعرنا لم يجد شفاء قلبه من هذا الحب القديم، حب الشباب والفتوة، وهو ينغمس في أجواء بغداد ومجالسها اللاهية. فأين مذاق الحب الدفين من مذاق الهوى العابر، وأين دمع العين الهتون المنسكب صادقًا من جراح الوله والهيام من دموع يفتعلها التباكي لا البكاء. هكذا كان أجمل غزل البحتري إنما يتفجر من نوافذ الحنين، ويشرق ذوبًا من وجدان شجي، حنينًا إلى الماضي، حين كان يرتع في تخوم منبج وأرجاء مدن الشام وفي حلب على وجه الخصوص.

وهذا لا يعني أن البحتري أحب «علوة» حبًا عذريًا، وظل مفتون القلب بها دون سواها. فمن شأن الحب الأول والمحبوبة الأولى أو الأسمى؛ أن يذوبا في حب وعشق جديدين، فللبحتري أكثر من عروس واحدة. وما دام الأمر كذلك وما دام لم يحظَ في دنيا القلب بمحبوبة مثيلة لليلى وبثينة وعزة -معشوقات العذريين- فمن الطبيعي أن تحتدم في ذات الشاعر عواطف مشبوبة، كثيرة ومتداخلة، ترمض أحشاءه بلوعة الفراق حينًا، ومرارة الغدر أحيانًا، حتى غدا ليل أبي عبادة حين يأخذه الكرى بعيدًا عن عالم الحقيقة مسرحًا خصبًا لأخيلة الماضي في الحاضر، يتراءى له وهو في رقاده الحالم طيف الحبيب يلح عليه ويحرك مكامن وجدانه، ويبعث الذكرى من ثنايا «اللاشعور» عنده حيَّة، وحين يؤوب إلى يقظته ينفث في شعره ما حفظه الخيال من لحظات الوصال في المنام، كمثل قوله:

طيفٌ تأوب من سعدى فحياني ... أهواه وهو بعيد النوم يهواني

فيا لها زورةٌ يشفى الغليلُ بها ... لو أنها جلبت يقظى ليقظانِ

يدني الكرى شخصها مني ويبعدني ... وجد فيبعد منها شخصها الداني

أرأيت ما في هذا المناخ بين اليقظة والحلم، وبين حقيقة الوعي وخيال اللاوعي من حسن رائق يزيد في روعة هذا الوصف ويؤكد ما في غزل البحتري من لطيف الصور ونعومة اللفظ، والقدرة على المطابقة بين حالتي اليقظة والكرى، وبين الدنو والأبعاد.

مجاراة البحتري للمعاصرين ورقة النسيب

ويتأثر البحتري بمعانٍ لأبي نواس أو مسلم بن الوليد، فيجاري الأول حين ينهل الخمر من خدّ المحبوب ومن ثغره فيقول:

عاطيتها غضة الأطراف مرهفةً ... شَرِبَت مِن خَدِّها خَمرًا، وَمِن فيها

ويجاري الآخر في اعتبار الحب بهجة الدنيا إذا حظي الإنسان بوصال الحبيب، أو كما قال:

هل العيش إلَّا أنْ تُسَاعِفَنَا النَّوَى ... بِوَصْلِ سُعَادٍ أو يُسَاعِدَنَا الدَّهْرُ

ومن أبياته خفيفة الوزن، ناعمة الإيقاع والجرس التي يشكو فيها الشاعر من العاذلين وظلمهم، ويبدو راضيًا مع ذلك من ظلم المحبوب دونما تظلم أو شكوى قوله:

حسنٌ يَضن بِوَصْلِهِ ... والحُسْنُ أشبهُ بالكَرم

أفديهِ مِن ظَلِمِ الوشا ... ة، وإِنْ أسَاءَ وإنْ ظَلَمْ

بِهَنيكَ أنَّكَ لَمْ تَذُقْ ... سُهْدًا وإنّي لمْ أنَمْ

وَكَانَ فِي جِسْدِي الَّذِي ... فِي نَاظِرَيْكَ مِنَ السَّقَمِ

وقبل أن نخلص إلى مأثور غزل أبي عبادة، نعرض لبعض من رقيق نسيبه الذي يؤكد سمات القديم في شعره وهو يتغنى بـ «علوة»، فيقول:

بيضاء يعطيك القضيب قوامها ... ويريك عينيها الغزال الأحورُ

تمشي فتحكم في القلوب بدلها ... وتميس في ظل الشباب وتخطرُ

وتميل من لين الصبا فيقيمها ... قد يؤنث تارة ويذكر

إني وإن جانبتُ بعض بطالتي ... وتوهم الواشون أني مقصرُ

ليشوقني سحر العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمرُ

اقتباسات من شعر البحتري ومأثور شاعريته

تفيض صفحات ديوان البحتري بروائع الشعر وجزالة الألفاظ وعذوبة الوصف وبراعة التشبيه. ومن أشهر أقوال البحتري وقصائده التي خلدها التاريخ نورد هذه النماذج:

(1) سَلامٌ عليها

تصدت لنا «دعد» وصدت على عمد    وأقبل بها عند التصدي وفي الصد!

