الإنسان يعبر الطبيعة ولا يغادرها: دراسة في فلسفة العبور وأنطولوجيا الوجود البشري

إن أحد أكثر التصورات رسوخًا في تاريخ التفكير بالإنسان، وأكثرها تأثيرًا في بناء الثنائية الحديثة بين الطبيعة والثقافة، هو ذلك التصور الذي يجعل الطبيعة نقطة البداية والثقافة نقطة النهاية، وكأن الإنسان قد بدأ وجوده بوصفه كائنًا طبيعيًا محضًا، ثم وقع في تاريخ ما حدثٌ تأسيسي أخرجه من الطبيعة وأدخله إلى الثقافة، بحيث أصبحت الثقافة، وفق هذا التصور، فضاءً جديدًا يختلف في جوهره عن الفضاء الطبيعي الذي سبقه. وبهذا المعنى تتحول الطبيعة إلى ماضٍ للإنسان، والثقافة إلى حاضره، ويصبح التاريخ الإنساني تاريخ مغادرة تدريجية للطبيعة، وكلما ازداد الإنسان علمًا وتقنيةً وتنظيمًا ورمزيةً بدا، في هذا التصور، أكثر ابتعادًا عن أصله الطبيعي. 

غير أن هذا التصور، على الرغم من رسوخه، يقوم على افتراض أنطولوجي بالغ الإشكال، لأنه يفترض إمكان وجود الإنسان خارج الشروط التي جعلت وجوده ممكنًا أصلًا، ويحوّل العلاقة بين الطبيعة والثقافة من علاقة تداخل وتكوين متبادل إلى علاقة انتقال وقطيعة. إن الإنسان، بهذا المعنى، لا يصبح إنسانًا عندما يخرج من الطبيعة، وإنما عندما يبدأ بتحويل طريقة وجوده داخلها.

فالطبيعة التي نتحدث عنها ليست مكانًا خارجيًا يقف الإنسان في مواجهته، كما لو كانت الطبيعة شيئًا يقع هناك، والإنسان شيئًا يقع هنا؛ فالإنسان نفسه أحد أنماط تحقق الحياة، وجسدُه ليس غلافًا مؤقتًا للذات الإنسانية، وإنما هو الشرط الأول لكل إدراك ولغة وذاكرة وخبرة وعلاقة بالعالم. ومن ثم فإن القول إن الإنسان «غادر الطبيعة» يفترض ضمنًا أن الجسد نفسه قد غادرها، وأن الدماغ قد أصبح خارج التاريخ البيولوجي، وأن الحواس لم تعد تنتمي إلى عالم الكائنات الحية، وأن التنفس والتغذية والنوم والمرض والشيخوخة والموت أصبحت ظواهر ثقافية خالصة. 

جسد الإنسان هو نقطة التقاطع الأولى بين الطبيعة والثقافة

وهذا أمر لا يمكن الدفاع عنه أنطولوجيًا؛ فالإنسان، مهما بلغت درجة تعقيد عالمه الرمزي، يظل كائنًا حيًا، وتظل حياته مشروطة بالطاقة والماء والغذاء والهواء والحرارة والجاذبية والزمن والمحيط الحيوي، بل إن أكثر منتجاته تجريدًا، من الرياضيات إلى الميتافيزيقا، لا تظهر إلا من خلال جسد قادر على الإدراك والتذكر والتعلم والتواصل. ولهذا فإن ما نسميه «الثقافة» لا يطفئ الطبيعة داخل الإنسان، وإنما يعيد تنظيم علاقتها به.

فلسفة العبور والانتقال بين مستويات الوجود

ومن هنا تكتسب فلسفة العبور أهمية خاصة في إعادة بناء العلاقة بين الطبيعة والثقافة؛ لأنها لا تبدأ من سؤال: كيف خرج الإنسان من الطبيعة؟ وإنما من سؤال مختلف جذريًا: كيف يعبر الإنسان الطبيعة من داخلها؟ فالعبور، في هذه الحالة، لا يعني الانتقال من حيز مغلق إلى حيز آخر مستقل، وإنما يعني القدرة على الانتقال بين مستويات الوجود دون إلغاء المستوى السابق. الإنسان يعبر البيولوجي نحو الرمزي، لكنه لا يترك البيولوجي وراءه؛ ويعبر الجسد نحو اللغة، لكنه لا يتحول إلى لغة بلا جسد؛ ويعبر الحاجة نحو الرغبة، لكنه لا يتحرر من شروط الكائن الحي؛ ويعبر البيئة الطبيعية نحو البيئة التقنية، لكنه لا يتوقف عن الاعتماد على شبكة بيئية أوسع؛ ويعبر الحيواني نحو الإنساني، من غير أن يتخلص من حيوانيته كما لو كانت مرحلة بدائية ينبغي محوها. إن العبور هنا ليس «خروجًا» بل إعادة تركيب، وليس مغادرةً للأصل بل إعادة إنتاج لعلاقة الكائن بأصله وشروط وجوده.

