بعد أشهر من كتابتها عثرت على هذه الأقصوصة الشخصية في أدراج ذاكرتي. قررت أن أضعها رهن أيدي القراء ليستنبطوا مراميها ومعانيها العميقة؛ فهي لم تكن مجرد سرد، بل تحوُّل حقيقي غيَّرني من لامبالاة قاسية إلى اهتمام عميق بذاتي، ودعوة لكل واحد فينا ليوقظ طفله الداخلي قبل فوات الأوان.
رحلة الشفاء النفسي: لماذا تُعد العناية بالذات واجبًا لا ترفًا؟
في زحام الحياة اليومي، حيث تتراكم الهموم وتتشابك الأصوات، يغفل الإنسان عن صوت ذاته، يهمل جسده وقلبه حتى يصبح الألم اللغة الوحيدة التي يفهمها. هذه ليست قصة أُذن متألمة أو فحصًا طبيًا، بل رحلة داخلية من الإهمال إلى إيقاظ الطفل الداخلي، ذلك الإنسان الثاني الذي يختبئ في الأعماق يتوسل العناية واللعب والحياة الكاملة.
تنازلت عن كل شيء، كدت أنزلق في هاوية الإهمال الذاتي، ألم أُذني تفاقم كنارٍ تتَّقد في ليل الصحراء، سمعي تهاوى إلى جحيم الصمت الأسفل، طنين كموج البحر الهائج، صفير يحجب الضحكات والأصوات، عزلة مرعبة وسط الزحام. في مكتبي المزدحم برائحة القهوة المحتمة والأوراق المهترئة زاد الألم كسكين يُغرس في رأسي الأيمن، انشغلت بصفقات اليوم أُعلن حربًا على جسدي.
صديقي «سوفو» ذو اللحية البيضاء والنظرات الحادة المشفقة علم الأمر فانهال عليَّ باللوم: «يا أخي أنت تلعب بالنار! اذهب إلى الطبيب فورًا وإلا هلك سمعك إلى الأبد». كل ساعة يطرق طاولتي: «انهض وخُذ موعدًا!». رددت بلامبالاة مصطنعة: «لا أكترث للألم». ألحَّ: «الأمر خطير جدًا والضرورة تستدعي الزيارة الفورية»، حتى إنه عرض عليَّ دفع أتعاب الطبيب بنفسه.
في المساء تحت أضواء النيون الباهتة عاد يلوم: «صحتك ليست لعبة؛ أذناك تستغيثان بك». أخيرًا نهضت بعد الساعة الرابعة مساءً وقلبي يدق بتوتر مكبوت. حللت بعيادة الدكتور «عبد السلام» في الأنف والأذن والحنجرة، شارع مزدحم برائحة الدواء والمرضى المتثائبين. سجَّلتني الممرضة الشابة آخر زبون بموافقة الدكتور.
في عيادة الطبيب
دخلت بعد الخامسة والنصف. رائحة المطهرات تخالط الخوف المكبوت. استقبلني رجل في الخمسينيات بعيون حكيمة تخزِّن سنين التجربة. أمامه سجلي البالي. «ما داعي الزيارة؟». أخبرته بآلام أذني. باشر فحصه بأدوات لامعة. اقتلع قطنًا متراكمًا أسود من أذني اليسرى، ارتدَّ الدمُ قليلًا، فارتجفتُ. «انظر! من يقبل الإيذاء يتحمل عواقبه. الجسد يستحق العناية لا الإهمال كما فعلت أنت».
اعترفت بعادتي السيئة بمفاتيح السيارة وأعواد القطن. نبهني: «قد تثقب طبلة الأذن فتتسبب في فقدان دائم للسمع». شرحت ترددي الطويل رغم الآلام. تأسفت للامبالاة: مأكل بارد، ملابس متبللة، صحة مهملة. منذ مارس 2016 مرض زوجتي السرطاني أغرقنا في جحيم العلاجات والليالي الساهرة. أهملت نفسي عقابًا لذاتي، لكني لم أهمل أبنائي الثلاثة: الأكبر 32 عامًا والأوسط في إنجلترا، بينما الأصغر 19 عامًا طالب بالثانوي، كلهم مدعومون.
«لولا إلحاح سوفو لم آت». تفحَّص الطبيب سجلي، وبنبرة ثاقبة نظر إليَّ بعمق: «الإنسان يحمل داخلَه إنسانًا ثانيًا؛ طفلًا صغيرًا يجب أن يعيش، يلعب بالكرة في الحارة، يرقص تحت المطر، يغني أغاني الطفولة، يستمتع بالحلوى والألعاب. واجبك توفير ذلك له تلقائيًا لا حرمانه بلا موجب».
