البارودي ( 1838 – 1904 )
رائد الشعر في الأدب الحديث
ياسر دويدار
مولده وتربيته :
في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1255 المقابل للسابع عشر من شهر اكتوبر سنة 1839 ولد (محمود سامي)[1] بإيتاى البارود من أعمال مديرية البحيرة بشمال دلتا مصر، لأسرة مصرية ترجع جذورها الى حكام المماليك من الجراكسية، وهي أسرة ذات جاه ونسب عريق، فأبوه حسن حسني البارودي كان من أمراء المدفعية ثم صار مديراً لبربر ودنقلة في عهد محمد علي ، أما جده لأبيه فهو عبد الله الجركسي والبارودي نسبة الى محل ميلاده ( إيتاى البارود ) .
نشأ الطفل في كنف الأسرة الكريمة ، وفتح عينيه على " هدهدة ربة الشعر " وما تثيرة بجناحيها حول مهده من حركات تبعث منه الحيوية والنشاط ، كما فتحها على أسرته وما تستشعره من بأس واعتزاز بالنفس ، وكانما أرادت ربة الشعر للطفل ان لا يظل ناعماً بحنان أبيه .. فلم يكد يبلغ السنة السابعة من عمرة حتى سلبه الموت أباه ، مخلفاً له الحسرة واللوعة ومن قوله في رثائه حين ناهز العشرين من عمره :
مضى و خلفنى في سن سابعة لا يرهب الخصم ابراقي وارعادي
اذا تلفت لم ألمح اخــا ثقة يأوى الى و لا يسعـى لانجـادي
فالعين ليس لها من دمعها وزر و القلب ليس من حـزنه فـادي[2]
ثم كلفته امه ، وكانت جركسية كأبيه، وتغذى عن طريقها براوفد الثقافة العربية الاسلامية، ونهض نفر من المؤدبين بتعليمه مبادئ الفقه الاسلامي والحساب والتاريخ والشعر، وكان القرآن الكريم في الصدارة من مبادئ التربيية التي نهض بها المعلمون الذي كانوا ينتقلون اليه شأنه شأن أترابه من ذوي النعمة واليسار، وحظى (محمود سامي) بتربية تعويضية إبان يتمه طفلاًَ، فأسرته وعائلته لأمه وأخواله قاموا بدور ملحوظ في تنشئته المتوازنة، فورث عنهم جميعاً الايمان بالعروبة وبالاسلام وتذوق الأدب شعره ونثره، مما غذى في روحه وعقله حب الشعر وعادة القراءة .
وفي عهد عباس اول التحق البارودي بالمدرسة الحربية وتخرج في اوائل عهد سعيد عام 1854، وخمدت روح الحماسة في الجيش ، بل سرح معظمه وعاش رجال الجيش في العهدين أوقاتاً طويلة كلها دعة وملال، فانكب البارودى يقرأ كتب الأقدمين ، ينهل من التراث الأدبي لشعر الحماسة والفخر ووصف القتال واعمال الابطال، وبدأت ميول البارودي تتفتح الى قرض الشعر ومحاكاة النماذج الكبري في أدبنا العربي القديم .
" ولم يجد غضاضة وهو من الطبقة الحاكمة في ان يقول الشعر وقد سبقه الى قوله من هم اعرق منه نسباً، من أمثال امرؤ القيس وابن المعتز والشريف الرضى وابي فراس وأضرابهم، وفلم لا يكون مثل هؤلاء؟! ولم لا يرتفع بالشعر الى منزلتهم؟ إنه لن يكون مثل شعراء عصره مداحاً متملقاً، او نديماً منافقاً، ولكن سيقوله في اغراض شريفة تليق به وبمكانته :
الشعر زين المرء ما لم يكن وسيلة للمدح والذم
وما كان للبارودي ان يعرض عن قول الشعر ولو حاول ما استطاع ، وفيه طبع شاعر ، وقد ملك اداته اللغوية المعبرة :
تكلمت كالماضين قبلي بما جرت به عادة الانسان ان يتكلما
فلا يعمدنى بالاساءة غافــل فلابد لابن الأيك ان يترنما
وفي هذا رد على من كان يعيب عليه قول الشعر من ابناء طبقته، ولكن مصر ضاقت به، أو ضاق بها، حيث لم يكن غنية لدى الدولة تحقق آماله ، فسافر الى الآستانة مقر الخلافة، والتحق بوزارة الخارجية وهناك أتقن التركية، وتعلم الفارسية ، ودرس آدابهما، وحفظ الكثير من أشعارهما، ودعته سليقته الشاعرة فقال بالتركية بالفارسية كما قال بالعربية .