وهذا يقتضي إعادة النظر في مفهوم الطبيعة نفسه. فقد أسهم جزء كبير من الفلسفة الحديثة في ترسيخ صورة الطبيعة بوصفها موضوعًا خارجيًا، قابلًا للملاحظة والقياس والسيطرة، في مقابل الإنسان بوصفه ذاتًا عارفة ومستقلة. وفي هذا السياق يصبح الإنسان ذاتًا، والطبيعة موضوعًا، ويصبح العلم أداةً تفصل بين الاثنين، ثم تصبح التقنية الوسيلة التي تمكن الإنسان من إخضاع الموضوع لإرادته.

غير أن ميرلو-بونتي يقلب هذه الصورة حين يجعل سؤال الطبيعة مرتبطًا بسؤال الجسد والحياة والحركة والإدراك، ويبحث عن الإنسان لا بوصفه ذاتًا تقف خارج الطبيعة، بل بوصفه كائنًا متشابكًا معها، بحيث يصبح الجسد نفسه موضعًا يتقاطع فيه الطبيعي والإنساني، والحسي والدلالي، والحيواني والثقافي. ومن هنا يمكن لفلسفة العبور أن تستفيد من الفينومينولوجيا الميرلوبونتية لكي تقول إن الحد الفاصل بين الطبيعة والثقافة ليس جدارًا، بل عتبة؛ والعتبة لا تفصل إلا لكي تسمح بالمرور.

ولعل الجسد هو المثال الأوضح على هذا النوع من الوجود العابر. فهو طبيعي من حيث تركيبه العضوي، لكنه لا يعيش الطبيعة بوصفها مادة خامًا فقط؛ فالإنسان لا يأكل فحسب، بل يطبخ، ولا يحتمي فحسب، بل يبني، ولا يتكلم فحسب، بل ينشئ لغات، ولا يتحرك فحسب، بل يصنع طرقًا ومسارات وخرائط ومدنًا، ولا يستجيب للبرد والحرارة فحسب، بل ينتج الملابس والمساكن وأنظمة التدفئة والتبريد.

غير أن هذه الإضافات الثقافية لا تلغي الحاجة الطبيعية التي استجابت لها، وإنما تغير شكل الاستجابة لها. فالطهي لا يلغي الحاجة إلى الغذاء، والطب لا يلغي المرض، والسكن لا يلغي الحاجة إلى الحماية، والملابس لا تلغي حساسية الجسد للحرارة، والتقنية لا تلغي اعتماد الإنسان على البيئة، وإنما تنقل هذه الحاجات من مستوى مباشر إلى مستوى مركب من الوسائط والمعاني والمهارات. إن الثقافة، بهذا المعنى، ليست نقيض الطبيعة، وإنما هي طبيعة أعيد تنظيمها بواسطة كائن قادر على التعلم والرمز والتراكم.

رفض الاختزال البيولوجي ومبدأ التوليد المتبادل

وهنا ينبغي الحذر من الوقوع في الطرف المقابل أيضًا؛ فرفض ثنائية الطبيعة والثقافة لا يعني اختزال الثقافة في البيولوجيا، ولا يعني أن اللغة أو الفن أو الدين أو القانون مجرد إفرازات جينية، كما لا يعني أن السلوك الإنساني يمكن تفسيره بالكامل بواسطة الانتخاب الطبيعي. فمثل هذا الاختزال يعيد إنتاج الثنائية نفسها بصورة معكوسة: فإذا كانت الثنائية الأولى تجعل الثقافة قطيعةً مع الطبيعة، فإن الاختزال البيولوجي يجعل الثقافة مجرد طبيعة مقنّعة.