أنصتُّ كليًا وكلي مشدوهٌ بإمعان، وكان الألم قد هدأ وشكَّل لي سحرًا. أضاف: «سنك فوق الستين لا يعفيك بل يزيد من واجب العناية. أبناؤك لن يوفروا لك ما تحتاجه، أنت الذي يجب أن توفره بمحض إرادتك».
اعترضت: «سني مكنون، أبنائي يرون مرحي عبثًا». استوقفني: «الذات تستمر بمطالبها رغم السن كنهر متدفق. أرأيت مرضاي بالغدة الدرقية المتوترين نصحتهم بالعناية بذواتهم فرجعوا محسنين صحيًا ونفسيًا خصوصًا النساء منهم». استوعبت خطئي. ظلمت نفسي وأهلي أشد ظلم. استمر ساعة يُشبعني نصائح كبحر هادئ. غادرت مليئًا أملًا، والطفل الداخلي يتلوى بالحياة.
أسابيع من الشفاء الجسدي والنفسي
تفجَّر الطفل الداخلي كنهرٍ بعد جفاف. أبدأ يومي بإفطار حار: خبز طازج وعسل مغربي يذوب على اللسان. اشتريت ملابس جديدة نظيفة، قصصت شعري لأبدو حيًا لا ودعًا. مع ابني الأصغر وزوجتي نحكي قصص طفولتي في القرية ونضحك حتى تدمع العيون. الأكبر في إنجلترا يبتسم عبر الهاتف: «أبي أنت تغيرت فعلًا!»، نلعب دومينو، أرقص على إيقاع أغنية مغربية عتيقة.

زيارة المتابعة: اكتشاف القيمة الحقيقية
عدت إلى الدكتور عبد السلام بعد أسابيع. فحصني وقال مبتسمًا: «الأذن تشافيت تمامًا والسمع عاد طبيعيًا». ثم أضاف: «لكن الدواء الذي كتبته لك ثانوي. الدواء الحقيقي هو ما اكتشفته بنفسك. إيقاظ الطفل الداخلي». أخبرته أن نصائحه كانت أغلى من أي قطرة أذن. كتب لي وصفة رمزية: «وصفة الطفل الداخلي: ضحكة يوميًا، لعبة أسبوعيًا، عناق عائلي يوميًا، حياة كاملة مدى الحياة».
في العمل صَفَّقَ سوفو: «قلتها لك لقد تغيَّرت، وهذا ما كنت أساعدك عليه».
أهمية العناية بالذات وتبعاتها النفسية
الآن أعيش للطفل الداخلي. الحياة بحر هادئ بعد عاصفة. لم أعد أسمع طنين الإهمال بل نغم الحياة الجديدة. لكن الشفاء الجسدي كان مجرد بوابة. الثروة الحقيقية كانت الشفاء النفسي العميق.
اكتشفتُ أن العناية بالذات ليست ترفًا، بل واجب وجودي. كنت أظن أن التضحية المستمرة هي الفضيلة، لكنها كانت تسميمًا بطيئًا. الإهمال الذاتي لم يكن شهادة تضحية بل شهادة هزيمة. عندما اعتنقتُ نفسي اكتشفتُ أنني أعطي أفضل ما لديَّ لأهلي – لم يعودوا يتعاملون معي كعبء بل كمصدر فرح وسعادة.
تبعات هذا التحول النفسي كانت مذهلة: القلق تلاشى، النوم عاد عميقًا، الطاقة تضاعفت، والعلاقات الأسرية زهت. أبنائي يفضلون جلوسي معهم على هاتفهم. حتى في العمل بالرغم من الروتين المهني تغيَّرت.
للقارئ الذي يقرأ هذه السطور: العناية بذاتك ليست أنانية. هي الجذر الذي ينمو منه كل خير للآخرين. لا تنتظر الألم ليوقظك. لا تنتظر الصديق الذي يلومك. لا تنتظر سن الستين. الطفل داخلك لا يموت إلا إذا قتلته بنفسك بلامبالاة الإهمال.
جلسة الطبيب لم تكن فحصًا عاديًا، كانت ولادة جديدة للذات. نصائحُهُ كانت أغلى من أدويتِهِ. الدواء الحقيقي كان الوعي. هكذا غيرتني هذه الجلسة من لامبالاة إلى اهتمام أبدي. وهكذا يمكن أن تغيرك، إذا استمعتَ للطفل داخلك قبل فوات الأوان.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.