ولما سافر اسماعيل الى الاستانة بعد ان تولى اريكة مصر سنة 1863 ليقدم آي الشكر على توليته ألحق البارودي بحاشيته ، ورأى فيه ما لم يرى غيره ، فرجع به الى مصر [3]. وبذلك تنتهي المرحلة الاولى من حياته التي نمت خلالها موهبته الفذة ، ونضجت تجربته ، واستوى عوده الشعري ، واشتعل عقله بالمحصول القرآنى .
بين السيف والقلم :
مرحلة أخرى فارقة في حياة البارودي ، وهي مرحلة اشباع الفروسية المرتجاة فيرقي في سلاح الفرسان غير مرة من (المقدم) الى (عميد) في رئاسة الحرس الخاص، ويشاهد استعراضات الفروسية في فرنسا وانجلترا بالاضافة الى سلاح الفرسان الذي انخرط في قيادته . امسك البارودي بالقلم الموهوب المصور في قوة شاعرية أجداده، وخيال أخاذ غاب عن العربية قروناً، كما امسك ايضاً بمعاني الفروسية حقيقية واقعية ، في الجيش وفي سلاح الفرسان فيه وفي الاسفار، ومع الاشعار الحماسية التي هضمها وتمثلها، أيضاً تدفق بين جنبيه الاعتزاز بالجاه واسرته التى يحفها الفخر به، فروسيته في حياته وشعره، واليك نموذج من شعره في تلك الفترة والتي امتدت من سنة 1863 الى 1865 وهو يعكس حالته النفسية الممتازة، يقول الشاعر تحت عنوان (ظبية المقياس) يقصد قياس النيل عند جزيرة الروضة :
|
يا ظبية المقياس ! هذا مدمعـــى |
فردى ، وهذا روض قلبي فارتعى |
|
إن كان لا يرضيك إلا شقـــوتي |
فلـقد بلغت منـاك منها فاقنعى |
|
انا منك بين صبابة لا تنقضـــى |
أيامها و غــواية لم تقــلـع |
|
لا تحسبي قولي خديعة ماكــــر |
ان الوفي بعهـــده لم يخـدع |
|
انى لاقنع من هواك بنظـــــرة |
واعــــدها صلة اذا لم تمنعى |
|
هــذي منا وحبذا لو نلتهـــا |
عن طيـب نفس فهى اكبر مقنع[4] |
في عام 1865 م يوفد مع الجيش المصري ليخمد ثورة أهل جزيرة كريت أسهم بسيفه وقلمه في انجاز يعيش من اجله ، فروسية الشاعر وهو يصف ويغني ويفخر ، وفروسية المحارب الشجاع ، وأثمر اسهامه المميز من بين القادة الشجعان ان يكرم من الدولة العثمانية " وسام اعترافاً بحسن بلائه في قمع ثورة كريت ويعود لمصر ليعمل " ياوراً " بمعية الخديوي اسماعيل ، وكبيراً " لياوران " ابنه توفيق قرابة عشرة أعوام ، وكلن عدسة الشاعر في آتون الحرب في كريت، او المناظر الطبيعة التي شاهدها قبل اخماد الثورة لم تمنع البارودي من التسجيل المستجاد بوصف الطبيعة وميدان القتال يقول البارودي في أبيات من قصيدة رائعة لم يوصف بها اخماد معركة كريت لصالح مصر والدولة العثمانية كأنما صوره البيانية عدسة حية لاقطة تقول :
|
لا تستبين العين في ظلمائـــه |
الا اشتعال أسنة المـــــران |
|
تسري به ما بين لجة فتنـــة |
تسمو غواربها على الطوفـــان |
|
ملئوا الفضاء فيما يبين الناظـر |
غير المتماع البيض والخرصــان |
|
فالبر اكدر والسماء مريضــة |
والبحر شكل والرماح دوانــى |
|
والخيـل واقفة على ارسائهــا |
لطراد يوم كريهة ورهــــان |
|
وضعوا السـلاح الى الصبـاح |
