الانسحاب النبيل.. عندما يصبح الصمت أقوى رد على الحقد

اسمحوا لي أن أطلق صرخة جديدة من صرخاتي المكبوتة، وكما اعتدت مع كل نوبة فكرية تطيح بي، لعلي أطمئن قليلًا، ولكم مُطلق الحكم على كلماتي.. إن كانت عبثًا أم واقعًا ملموسًا.

أتساءل اليوم وبعد تلك المشاهد والأرواح التي اختبرت صبري واحتمالي على هذه الأرض، هل إحساسي صار يحتضر؟!

لن أخفي عليكم أسراري، لقد عشت بمرارة وأنا أبحث عن إجابة لسؤالي، أتغافل تارة، وأغضب وأواجه تارة، أغرق بالتفاصيل في الليل وأتفاعل معها بحرارة، وفي الصباح لا أهتم إن رأيتني أنزف كل مشاعري دفعة واحدة، هكذا دارت الأيام، حتى اللحظة المأساوية التي أعادتني لصراعي مع الألم مرة أخرى!

الحقيقة أنها لم تكن بالبشاعة التي وصفتها بها للتو، ولكن وقعها على روحي لم يقل عن معنى المأساة، بل وأكثر حتى!

إنها كلمة واحدة التي وضعتني أمام مُفترق طرق..

أعترف بأنها كانت مُغلفة بالمزاح وحس الفكاهة بطبيعة حال المصري الأصيل، ولكن نكتة عن نكتة تفرق، فهي لم تكن على مستوى الكوميديا المطلوب بالنسبة لي، إنها وبلا مبالغة المعنى الحرفي لــ «دس السم في العسل» وبمثابة طلقات شيطانية تستهدفني أنا بالذات!

تلك الكلمة التي نطقها أحد الزملاء تعبيرًا منه عن مدى «شطارتي» في إنجاز عمل ما، وأنا أتقنه بالفعل، لن أنكر، وهو ما أشعل لهيب الحقد بداخله وطرح كثير من التساؤلات عني في قرارة نفسه..

ما السر في مهارتها العالية؟  

مبدعة؟

ملتزمة؟

ذكية؟

ربما، ولكن ليس لدرجة خطف الأضواء من الجميع!  

لمَ هي دون غيرها؟

لمَ لا يكون أنا مثلًا؟

الكل يثني عليها.. الكل يمدح فيها.. آه يا محظوظة!

كل هذا وأكثر سمعته ينتفض في أعماقه السوداوية التي كنت أحسبها ببراءة الأطفال.. كنت!

لم أعرف على وجه التحديد.. ما المشكلة وراء إبداعي؟!

هل هذه جريمتي الآن؟!

أرجو أن لا أُحاسب على موهبتي في الدنيا!

إنه وبلا شك لمصلحة الفريق كله، أن أبرع في زاوية خاصة بي، وهو في زاوية أخرى وهكذا، لنتفق في النهاية ونتحد باختلافنا، ولكن الإنسان لا يعجبه العجب، أو بمعنى أدق، «الأنا» عنده فوق الإنسانيات!

الفكرة الآن ليست في تلك النكتة السخيفة التي أطلقها أحدهم على اجتهادي المبرر، فما أزعجني بحق هو رد الفعل وليس الفعل، أنا من أزعجني! 

في ظروف عادية جدًا، يكون الرد السليم عليه بمزيج من التوبيخ والغلظة في التعامل، لكي لا يُكرر ألفاظه السامة أو يتعدى الخطوط الحمراء معي في الأقل، تلك العملية التي نقول عنها «تلقيح» كما في أبجدية الشباب، ولكنه هُنا مشروع مئة بالمئة، أي أنني أقف عند تلك اللحظة بعينها وأقتص منه بكلمات تحفظ كرامتي، حتى ولو وصلت بي الشجاعة أن أصعقه بسؤال الجولة الختامية من الصراع بيننا: «وانت مالك؟!».

أعتقد أن التصرف الطبيعي أمام الحقد وأصحابه أن نضربهم ضربة لغوية عنيفة تخرسهم، ومن ثم نعود لإبهارهم بالنجاح مجددًا، وهي ضربة في مقتل بالطبع، ولكني لم أفعل ذلك، لقد اكتفيت بابتسامة خفيفة ونظرة باردة وكلمة شكر فحسب!

