البارح كان في العمر عشرين.. معرض القاهرة للكتاب

قديماً وعندما كنت صبياً أعتدت زيارة المعرض لإقتناء الجديد من القصص والروايات، والكتب والمجلات. كان المعرضُ حدثاً جللاً، وطقسٌ بالغ الجمال، أتجهز له قبل الأوان بآوان، كالرجل يوم عرسه، فأعمل على توفير ما تيسر ليّ من المصروف طوال العام، تحت بند مصاريف المعرض، وكان لأبي وأمي أتفاق معنا، من ينجح في ادخار مبلغاً قيماً سيتم منحه مبلغاً مساوٍ لما قام بالاحتفاظ به، في مرة نجحت في توفير حوالي سبعين جنيهاً، ومع المكافأة كانت غنيمتي مئة وأربعون جنيهاً، أنفقتها جميعها على المعرض.

حدثُ المعرض مقدسٌ، ودخولُ المعرضِ مقدسٌ، وروايات المعرض مقدسة، وندوات المعرض تجلياتٌ صوفية، تجمع الكتاب، وتستمع فيها لأراء من تفضل من الكتاب والنقاد والشعراء. حادثٌ وحيد تعرضت له ومجموعة من الأصدقاء، إذ فكرنا في نشر مجموعة متنوعة من المقالات والقصص في كتاب مجمع، وذلك طبقاً لعرض رأيناه من أحدى دور النشر، التي تروج لأعمالها من خلال ملصقات لها إبان فترة المعرض، كسوق عكاظ، يجتمع فيه الناس من كل حدب وصوب، بغية القراءة، تشغلهم الكتب وصنعتها. قمنا بجمع المقالات، وأعطيناها لصاحب الدار، الذي وعدنا بتحقيق الحلم ونشر المواد، وتتابعت الأيام ولم نتلق منه أية إشارة أو اتصال، وذهبت يرافقني صديق طفولتي للعنوان المرفق ببطاقة الرجل، وإذا به عنوان مزيف، وذهبت مقالاتنا هباءًا، وضاعت، حزنت بشدة، فقد كنت المسئول أمام أصدقائي، وخجلت وكيف لا، وأنا أتخيل أن تكون مجهوداتهم سرقت، وهكذا بدأت متلازمة أخرى تعتمل بنفسي، أن المعرض ليس فقط للقراءة، وأنما تدخل فيه صناعة الكتابة.

لم أبغ يوماً نشر عمل وهدفي منصوب نحو معرض الكتاب، فالكثير من دور النشر تحتفي بكتابها خلال المعرض، ولم أسعَ يوماً نحو الخروج في تلك الاحتفاليات الكثيفة لكتاب المعرض، لم أفكر كيف أروج لأعمال قد تحمل توقيعي يوماً، ولكنني أتطلع بعيداً، وهذا من حقي أن أحلم، لم أجعل يوماً سقف أحلامي هو المعرض، بل العكس أتمنى دوماً تخطيه لما هو أبعد.اليوم، أخاف من معرض الكتاب، وأهابه، وكلما تفكرت في مجرياته رأيت الكثير من دور النشر، والكثير والكثير والكثير من العناوين، بعضها يستحق، وبعضها لا يستحق، بعضها هذه جولته الأولى، وبعضهم تلك حرفته الوحيدة، البعض تهويه الكتابة فيجمع أقلامه ليكتب فتخرج مخطوطته باهتة، والبعض، كذلك يهوى، ولكنه دقق وفحّص فأخرج تحفة بديعة تستأهل التقدير والشكر، يجمعهم جميعاً شغف واحد ألا وهو الكتابة، ولكن يزداد عقلي كلما مرت الأيام بتساؤلٍ؛ لماذا أكتب؟.

دونت تلك الأفكار وقت أن بدأ المعرض فعالياته في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي، وظللت وطوال مدة استمرار معرض القاهرة للكتاب أرغب في تقديم تلك المسودة للعرض، ذلك الشعور الذي يأسرك ويجعل خطوتك ثقيلة، فما يدور في رأسي لن يسعد الكثير، فلماذا أدونه من الأساس؟ وهنا يراودني التساؤل الذي بدأ منذ عقدي المنصرم، لماذا أكتب؟ وما المرجو من الكتابة؟ ألأسعد أشخاصاً بعينهم، أم لأجعل ينظرون إليّ بعين الرضا؟ ويخرج من قلب السؤالِ سؤالٌ؛ أحقاً أجيد الكتابة؟ أم هو إدعاء محض، خطر لي نظير قراءات عديدة طوال سنين الصبا والشباب وأعتاب الثلاثينيات؟ هل سيأتي يوم أنظر فيه لكل ما دونت يوماً لأقول ما هذه الهراءات أم أنني سأجد نفسي يوماً بمنصة أستقبل إشادة حقيقية لكلمات سطرتها فأصابت عين الواقع؟ ما هو سقف طموحات أي كاتب؟ وهل حقاً أصنف نفسي على أنني واحد من هؤلاء الكتاب؟

قد يخرج القارئ لهذه السطور بأن من كتبها يعاني من علة نفسية وشكوك دائمة، تعكر عليه صفو أيامه بشأن ما يكتبه ويتقدم به للجان مسابقات لا يفوز بها، وأعمال لا تخرج للنور، ولكن أنظر عزيزي القارئ للزخم الكبير من الذين تخبرهم دور النشر بأن أعمالهم خارقة وأن كتاباتهم لم يأت بها أحدٌ من قبل، يملأون بها جداريات المكتبات، وأرفف المعارض، لا يشتريها ولا يقرأوها سوى أهليهم وبعض أصدقائهم، كيف هي أحوالهم وقد قدموا الهواء مغلفاً في غلافات أنيقة تحمل ألواناً بديعة برعاية دور نشر قد أخذت أثمان تلك الكتابات من جيوب مؤلفيها؟ أهم مخدوعون؟ أصبحت تلك رؤيتي حين خطوت ببوابة الثلاثين، أهي رؤية حقة؟ أم أن أفكاري لا تزال حالمةً كما كانت يوماً في العشرين؟

بقلم الكاتب


باحث بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة، يدرس التنوع الحيوي وعلوم الحيوان كاتب حاز على جائزة صلاح هلال الأدبية للقصة القصيرة – المركز الخامس على مستوى الوطن العربي – أبريل 2019، وأحد أعضاء مشروع المئة كاتب بإربد - الأردن.


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

باحث بالمركز القومي للبحوث بالقاهرة، يدرس التنوع الحيوي وعلوم الحيوان كاتب حاز على جائزة صلاح هلال الأدبية للقصة القصيرة – المركز الخامس على مستوى الوطن العربي – أبريل 2019، وأحد أعضاء مشروع المئة كاتب بإربد - الأردن.