واقبلوا يتكلمون بالسن النيـران |
|
حتى اذا ما الصبح اسفر وارتمت |
عيناي بين ربي وبين مجــــان |
|
فـــاذا الجبـال أســـنة |
واذا والهاد اعنة والماء احمر قـانى |
|
وتوجست فرط الركـاب ولـم |
تكن لتهاب فامتنعت على الارسان |
|
فزعت فرجعت الحنين وانــما |
تحنانها شجن من الاشجــــان |
|
ذكرت موارد بمصـر او أين من |
ماء بمصر منازل الرومــــان [5] |
وعندما قامت الثورة العرابية سنة 1881 م اشترك فيها، وفي سنة 1882 اسندت اليه رئاسة الوزراء، فأظهر وطنية صادقة بالوقوف ضد الاحتلال الانجليزي ومؤيديه، فنفي مع زعماء الثورة العرابيية الى جزيرة (سرنديب) فقضى فيها سبعة عشر عاماً يعاني من الوحدة والمرض والحنين الى الوطن وقد سجل ذلك في أشعاره وفي سنة 1898 أعيد الى مصر ففرح بعودة الظائر الى عشه وأنشد ، بل ظل يصرح بالوطنية :
أبابل رأي العين ام هذه مصر فإنى أري فيها عيوناً من السحر
وبعد سنوات من الكفاح بالكلمة والرأي من أجل حرية مصر واستقلالها مات عام 1904 بعد حياة حافلة بالجهاد بالسيف والرأي والكلمة الشاعرة، ويعتبر البارودي رائداً للشعر العربي الحديث، اذا جدد في القصيدة العربية شكلاً ومضموناً .
البارودي المأزوم :
قبل نفي البارودي الى ( سرنديب ) كان قد سجن وحوكم من خصومه محاكمة غير عادلة ، ولقي في سجنه، قبل النفي أشد أنواع العذاب ، كان نهاره مجلل في سجنه كالليل البهيم ، ولم ينس البارودي تلك الايام السوداء كنظائرها لحظة فراق الاهل والوطن الى المنفى المؤبد في ( سرنديب ) التي قضى فيها نيفاً وسبعة عشر عاماً كانت فيها رب الشعر محزونة حزناً عميقاً على، محزونة على آمال مصر التي تحطمت معها آمال شاعرها، ومحزونة على ملاعب الصبا والشباب التي طالما غردت فيها بصوتها العذب فرحة مبتهجة، وقد أخذت تشدو شدوها الحزين منذ حاق بالجيش كارثة الهزيمة، واخذت الهموم تصهرها فمن سجن الى حكم بالنفي المؤبد الى مصادرة للاملاك، ويبلغ اليأس من نفس البارودى ويصيح بتوفيق :
يا أيها الظالم في ملكــه أغرك الملك الذي ينفد
اصنع ما شئت من قسوة فالله عدل والتلاقي غد[6]
ومما وصف به البارودى حالته الشعورية في سجنه قبل المحاكمة قوله :
|
شفنى وجدى وابلانى السهر |
وتغشتنى سمادير الكــدر |
|
فسواد الليل ما ان ينقضـى |
وبياض الصبح ما ان ينتظر |
|
لا انيس يسمع الشكوى ولا |
خبر ياتى ولا طيف يمــر |
|
بين حيطان وباب موصــد |
كلما حركه السجان صـر |
|
يتمــشى دونه حتـى اذا |
لحقته نبأة منى استقـــر |
|
كلما درت لاقضـى حاجة |
قالت الظلمة مهلا لا تـدر |
|
اتقرئ الشي ابغيــه ، فلا |
اجد الشيء ولا نفسـي تقر |
|
ظلمة ما ان بها من كـوكب |
غير انفاس ترامى بالشــرر[7] |
ولعل عمق تأثير تلك الفكرة، على حياة الشاعر وأدبه، جعلته يعكس مراراته نثراً وشعراً، يقول البارودي في حرقة وحزن بالغين يصف طريقه الى منفاه وآلام الفراق ولوعة الغربة ومعاناة الرحلة ، يقول نثراً من فوق سفينة الاحزان .