وفي الحالتين يضيع التعقيد الحقيقي للظاهرة الإنسانية. ولذلك فإن المطلوب ليس رد الثقافة إلى الطبيعة ولا فصلها عنها، وإنما فهم العلاقة بوصفها علاقة توليد متبادل؛ فالكائن البيولوجي يهيئ إمكانات الثقافة، والثقافة تعيد تنظيم البيئات التي يعيش فيها الإنسان، وهذه البيئات المعدلة تعود فتؤثر في مسارات التطور والسلوك والتنشئة.

وهنا يصبح مفهوم التطور المشترك بين الجينات والثقافة أكثر أهمية بالنسبة إلى أنطولوجيا العبور الطبيعي؛ لأنه يكشف أن الثقافة ليست مجرد طبقة أضيفت بعد اكتمال الإنسان البيولوجي، بل يمكن أن تدخل في الدائرة التي تعيد تشكيل شروط التطور نفسه. لقد بيّنت دراسات التطور الثقافي والتطور الجيني-الثقافي أن العلاقة بين الجينات والثقافة ليست علاقة أحادية الاتجاه، بل يمكن أن تؤثر الممارسات الثقافية في البيئات الانتقائية التي يتعرض لها الإنسان، ويمكن للتغيرات البيولوجية أن تؤثر في إمكانات التعلم والسلوك والتفاعل الثقافي.

وهذا يعني أن الإنسان لا ينتقل ببساطة من «الطبيعة» إلى «الثقافة»، بل يدخل في دائرة أكثر تعقيدًا يصبح فيها الطبيعي والثقافي عنصرين في عملية واحدة من إعادة التشكل. إن الثقافة لا تأتي بعد الطبيعة كما تأتي طبقة ثانية فوق طبقة أولى، وإنما تدخل في إعادة تنظيم المجال الذي تستمر فيه الحياة الإنسانية.

ومن هنا يمكن إدخال مفهوم آخر أكثر اتصالًا بفلسفة العبور، هو بناء الحيّز أو تشييد المكان الحيوي (niche construction). فالإنسان لا يكتفي بالتكيف مع بيئة موجودة سلفًا، وإنما يغير البيئة التي يعيش فيها، ويبني المساكن والطرق والحقول والمدن وأنظمة الإرواء والتكنولوجيا وشبكات الطاقة، ثم يعيش داخل البيئة التي أسهم هو نفسه في تشكيلها.

هنا لا يعود الإنسان مجرد كائن يتلقى شروط البيئة، بل يصبح طرفًا في إعادة إنتاجها. إلا إن هذه القدرة لا تعني استقلاله عنها، بل تجعل تبعيته لها أكثر تعقيدًا. فكلما غيّر الإنسان بيئته، صنع شروطًا جديدة يتعين عليه هو نفسه أن يعيش داخلها. 

إن المدينة، مثلًا، تبدو للوهلة الأولى نقيضًا للطبيعة، لكنها في الحقيقة نظام بيئي-تقني بالغ التعقيد يعتمد على الماء والطاقة والغذاء والمناخ والمعادن والكائنات الدقيقة وشبكات النقل والنفايات، أي إنها لا تمثل خروجًا من الطبيعة وإنما مرحلة جديدة في تنظيم العلاقة معها.

التقنية ونقد الحداثة: نحو شبكات هجينة

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التقنية أيضًا بطريقة مختلفة. فالتقنية ليست ببساطة انتصارًا للإنسان على الطبيعة، كما أنها ليست قوة خارجة عن الطبيعة؛ إنها إحدى طرائق الكائن الإنساني في توسيع قدرته على الفعل داخل العالم. فالإنسان الذي يصنع الفأس أو المحراث أو السفينة أو الهاتف أو الحاسوب لا يخلق عالمًا من العدم، وإنما يعيد ترتيب مواد وقوى وطاقات موجودة في العالم، ويحولها إلى إمكانات جديدة. ولذلك فإن تاريخ التقنية ليس تاريخ ابتعاد الإنسان عن الطبيعة، بل تاريخ توسط متزايد في علاقته بها.

وكلما ازدادت التقنية تعقيدًا، لم تختف الطبيعة، بل أصبحت أكثر حضورًا في صورة غير مباشرة: المعادن، والطاقة، والمياه، والمواد الخام، والموارد البيئية، ثم النفايات والآثار المناخية الناتجة عن استخدامها. ولهذا فإن الوهم القائل إن التقنية تحرر الإنسان من الطبيعة ينقلب في عصر الأزمة البيئية إلى مفارقة: لقد أصبح الإنسان قادرًا على تعديل البيئة على نطاق غير مسبوق، لكنه أصبح، في الوقت نفسه، أكثر انكشافًا على نتائج هذه التعديلات.

وفي هذا السياق تكتسب أطروحة برونو لاتور حول نقد الحداثة أهميتها؛ فالحداثة، في أحد أبعادها، قامت على عملية فصل بين الطبيعة والمجتمع، وبين الأشياء والبشر، وبين الوقائع والقيم، ثم أنشأت في الواقع شبكات هجينة يستحيل فيها الفصل بين هذه المجالات بصورة عملية.

فالتكنولوجيا النووية، والطب، وتغير المناخ، والهندسة الوراثية، والطاقة، والمدن، ليست «طبيعية» أو «اجتماعية» بصورة خالصة؛ إنها تكوينات هجينة يتداخل فيها العلمي والتقني والسياسي والاقتصادي والبيئي والثقافي.

ومن منظور فلسفة العبور، لا تكمن أهمية هذا النقد في إلغاء الفروق بين الطبيعة والثقافة، بل في رفض تحويل هذه الفروق إلى حدود مغلقة. فهناك فرق بين الطبيعي والثقافي، ولكن الفرق لا يقتضي القطيعة؛ والاختلاف بين المستويات لا يمنع العبور بينها.

أنطولوجيا العبور: الإنسان كعقدة متحركة في شبكة الوجود

وهنا يمكن أن نصوغ أحد المبادئ الأساسية لأنطولوجيا العبور الطبيعي: الاختلاف لا يعني الانفصال. فالطبيعي والثقافي مختلفان، لكنهما ليسا عالمين مستقلين؛ والجسد ليس اللغة، لكن اللغة لا توجد من دون جسد؛ والبيئة ليست المجتمع، لكن المجتمع لا يوجد خارج البيئة؛ والتقنية ليست الطبيعة، لكنها لا تعمل إلا بواسطة مواد وقوى طبيعية؛ والرمز ليس المادة، لكنه يحتاج إلى جهاز عصبي وجسد وذاكرة ووسائط مادية كي يظهر ويستمر. ولذلك فإن فلسفة العبور لا تنظر إلى الوجود باعتباره سلسلة من طبقات منفصلة، بل باعتباره شبكة من مستويات تتداخل وتتفاعل، بحيث لا يظهر أحدها إلا بعلاقته بالآخر.

ومن هنا يتغير معنى الإنسان نفسه. فالإنسان ليس «حيوانًا خرج من الحيوانية»، ولا «طبيعةً تجاوزت الطبيعة»، ولا «ثقافةً تحررت من شروط الحياة»، بل هو كائن يتشكل في العبور بين مستويات متعددة من الوجود.

إن إنسانيته لا تكمن في إلغاء حيوانيته، بل في قدرته على تحويلها؛ ولا تكمن في التخلص من الطبيعة، بل في قدرته على إعادة تنظيم علاقته بها؛ ولا تكمن في الوصول إلى حالة نهائية من الاستقرار، بل في البقاء داخل عملية مستمرة من إعادة التشكل. ولهذا يمكن القول إن الإنسان ليس كائنًا يقع بين الطبيعة والثقافة، وإنما هو الكائن الذي يجعل من العلاقة بينهما مجالًا لوجوده.

وعلى هذا الأساس، فإن مفهوم «العبور الطبيعي» لا ينبغي أن يفهم بوصفه انتقالًا من الطبيعة إلى ما بعدها، وإنما بوصفه حركة داخل الطبيعة تتخذ أشكالًا جديدة. فالإنسان يعبر من العضوي إلى النفسي، ومن الحسي إلى الرمزي، ومن الفردي إلى الاجتماعي، ومن البيئة الطبيعية إلى البيئة التقنية، ومن الحاجة إلى المؤسسة، ومن الحركة الجسدية إلى المعنى؛ لكنه لا يغادر في أي مرحلة شروط وجوده الطبيعية.

