حين يعصف بالإنسان حدث مؤلم لا يستطيع قلبه ولا عقله تصديقه، يبدأ المخ عمله في حماية صاحبه، فيبدأ المخ بـالانفصال عن الواقع (Dissociation)، ويخلق واقعًا جديدًا أقل شدة من الواقع الفعلي. هذه الحالة في الطب النفسي Psychiatry تُسمى «آلية الانفصال عن الواقع» Dissociation Mechanism، وبهذا يستطيع الإنسان التكيف ويحمي مخه من الانهيار.
وتُعد آلية الانفصال عن الواقع دفاعًا نفسيًا حيويًا في مواجهة الصدمات الشديدة، هذا يبدو مفيدًا حقًا لو استمر لقليل من الأيام، أما إذا لم يستطع الشخص الاتصال بالواقع مرة ثانية، فمن المؤسف حقًا أن نقول إن المريض قد أصيب بـاضطراب عقلي (Mental Disorder) ويحتاج إلى زيارة الطبيب. لفهم هذه الظاهرة المعقدة، سنطرح مثالًا حيًا يوضح كيف يتجلى الانفصال عن الواقع في تجربة إنسانية حقيقية.
الانفصال عن الواقع في فيلم «Adrift» (تائهة)
فيلم «Adrift»، المبني على قصة حقيقية، يُعدُّ من أبرز الأمثلة السينمائية التي تجسِّد آلية الانفصال عن الواقع (Dissociation) بوصفها وسيلة دفاع نفسي في مواجهة الصدمة.
تدور أحداث الفيلم حول «تامي» و«ريتشارد»، شابَّين يبحران معًا في رحلة عبر المحيط، لكن إعصارًا عنيفًا يضرب القارب ويتركه مدمَّرًا. تفيق «تامي» لتجد نفسها وحيدة في عرض البحر، منهكة ومصابة، وتبدأ رحلة البقاء حيًّا.
خلال الأحداث، تعتقد تامي أن «ريتشارد» ما زال حيًّا، وأنه جريح يحتاج إلى المساعدة. تحادثه، تعتني به، وتتقاسم معه الأمل والخوف. لكن المفاجأة تأتي في نهاية الفيلم حين تدرك الحقيقة المفجعة: ريتشارد مات منذ بداية العاصفة، وكل ما رأته وتخيلته كان انعكاسًا لعقلها المفصول عن الواقع.

هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بـالانفصال (Dissociation)، حيث يقوم العقل -تحت ضغط شديد- بخلق واقع بديل أو مشوَّه لحماية الشخص من ألم لا يُحتمل. في حالة «تامي»، كان خيال وجود ريتشارد طوق نجاة نفسي، ساعدها في البقاء حية وسط العزلة والخوف واليأس.
رسالة الفيلم النفسية ومغزاه العميق
فيلم «Adrift» لا يتحدث فقط عن النجاة الجسدية، بل يكشف كيف يمكن للعقل البشري أن يُنقذ صاحبه نفسيًا، حتى لو تطلب الأمر الانفصال عن الحقيقة. في قلب المحيط، حيث لا شيء سوى الصمت والمجهول، لجأت تامي إلى وهم، لكنه كان الوهم الذي أنقذها.

تُقدم هذه القصة مثالًا قويًا على مرونة الدماغ البشري وقدرته الفائقة على حماية نفسه في مواجهة المواقف الصادمة، فمن المفيد حقًا أن نتعرف كيف يعمل المخ في الأزمات، فكما أن جهاز مناعة الإنسان يحارب كثيرًا من الفيروسات التي لا نراها، فالمخ أيضًا ينجينا في كثير من الأحيان من ألم لا نستطيع تحمله.
شاركونى بآرائكم وتجاربكم الشخصية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.