" ...... والفلك بين صعود وهبوط ، والناس بين رجاء وقنوط ، فشخصت الابصار وغابت الابصار ، واقبل الفزع ، واستولى الجزع ، وشغلت الدموع المحاجر، وبلغت القلوب الحناجر ، هناك دعا ربهم الغافلون ، وكفت أذيالهم الرافلون ، فلا تري الا ناكسي الطرف لا ينبس بحرف ، كأنما أظلمتهم الرجفة ، او غشيتهم الوجفة ، فهم لفرط الحيرة خمود ، تحسبهم ايقاظاً وهم رقود ، فلم يزل يتخبطنا اليم ، ويأخذ بأكظامنا الغم ، حتى كادت الانفاس تزهق ، واظفار المنية ترهق ، ونحن في وعاء لا نملك غير الدعاء ، وكيف لنا بالخلاص ، ولات حين مناص ، فبعد لاي ما سكنت فورة الريح ، وهدأت ثورة ابن بريح ، وتجلت بنورها السماء ، واصطلح الماء والهواء ، فقرت الانفس في الصدور ، وتنفس كل مصدور ، ولم يبق الا سوق الحديث ، من قديم وحديث ، والفلك يمخر البحر بجؤجئه ، ونحن من الشهر في دؤدئه حتى انتهى بنا الدبيب ، ولاحت عين سرنديب[8] ... " .
لم يكتف هنا بالتعبير النثري ، وهو الشاعر الفذ فيسجل معاناته منذ أزف الفراق فيصور تلك المعاناة شعراً فيذكر :
ويلتاع قلب البارودي لفراق الوطن ، وتظل ساعات ودعاه ماثلة في خياله ، والدموع تنهمر من يعينيه ، فيتناول قيثارته ، ويتغنى بصوت شجي إحدى فرائده ، وفيها يقول مصوراُ لوعته في أثناء الرحيل :
ولما وقفنا للــــوداع واسبلت مـدامـعنا فــوق الترائب كالمزن
أهبت بصبري ان يعـــود فعزني ونـاديت حلمى أن يثوب فلم يغـن
ومـا هى الى خطوة ثم اقلعـــت بنا عن شطوط الحى اجنحة السفـن
فكم مهجة من زفرة الوجد في لظى وكـم مقلة من غزرة الدمع في دجن
وما كنت جبت النوى قبل هــذه فلما دهتنى كـدت أقضى من الحزن
ولكننى راجعت حلــمـى وردنى الى الحزم رأي لايحـــوم على أفن
ولولا بـنـيـات وشيب عـواطل لما قرعت نفسي على فائــت سنى[9]
وقد ظل البارودى يعلن دائماً احتماله سنوات المنفى بكل الإباء والشمم والروح القوية ، وظل يقاوم صامداً معتمداً على ايمانه بربه ووطنه ، والحكم الجائر عليه وعلى رجال الثورة العرابية ، وفي المنفي قال شعراً صادقاً ومعبراً عن نفسيته فيذكر اذ يتساءل :
|
فهل دفاعى عن ديني وعن وطني |
ذنب ادان به ظلما واغتـــرب |
|
فلا يظـــن بي الحساد مندمة |
فانى صابر في الله محتســــب |
|
أثريت مجداً فـلم أعبأ بما سلبت |
أيدى الحوادث منى فهو مكتسب |
وقوله ايضاً ملوحاً بالطغاة الذين ألقوه في غياهب السجن والمنفي :
لأى الدهر الأن يسود وضيعه ويملك أعناق المطالب وغـــده
ختام نسري في دياجير محنـة يضيق بها عن صحبة السيف غمده
ومنه ايضاً - هنا - ما يعلل به حالة الشاعر والابداع الشعري الصادق في المنفي تأمل د . شوقي ضيف لاواخر ايام البارودي في المنفى فيذكر عن بصيص من أمل ينتظر شاعر السيف والقلم :
" ويسترسل البارودي شاكياً من الدنيا وخداعها ودواهيها مصوراًَ خياله احتماله للنفي وخطوبه وكيف يلقاه بالصبر الجميل ويأمل في الله ، وانه لا بد كاشف عنه تلك الغمة ، يقول :
وقد يستقيم الامر بعد اعوجاجه وتنهض بالمرء الجدود العواثـــر
ولى امل في الله تحيا به المنـــى ويشرق وجه الظن و الخطب كالشر
وطيد يزل الكيد عنــــــه وتنقضى مجاهدة الايام وهو مثابــر
وينبري للدافع عن مواقفه التي ادت به الى كارثة النفي ، ويقول ان القدر هو الذي اعترض شجاعته وانه نهض بامور الوطن خير نهوض حين كان بيده صولجان الحكم ، اذا أصلح الفاسد وزاد الصالح صلاحاً، ويقول ايضاً انه وقف مع امته في محنتها ، فلم يغدر ولم يخن ابتغاء متاع زائل[10] .