شكوت إليها الوجد يوم تعرضت          فأبت وقد حملت وجدًا على وجد

سلاها: بم استحللت قتل أخي هوى       صفا لك منه ما يجن وما يبدي؟

ألا إنما «دعد» لقلبك فتنة             فإلا تدعها تلق حتفك في «دعد»

وقدمًا زجرت النفس عنها فحالفت      إليها على قرب من الدار أو بعد

وما زادني إلا اشتياقًا صدودها          وإلا وفاءً واصطبارًا على العهد

يذكرنيها الرئم والغصن والمها          ويذكرنيها البدر في المطلع السعد

فللرئم عيناها، وللبدر وجهها            وللغصن منها ما حكاه من القد

وما ابتسمت إلا خفا البرق لامعًا        خطوفًا لأبصار الزناة على قصد

(2) لا تَـكثري الـلَّـوْمَ

يقول في الغزل:

أَطْنَبْتِ فِي الـلَّـوْمِ فَـلَا تَـكثري!     مَـنْ مُـنْـصِـفِي مِنْـكُـمْ وَمَـنْ مَـعْـذِرِي؟

يَا أَيُّـهَا الْـعُـذَّالُ مَا حـلَّ بِي          مِـنْ نُـصْـحِـكُـمْ يَا رَبِّ لِي فانصرا!

أكثرت لومي وتناولتني                تَـبْـغِـينَ أَنْ أَتْـلَـفَ، فاسْـتَـغْـفِـرِي!

مَا جُـرْمُ مَنْ هَـامَ بِـذِي لَوْعَـةٍ     شَـبِـيـهَـةٍ شَـمْـسِ الـضُّـحَى الْأَكْـبَـرِ

كَـأَنَّـمَا صورتها فِي الـدُّجَى          قنديل قسيس عَلَى مِـنْـبَـرِ

وَالـرِّيقُ مِـنْـهَا إن تجرعته           خلت نسيم المسكة الأزفر

وَالـوَجْـهُ مِـنْـهَا حِـيـنَ أَبْـصَـرْتُهُ       بِـكُـلِّ عَـنْـهُ الـرَّصْـفِ، فاسْـتَـبْـصِـرِ!

وَلَا تَـعِـيدي أَبَـدًا لَـوْمَ مَـنْ          فِي قَـلْـبِـهِ كَـالْـحَظْرِ الْأَخْـضَـرِ! 

وفي الغزل العذري والشوق يقول أيضًا:

شَوْقٌ إليك تَفيضُ منه الأدمُعُ      وَجَوًى عليك تَضيقُ منه الأضلُعُ

أُصْفيك أقصى الوُدّ غَيرَ مُقلِّلٍ       إنْ كان أقصَى الوُدّ عندك يَنفعُ

ويزخر شعر البحتري في الحكمة وفي العزة والنفس بأبيات تدل على الترفع، حيث افتتح لاميته الشهيرة بقوله:

صُنتُ نَفْسي عَمّا يُدَنِّسُ نَفْسي    وَتَرَفَّعْتُ عَنْ جَدا كُلِّ جِبْسِ

وفي وصف الطبيعة، تميز بقدرته الفائقة على رسم الصور المتحركة، مثل وصفه للغيم في الشتاء:

يا دِمنَةً جاذَبَتها الريحُ بَهجَتَها     تَبيتُ تَنشُرُها طَورًا وَتَطويهها

لا زِلتِ في حُلَلٍ لِلغَيثِ ضافِيَةٍ     يُنيرُها البَرقُ أَحيانًا وَيُسديها

البحتري يصف بركة المتوكل: لوحة فنية نابضة

تُغذي عاطفة الشاعر مشاهد الحضارة العباسية؛ وتُعد قصيدة «البركة الحسناء» للشاعر البحتري من أروع قصائد الوصف في الشعر العربي، نظمها في وصف بركة قصر الخليفة العباسي المتوكل على الله في «سامراء». أبدع فيها الشاعر في رسم لوحة فنية نابضة بالحياة تبرز جمال الماء وصفاءه وحركة الأسماك والتماثيل المحيطة، ونذكر منها:

يَا مَنْ رَأَى البِرْكَةَ الحَسْنَاءَ رُؤْيَتَهَا  وَالآنِسَاتِ إِذَا لَاحَتْ مَغَانِيهَا

تَخَالُهَا، وَهْيَ فِي أَقْطَارِ سَاحَتِهَا  وَقَدْ تَنَسَّمَ فِيهَا النَّوْمُ تَشْبِيهَا

سَجَاسَجًا مِنْ قَرَارٍ فِي أَسِفَلِهَا  تَهْوِي إِلَيْهِ، وَأُخْرَى مِنْ أَعَالِيهَا

كَأَنَّمَا الفِضَّةُ البَيْضَاءُ سَائِلَةً  مِنْ سَبْكِ أَبْرِيزَ فِي أَطْرَافِ وَاجِيهَا