كنت في بداية تعاملاتي مع البشر أعرف متى أتحكم في انفعالي ومتى «أقلب الطرابيزة» على رأسهم بلا تردد، وذلك بناءً على مكانتهم في قلبي، أو للخروج من جدال عقيم يضيع معه وقتي وصحتي، كنت كثيرًا ما أتفنن في مبارزتهم على الورق بفلسفتي ومنطقي، ومنهم من أشتبك معهم وجهًا لوجه دون أن تهتز لي شعرة، إنه أسلوبي حتى وقت قريب، ولكن ثمة تغيير طرأ على تكويني لا أفهمه، وهو ما يربكني وبشدة!

فهل أنا ضحية صدمة ما أفقدتني النطق؟!

هل هي مرحلة متقدمة من النضج؟

هل رغبتي في العتاب تحللت؟

هل هي حالة من اللامبالاة التي لا علاج لها؟

هل أنا غاضبة من الحياة للحد الذي يجبرني على الصمت؟

لنضع النقط على الحروف الآن.

أنا اليوم لا أطمع في أي رفاهيات دنيوية، كل ما أريده في هذه الأثناء أن أضع يدي على سبب صلابتي غير المعهودة، أو ربما أنا متماسكة لدرجة تثير غيظي، كل الاحتمالات مقبولة.

أقسم لكم بأني أريد أن أفهم ماذا حلَّ بي فحسب، ومن بعدها يأتيني الموت، لا يهم!

أشعر أن روحي على «وضع الطيران»، إنه ملاذنا من مكالمات ورسائل مملة، وهكذا أنا، صحيح أني بينكم، ولكني أشعر بهدوء غريب يقتلني، أسمعكم جيدًا، أستقبل حروفكم وأنصهر فيها، في حين أنا في مكان ما خارج الجغرافيا، على الهامش الآمن، ربما لم أتأقلم على الوضع بعد، ولكن فيه نجاتي.

إليكم باختصار ما أعيشه حتى اللحظة..

حين أشرع في رد الطعنة من باب دفع الأذية عني، أتنازل عن تلطيخ يدي بدماء ملوثة، وأخرج بشرف من أرض المعركة.. ليس ضعفًا، بل هو الشرف كما قرأتم.

«واحد.. اثنان.. ثلاثة.. هيا يا نورا.. انطقيها.. لكِ مكافئة لذيذة إن فعلتيها».. ولا حياة لمن تنادي!

لقد أصبحت أترفع عن الأذى والثرثرة وكل الهراء الذي لا يُفيد، حتى الانتقام لحقي، من قال ومن فعل ومن يُخطط لهدمي، تركته لله.. ببساطة ووضوح، أدركت بأنه سباق زائل، ولحُسن حظي أنني أدركت الحقيقة قبل فوات الأوان. 

فمن يضرب ضربته قبل الآخر؟

من يُسدد السهم في صدر أخيه أولًا؟

ومن يدفع الثمن وحده مثل نورا؟

كلها استفهامات بطعم الخيبة، وأحمد الله أني من سأل وأجاب، لذا، لم أعد أكترث بالنظرات والهمسات والظنون، فإن الوجه القبيح لعالمنا في توحش مستمر، وأنا في النهاية لا أملك سوى الخير بداخلي، أخشى على هذا القلب أن يقع في الوحل، وأسعى دائمًا لحفظ نبضه والنور فيه من أنياب الظلم والظلام.

أنا على يقين تام بأني وإن دخلت الحرب مع أي مخلوق، فلن أعود منها كما كنت، أبدًا، سأقع ضحية المشاحنات والعداوات وفساد العلاقات، وكلما نظرت إلى الجروح التي خلفتها تلك الحرب على نفسي وعقلي وإيماني، لن أحترم إرادتي التي استسلمت للقسوة في غمضة عين بعدما أحسنت تربيتها في عالم مُختل كهذا.

فماذا عن الانسحاب النبيل؟

لقد انسحبت بكامل قواي النفسية والعقلية والإنسانية، بعيدًا عن مُستنقع القيل والقال، هكذا تسير الأمور معي، حتى وإن وجدت الجاني يحتفل بفعلته سعيدًا منتصرًا، فلن أنشغل به وبأوهامه تلك، لقد تمكن مني، ليس لسواد لسانه أو نواياه القاتلة، وإنما لنسختي الجديدة التي ترفض ذلك العبث البشري من جذوره.. رحبوا بها.

أنا وإن تغيرت، يكفي أنني رأيت الحقيقة، نعم، أرى اليوم أكثر من أي وقت فات، لقد نجوت بنفسي من بئر الشرور وتقلب الأهواء، وهي أعظم انتصاراتي لو تعلمون.

«من ذوقك».. هكذا انتصرت على جحيم النفوس و«وجع الدماغ»!

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.