اهتم البارودي في منفاه بأخبار وطنه واحداثه ، وكان اهتمامه بتتبع تلك الانباء كبيراً ولقى الاصداء الواسعة في شعره ، فعندما تلقي نبأ موت الشيخ حسن المرصفي صاحب كتاب الوسيلة الادبية ، وعبد الله باشا فكري أمين دار الكتب المصرية ، كتب من شهر الرثاء الممزوج بالحنين والوطنيه ومنه تحسن ذلك الصادق او الانساني الرائع في قوله :
اين أيام لذتى وشبابــــــي اتراها تعود بعد الذهــاب
ذلك عهد مضى وابعد شـــيء ان يرد الزمان عهد التصـابي
فاديرا على ذكراه انـــــى منذ فارقته شديد المصــاب
كل شيء يسلوه ذو اللــب الا ماضي اللهو في زمان الشباب
ليت شعري متى أري روض النيل ذات النــخيل والأعنـاب[11]
ويثنى بالرثاء في ذات القصيدة والآنفة رثاء المرصفي وعبد الله فكري فيقول :
لم تدع صولة الحوادث منــى غير اشلاء همة في ثيــاب
فجعتنى بوالدى واهلــــى ثم أنحت تكر في اترابــي
كل يوم يزول عنى حبيـــب يا لقلبي من فرقة الاحباب
أين منى (حسين بل أين عبد الله) رب الكمــال والآداب؟
مضيا غير ذكرة وبقــاء الذكر فخر يدوم للاعقـــاب
لم اجد منهما بديلاً لنفـــسي غير حزنى عليهما واكتئابي
والنص الشعري السابق يفصح للقارئ العادي عن خصائص شعر البارودي العامة، او نهجه الفني في نسج القصيدة الشعرية ، والبارودي يقلد العرب الأقدمين في ذكر مجموعة من الاغراض في قصيدة واحدة كما نرى في هذه القصيدة فيها كمناجاة لايام الشباب ، ووصف لملاعب الصبا والتأسى على ما فاته من افراح ثم الرثاء ونحس صدقاً فيضفى على القصيدة كثيراً من الروعة ويجعلنا نشارك وجدانياً الشاعر .
وفي عام 1900م اصدر الخديوي عباس حلمى امراً بالعفو عن البارودي ، فعاد الى مصر برفقه أشعاره التيى ظل ينسقها وينقحها تمهيداً لاخراجها الى النور ، ولم يحظ البارودي بشرف رؤية دواوينه او مختارته الشعرية في حياته اي طبعة على الملأ ، ذلك ان المنية وافته في ديسمبر عام 1904 بعد حياة حافلة من فروسية الجهاد والوطني وفروسية الشعر الحديث وريادته .
آثاره القلمية :
1- ديوان البارودى : ( مجموع أشعاره ) وقد طبع في مصر بعد وفاته :
أ) طبعة دار الكتب المصرية ، بمقدمة الشاعر وتعليق د. محمد حسين هيكل باشا .
ب) طبعة المطبعة الاميرية المصرية بتحقيق على الجارم ( بالاشتراك )
2- مختارات البارودى . ( مجموع اختيارات الشاعر مثلما كان يضع القدامى مثل ديوان الحماسة لابي تمام )
3- مختارات نثرية. ( قيد الطبع ) مجموع انطباعته ووقائع مهمة في حياته واسلوبها يميل الى اسلوب المقامة المطعمة احياناً بالشعر واسماها " قيد الأوابد " .