إِذَا انْتَحَى بِهَا صَوْبُ الغَمَامِ لَهَا  يَوْمًا، وَأَسْبَلَ فِيهَا مِنْ عَزَالِيهَا

غَدَا لَهَا كُلُّ وَجْهٍ فِي مُخَيَّلَةٍ  وَقَدْ بَدَا لِلنَّظَرِ الحُسْنُ تَمْوِيهَا

فَضْلٌ تَوَالَى لِأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلَى  تِلْكَ المَصَانِعِ لَا يُحْصَى وَلَا يُلِيْهَا

وعُرف البحتري بصدق العاطفة وبلاغته في الرثاء أيضًا، ومن ذلك رثاؤه للخليفة المتوكل على الله بعد فاجعة مقتله مجهشًا بالبكاء:

أَيْنَ المَحالُ الَّتي كانَتْ مُحَجَّبَةً     في القَصْرِ، تَعْلُو على الأَسْتاكِ وَالعَلَمِ؟

البحتري في وصف إيوان كسرى: عبقرية السينية

تقع سينية البحتري في وصف إيوان كسرى، وهو الذي ذاع صيته في هذا العصر كثيرًا، وصارت الشعراء تتغنّى في الوصف عند البحتري وما عليه من صفات الجلال والجمال. لم تأتِ الكتب بشكل واضح على ذكر سبب كتابة البحتري لتلك القصيدة، وتنضوي القصيدة تحت الشعر الغنائي أي الشعر الوجداني الذي يُعبر عن عاطفة الكاتب، فقد عانى البحتري من ظلم أقاربه معاناة شديدة وذلك ما دعاه إلى الارتحال إلى إيوان كسرى والجلوس عنده وتأمله، بدأت عبارات الشاعر تتدفق لمّا رأى الإيوان بأبهته وجماله وهو الذي تناوب الملوك على بنائه.

تُعدّ هذه السينية إحدى أعظم روائع الشعر العربي في العصر العباسي، وسُميت بالسينية لأنها تنتهي بحرف السين، وتجمع بين وصف الآثار، والتأمل الفلسفي، والتعبير عن أوجاع الشاعر ومعاناته.

مناسبة القصيدة السينية وأبعادها السياسية

قيل إن البحتري نظمها بعد مقتل الخليفة العباسي المتوكل على الله الذي كان مقربًا إليه، حيث ملأ الحزن قلبه فخرج هائمًا على وجهه حتى وصل إلى «إيوان كسرى» (طاق كسرى) في المدائن بالعراق، فوقف يتأمل أطلاله وتاريخه.

وفي قول آخر فهو أنّ المتوكل لما اغتيل حزن البحتري عليه حزنًا شديدًا، ومع أن المنتصر حاول أن يسترضي البحتري لكنّه لم يستطع. بقي كل منهما يُضمر حقدًا على الآخر، والعنصر الذي كان مسيطرًا على الدولة في ذلك الوقت هم الأتراك؛ فلم يجد طريقة ينتقم فيها من الأتراك سوى مدح الفرس وذكر أمجادهم وهم العنصر المُصارع على الحكم في تلك المدة.

يقول البحتري في مطلعها الشهير:

صُنْتُ نَفْسي عَمَّا يُدَنِّسُ نَفْسي  وَتَرَفَّعْتُ عَنْ جَدَا كُلِّ جِبْسِ

وَتَماسكْتُ حين زَعزَعني الدَّهْـ  ـرُ الْتِماسًا منه لِتَعْسِي وَنَكْسِي

مِن صُبابةِ العيشِ عندي  طفَّفَتْها الأيامُ تَطفيفَ بَخْسِ

وبعيدٌ ما بينَ واردِ رَفْهٍ  عَلَلٍ شُرْبُه ووَارِدِ خِمْسِ

وكأنَّ الزمانَ أصبحَ مَحْمو  لًا هواهُ مع الأخَسِّ الأخَسِّ

واشترائي العِرَاقَ خُطَّةُ غَبْنٍ  بعدَ بَيْعي الشآمَ بَيعةَ وَكْسِ

لا تَرُزْني مُحاولًا لاخْتِباري  عندَ هذي البَلوى فَتُنْكِرَ مَسِّي

وقديمًا عَهِدْتَني ذَا هَنَاتٍ  آبِياتٍ على الدَّنِيَّاتِ شُمْسِ

وفاة البحتري انطفاء سلاسل الذهب

بعد رحلة حافلة بالعطاء والشعر، والتردد بين ملوك العصر العباسي وخلفائه، غلبت الأيام هذا الصوت البدوي الأصيل الحامل لأمجاد الشام والعراق. فقد كانت وفاة البحتري وانطفاء أنفاسه عام (284 هـ)، ليفارق الدنيا تاركًا خلفه إرثًا شعريًا خالدًا لا تبلى ديباجته، وديوانًا يُعد مرجعًا لطلاب الفصاحة والبلاغة عبر العصور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة