نحن نعيش في عصر الانفجار المعرفي، هذا واقعي، ولكن الغير مفهوم تحديداً هو هذا الاسم؛ "الانفجار المعرفي"، فهو اسم انطباعي لا تدري بماذا تشعر تجاهه، هل تسعد به لأنه يوفر المعرفة للجميع، أم تشعر بالخوف كونه انفجار لن يخلو من أذى؟!
أصبحنا نواجه تدفقاً هائلاً في المعلمومات التي أخذت تنمو بمعدّلات كبيرة نتيجة للتطورات العلمية والتقنية الحديثة وظهور المزيد من التخصصات الجديدة كل يوم، وتحوّل إنتاج المعلومات إلى صناعة. وتدل المؤشرات المتوفرة عالمياً على أن حجم صناعة المعلومات قد تجاوز ثلاثة تريليونات دولار سنوياً (2015)، وهذه النسبة تشكل 50 ـ 60% من الناتج القومي للدول الصناعية الكبرى، كما يقدر حجم التجارة الإلكترونية بتريليون دولار. فالبورصات الإلكترونية والإعلان والتسويق والتوزيع على الإنترنت أشبه بحمى تجتاح العالم وتترك بصماتها عليه.
إن الخبرات والمعرفة المكتسبة خلال ال 100 عاماً الماضية توازي تلك المكتسبة خلال ال1000 سنة السابقة، كما أن الخبرة المكتسبة لهذه الأخيرة توازي الخبرة البشرية المتكونة خلال ال 10,000 سنة السابقة لها في هذه المصفوفة، واعتمادا على هذا المقياس الدّال فإن الخبرة المكتسبة في شتّى صنوف المعرفة خلال العشر سنوات القادمة ستوازي تلك المكتسبة خلال ال 100 سنة الماضية.
الانفجار المعرفي يتسارع منذ أن اخترع الانسان الطباعة ثم إلى أن يشاء الله، وجاء الانفجار المعرفي كنتيجة طبيعية للنمو الهائل في حجـم الإنتاج الفكري وتراكمه وتنوع مصادر المعلومات وتعدد أشكالها، وهذا مبشّر بالخير. إلّا أن فشل الأساليب والوسائل التقليدية في الضبط والسيطرة والتنظيـم للمعمومات ولأوعيتها المتاركمة يوما بعد يوم، سيؤدّي حتماً إلى انقلاب النّعمة لنقمة. كما قال لنا أسلافنا "ما زاد عن حدّه سينقلب إلى ضدّه".
وهنا يوجّهنا المنطق إلى أن الانفجار المعرفي فرصة عظيمة للنمو الحضاري والأخلاقي والقيمي، هذا إذا تمت السيطرة عليه أوّلاً. وعندما نتحدث عن السيطرة على الانفجار المعرفي لا نقصد بذلك أن نمنع المعمومات من التدفق والانسياب بل نعني بذلك الطرق التي عن طريقها نستطيع أن ننظّم هذا الكم الهائل من المعلومات ونضبطه بالطرق العلمية السليمة حتى تسهل عملية إدارة هذه المعلومات والمعارف والوصول إليها والإنتفاع بها بأقل وقت وجهد. إذا كيف يمكننا أن نسيطر على هذا الكم من المعمومات في عصر تميز بأنه عصر معلوماتي؟
يطلق مصطلح "علوم الارتكاز أو علوم تنظيم المعرفة" على العلوم التي تعمل على تنظيم المعرفة البشرية مثل علم التصنيف والفهرسة بشقّيها موضوعية ووصفية، وتحليل المحتوى المتمثّل في التكشيف والإستخلاص إضافة إلى علم توثيق المعلومات. كل هذه العلوم تعمل على تنظيم المعرفة البشرية منذ الأزل وإلى أن يرث الله الأرض وما عليها. ولذلك لابد من تناول كل علم من هذه العلوم على حدة لمعرفة الطريقة التي يسيطر بها على الإنفجار المعرفي.
ومن كل ذلك نستخلص لنا ولذوينا النقاط الاستراتيجية الآتية:
1- يجب أن نرحّب بهذا النمو الهائل في حجم الإنتاج الفكري وتراكمه، يجب أن نُقبل عليه ونتعامل معه كمعاملتنا لرأس المال، يجب أن نستعد لهذا عقائدياً ونشجّع أبنائنا للانفتاح وليس العكس، المشاركة بالإنتاج وليس الاستهلاك فقط.
2- بما أن لكل فعل رد فعل، فإن أمام كل هذا الخضم من التشتت الفكري تزداد أهمية وقيمة التخصصات الدقيقة. أماكن الغد القيّمة ستكون من نصيب المتخصصين وليس الموسوعيّين، وكلما زادت دقّة التخصّص زاد الطلب عليه.
3- تفاعل واشجب المحتويات الغير مناسبة وشجّع المحتويات الإيجابية المناسبة، أجب على الأسئلة ولا تبخل بالنصائح والتعليقات والنقد البنّاء. انتج محتواك الخاص وشارك به العالم وتعلّم من الاعتراضات قبل التشجيع، كوّن مجتمعك الخاص من حولك ممن يهتمّون بتخصصك واهتماماتك.
4- ظهور ما يُسمّى بال Cross-functions أو الوظائف المتداخلة أدّى إلى تطور فروع علمية جديدة مثل الهندسة الطبية والكيمياء الحيوية والتسويق الإلكتروني، وغيرها الكثير من الأمثلة التي نتجت من تلاشي الحدود بين الموضوعات وتداخل التخصّصات العلمية.
5- الاهتمام بعلوم البرمجة ولغات الحاسوب والأجهزة الذكية والتطبيقات، وعلوم تنظيم المعرفة أصبح ضرورة كتعلّم القراءة والكتابة، وخاصة للنشأ الجديد.
6- التعليم الذاتي الغير نظامي هو أساس المرحلة القادمة، التخطيط للذات وللأبناء بعيدا أو إلى جانب التعليم الأكاديمي التقليدي مهم جدا لمواكبة المنظومة المعرفية المنفجرة الجديدة.
7- كلما أسرعنا بالبداية كلما كانت أكثر سهولة، ابدأ وتحسّن مع مرور الوقت واستمرار الممارسة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.