الملامح الفنية والريادة الشعرية :
إن القارئ لمجموع أشعار البارودي لابد ان يعترف بالبارودي كأهم واول حلقة تجديد عربية أصيلة ، حركت الشعر في القرن التاسع عشر من سباته وضعفه ، في شعره انفاس الاجداد تتحرك بالخيال ، واللغة والصورة وجودة السبك وقوة الديباجة محاكاة عصرية للقدامى ، وعن ذلك قال جمهرة النقاد والبحاث ، بل الشاعر اذ يصدر ديوانه فيذكر "
" ... ولو لمن يكن من حسنات الشعر الحكيم الا تهذيب النفوس وتدريب الافهام و تنبيه الخواطر الى مكارم الاخلاق لكان قد بلغ الغاية التي ليس وراءها لذى رغبة مسرح، وارتبأ الصهوة التي ليس دونها لذى همة مطمح، ومن عجائبه تنافس الناس فيه وتغاير الطباع عليه ، وصغو الاسماع اليه ، كإنما هو مخلوق من كل نفس او مطبوع في كل قلب ، فانك ترى الأمم على اختلاف ألسنتهم وتباين أخلاقهم ، وتعدد مشاربهم لهجين به عاكفين عليه لا يخلو منه جيل دون جيل ولا يختص به قبيل دون قبيل ، ولا غرو فإنه معرض الصفات متجر الكمالات .. ولقد كنت في ريعان الفتوة واندفاع القريحة بتيار القوة ألهج به لهج الحمام بهديله ، وآنس به أنس العديل بعديله ، لا تذرعا الى وجه انتويه ، ولا تطلعا الى غنم احتويه ، وانما هي أغراض حركتني وإباء جمح بي وغرام سال على قلبي فلم أتمالك أن اهبت فحركت به جرسي ، او هتف فسريت به عن نفسي كما قلت :
تكلم كالماضين قبلي بما جرت به عادة الانسان ان يتكلما
وللدكتور زكي نجيب محمود رأي فيما قاله د . هيكل في مقدمة ديوان البارودي البارعة: (شعر البارودى حياته) فيري ان شعرالبارودي لم يكن – حياته – كما قال الدكتور هيكل – بقدر ما كان قرءته ، فالارجح عندى انه كان في كل هذا يصدر لا عن خبرته الذاتية الحية – بل يصدر عن رنين اللفظ كما وعته اذنه مما قرأ للاقدمين .
كان البارودى اذن يسمع ثم ينطق وفق ما قد سمع ، وهو ينطق نطق السليقة المطبوعة التى لا تكلف فيها :
اقول بطبع لست احتاج بعده الى المنهمل المطروق والمنهج الوعر
والمنهل المطروق هنا ، والمنهج الوعر ، هو منهل معاصريه ومنهجهم في الكلام :
أسير على نهج يري النـاس غيره لكل امرئ فيما يحاول مذهب
وما دمنا بصدد الحديث عن فطرة البارودي الشاعرة التي ينبثق منها الكلام المنظوم المنضود ذو الجرس الموسيقي الجميل انبثاقاً سهلاً كأنا هو ظاهرة طبيعية تجرى مجراها في غير عسر ، كما يرف الطائر بجناحيه ، او كما تسبح السمكة في الماء ، فانه مما يثير الاعجاب حقاً في شعر هذا الشاعر المطبوع ، ان الكلام في نظمه يجيء بترتيبه الطبيعي كما يريده النحو ، فيندر جداً ان ترى عنده تقديماُ او تأخيراً او تقصيراً بسبب ضرورة شعرية إنما يجري الكلام على سجيته وبترتيبه المألوف .
أما مقولة د. هيكل (شعر البارودي حياته) فهي ثاقبة كالاراء المتجددة التي قال بها الرأي زكي نجيب محمود، لان الترجمة الشخصية لسيرة البارودي، حياته وادبه وجهان لعملة واحدة ، فديوانه معرض حافل يسجل احداثه واحداث وطنه ووقائعه ، يقول د. عبد العزيز الدسوقي ... مكنته تجاربه الشعرية الغزيرة ورؤاه العميقة من تصوير احداث عصره في صدق حتى ليعتبر البارودي سجلاً دقيقاً لهذه الفترة من حياة مصر .. شعره متنوع تنوع احلامه وطموحه ، متنوعه تنوع الاحداث التي ألمت به والظروف التي كانت تلون حياته " .