إن كل عبور يضيف طبقة من التعقيد دون أن يمحو الطبقات السابقة، ولذلك فإن الإنسان يحمل داخله تاريخه البيولوجي والاجتماعي والثقافي في وقت واحد. إنه كائن ذو طبقات متراكبة، لكن هذه الطبقات ليست ساكنة؛ إنها تتفاعل وتعيد تشكيل بعضها بعضًا.

وإذا كان العبور هو جوهر الوجود الإنساني، فإن الحد بين الطبيعة والثقافة لا يعود حدًا يفصل عالمين، وإنما يصبح حدًا منتجًا؛ فالإنسان ينتج الثقافة لأنه يقف على عتبة الطبيعة، لكنه لا يقف خارجها، والثقافة نفسها تعود فتنتج شروطًا جديدة للطبيعة الإنسانية.

وبذلك يمكن فهم اللغة والتقنية والمؤسسة والدين والفن والعلم لا بوصفها علامات على انتصار الإنسان على الطبيعة، وإنما بوصفها أشكالًا مختلفة من قدرته على إعادة تنظيم علاقته بالعالم. إن الثقافة، في هذا التصور، ليست نفيًا للطبيعة، وإنما هي إحدى صور الطبيعة عندما تصبح قادرة على التعلم والتذكر والرمز والتخيل والتراكم.

الحد الفاصل بين الطبيعة والثقافة عتبة تسمح بالمرور وإعادة التشكيل

وهذا يقودنا إلى نتيجة أنطولوجية أكثر عمقًا: الطبيعة ليست ما يسبق الإنسان فقط، بل ما يستمر فيه الإنسان وما يعبر من خلاله. فالطبيعة ليست ماضي الإنسان الذي ينبغي تجاوزه، بل شرطه المستمر؛ والإنسان لا يوجد فوقها وإنما داخلها، ولا يتحرر منها إلا بالمعنى المحدود الذي يعني إعادة تشكيل علاقته بشروطها. ولذلك فإن القول «الإنسان يعبر الطبيعة ولا يغادرها» ليس مجرد استعارة شعرية، بل هو مبدأ تأسيسي لفلسفة العبور؛ لأنه ينقل التفكير من منطق القطيعة إلى منطق الاستمرار، ومن ثنائية الأصل والنتيجة إلى منطق التحول، ومن تصور الإنسان بوصفه كائنًا منفصلًا عن العالم إلى تصوره بوصفه عقدةً متحركة داخل شبكة من العلاقات الحيوية والمادية والرمزية.

وعند هذه النقطة يصبح العبور الطبيعي هو المرحلة الأولى في بناء أنطولوجيا أوسع للعبور: فالإنسان يعبر الطبيعة إلى الثقافة، لكنه لا يغادرها؛ ويعبر الجسد إلى المعنى، لكنه لا يفقد جسده؛ ويعبر البيئة إلى التقنية، لكنه لا يستقل عن البيئة؛ ويعبر الحيواني إلى الإنساني، لكنه لا يمحو الحيوان الذي يسكنه.

إن كل عبور حقيقي يحتفظ بشيء من المجال الذي عبره، ويحمله إلى المجال الجديد في صورة أخرى. ولذلك فالعبور ليس قفزة فوق الحدود، بل تحويل للحدود إلى مساحات اتصال، وليس انتقالًا من وجود إلى وجود آخر، بل إعادة صياغة للوجود نفسه من خلال الحركة بين مستوياته.

ومن هنا يمكن تثبيت القاعدة الأولى لأنطولوجيا العبور الطبيعي: لا وجود إنساني خارج الطبيعة، وإنما توجد أنماط مختلفة من الحضور داخلها؛ ولا توجد ثقافة نقيضة للطبيعة، وإنما توجد أشكال ثقافية متعددة لإعادة تنظيم الحياة؛ ولا يمثل التطور انتقالًا من الطبيعي إلى ما هو غير طبيعي، وإنما يمثل تاريخًا طويلًا من التحولات التي أنتجت إمكانات جديدة داخل الحياة نفسها. بهذا المعنى لا يكون الإنسان هو الكائن الذي غادر الطبيعة، بل الكائن الذي جعل من الطبيعة مجالًا للعبور المستمر، وحوّل هذا العبور إلى لغة وتقنية وذاكرة ومؤسسة ورمز، ثم عاد بهذه المنتجات كلها إلى العالم الذي خرجت منه، فغيره وتغير بها.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.