أما الاغراض الشعرية التي تناولها البارودي في شرعه فكانت في الوصف ( الطلل – النسيب ) – شعر الصنعة التأريخ في المناسبات – الرثاء – المديح الفخر – الزهد – الحكمة – الوطنية – الغزل – الهجاء وغيرها ، وقد بلغ شأواً عظيما في تجويد أشعاره لدرجة محاكاة القدامى قدر استطاعته ، ومجدداً في غير اهمال للجذور ... قلد البارودي وجدد ، وكشف عن مميزاته الاسلوبية والموسيقية وهو يطوف على كافة الاغراض الشعرية ،
وله كما يقول عمر الدسوقي " ... وللبارودي قطع في الوصف تقف جنباً الى جنب معه كثير من الأدب العالمي ... " وكما قال الدكتور هيكل في مقدمة ديوان البارودي " ان شعر البارودي كان في عصره جيداً كله كانت محاكاته للاقدمين جديدة وكانت معارضة إياهم جديدة ، وكانت رياضته في القول على مثالهم جديدة فقد هوى الشعر العربي قبله الى درك من الضعف جعل بالنسب اليها نسياً منسيا ... "
ومن بديع شعر في الوصف قوله مصيف الريف في الربيع :
عم الحيا واستنت الجـداول وفاضت الغدران والمناهـل
وازينت بنورها الخمـائـل وغردت في ايطها البلابـل
وشمل البقاع خير شامــل فصفحة الارض نبات خائل
تندى به الاسحار والاصائل كانا النبات بحر هائـــل
ومن شعر الغزل العاطفي قوله تحت عنوان لقاء :
لوى جيده وانصرف فما ضره لو عطـــف
غال لبه نظــرة اكانت على الكــلف
تبسم عن لـؤلـؤ له من عقيق صــدف
وتاه فقام يتلفــت وشأن الجمال الصـلف
جرى البند في خصره على حركــات الهيف
وما ذاك خال بـدا ولكن وســم الترف
والقراءة المتانية لمجموع اشعار البارودي والغوص في سيره حياته ، تعكسان طبيعية اشعاره ، فكان يوقظ في اصالة ووعي من استمرءوا الضعف والركاكة ، بل كان تأثيره عميقاُ في الشعر الحديث بأكمله ، ولعل اليقظة الواقعية يخفي ثمارها اليوم بفضل بارودي الشعر وما تلاه ، وليس من عجب في نهاية الترجمة ان يكون البارودي شاعراً منذ ان كان صبياً كنائره من أصحابه الموهبة .
وكان تأثيره عميقاً في الشعر العربي الحديث بأكمله ، هذه اليقظة الواعية التي نحياها اليوم بفضل ريادته وفضل تابعيه في الأدب العربي الحديث ،، وليس من عجب ان ينشد البارودي من شعر الصبا قوله
انا في الشعر عريق لم ارثه عن كلا له
كان ابراهيم خالى فيه مشهور المقالة
رحم الله البارودي الشاعر الفارس والفارس المجاهد الوطني الغيور على وطنه ودينه وامته وأدب لغته 12.
المــــــراجـــع
1. محمود سامي البارودي هو اسم مركب مثل اسم والده (حسن حسني) لذا فاسمه محمود سامي حسن حسني عبد الله البارودي ، و اسمه ذائع الصيت فهو " سامي البارودي "
2. البارودي رائد الشعر الحديث ، د / شوقي ضيف ، ص 47 ط 1 ، دار المعارف بمصر ، 1964
3. محمود سامي البارودي ، عمر الدسوقي ، نوابغ الفكر العربي ، ص 33 ، ط 5 دار المعارف 1993
4. البارودي رائد الشعر الحديث / د . شوقي ضيف ، مرجع سابق ، ص 49
5. البارودي رائد الشعر الحديث / د . شوقي ضيف ، مرجع سابق ، ص 79
6. البارودي رائد الشعر الحديث ، مرجع سابق ، ص 82
7. المرجع السابق ، ص 80
8. محمود سامي البارودي ، عمر الدسوقي ، مرجع سابق ص 52
9. البارودي رائد الشعر الحديث ، مرجع سابق ، ص 81
10. المرجع السابق ص 89
11. ديوان البارودي ، ط 1 دار الكتب المصرية
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.