لماذا ننجذب لأحد أبنائنا أكثر من الآخرين؟

بينما يقول معظم الناس إنهم يحبون أبناءهم بالتساوي ويسعون في جل أحوالهم لمعاملتهم بمساواة وعدالة، إلا أن الانجذاب لأحد الأبناء هو ظاهرة إنسانية طبيعية وشائعة تناولتها كثير من الدراسات النفسية، وأكدت وجودها كتفضيل عاطفي أو سلوكي لأسباب مختلفة مثل التشابه في الشخصية والاهتمامات والطباع واللاوعي والتاريخ العائلي والجنس وترتيب الولادة.

وفي هذا المقال نشرح لك لماذا تنجذب لأحد أبنائك أكثر من الآخرين، وهل المحاباة حقيقة بيولوجية أم خيار واعٍ، وما الفرق بين التفضيل العاطفي والتمييز في المعاملة، وما دور ترتيب الطفل في تمييزه عن غيره.

ما أبرز الأسباب التي تدفعنا للانجذاب لأحد أبنائنا أكثر من غيره؟

  • التشابه والاهتمامات: غالبًا ما يميل الآباء إلى الطفل الذي يشبههم ويشاركهم نفس الطباع والهوايات ويفكر بنفس الطريقة، وبالتالي يصبح التفاهم معه أسهل من غيره.
  • التعامل والطباع: في معظم الحالات، يكون الأطفال الأكثر ودًا وهدوءًا والمتعاونون مع الآباء هم الأقرب نفسيًا والمفضلون لديهم بسبب سهولة التواصل مقارنة بالأطفال الأكثر صعوبة.
  • اللاوعي والتاريخ العائلي: هناك عوامل كثيرة لا يعيها الناس قد تجعلهم يفضلون أحد الأبناء مثل تشابه الطفل مع فرد آخر من أفراد العائلة أو ككونه يذكر والده بشيء أو مرحلة في حياته.
  • الجنس وترتيب الولادة: إحدى أكثر الحالات شيوعًا في ثقافتنا العربية حينما يفضل الوالدان جنسًا معينًا أو ترتيبًا معينًا بسبب الخلفية الشخصية والثقافية.
  • الوقت المشترك: كلما زاد الوقت الذي يقضيه الوالدان مع أحد الأبناء كان مقربًا من الآخرين، حيث يقوي الوقت الخاص الروابط العاطفية ويجعله أقرب نفسيًا لوالديه.
  • الحاجة العاطفية: في كثير من الحالات ينجذب الوالدان للطفل ذي الاحتياجات العاطفية الأكبر بين إخوته، أو الطفل الذي يعبر عن حبه بشكل أوضح من الآخرين.

هل المحاباة حقيقة بيولوجية أم خيار واع؟

تصعب الإجابة عن هذا السؤال بشكل مباشر، فالمحاباة هي مزيج معقد بين الدوافع البيولوجية والاستجابات النفسية اللاواعية، وهو ما يمكن تبسيطه في النقاط التالية:

الحقيقة البيولوجية

  • من الناحية العلمية، فإن علم النفس يقول إن المحاباة لها جذور بيولوجية، حيث تميل الأجيال دائمًا إلى الطفل الأقوى الذي يُبدي مهارات بقاء عالية.
  • تدفعهم الغريزة البيولوجية لحماية الطفل الأكثر احتياجًا أو ضعفًا.
  • تميل أدمغتهم لتفضيل من يشبههم في الملامح والسمات الشخصية.

الحقيقة النفسية

  • من ناحية اللاوعي، فلا يوجد قرار من الآباء والأمهات بشكل واعٍ لتفضيل طفل على الآخر شعوريًّا أو نفسيًّا.
  • يُظهر الوالدان بشكل لا شعوري تفضيلًا للطفل الأقل عنادًا والأكثر امتثالًا، وهو ما يعد رد فعل طبيعيًا تجاه الراحة النفسية.
  • قد يفضل أحد الوالدين طفلًا يذكره بشيء يحبه أو بمرحلة في حياته، وهو ما يعد نوعًا من الامتداد النفسي للذات وليس أمرًا واعيًا أو مقصودًا.

ما الفرق بين التفضيل العاطفي والتمييز في المعاملة؟

الفرق بينهما هو مفترق الطرق بين الأبوة الطبيعية والتربية السامة. فالتفضيل العاطفي يتعلق بالقلب، والتمييز في المعاملة يظهر في الفعل. وأهم الفروق بينهما كالتالي:

  1. من حيث الماهية: التفضيل العاطفي هو شعور داخلي وتناغم كيميائي، وغالبًا هو أمر فطري خارج عن الإرادة، أما التمييز في المعاملة فهو أفعال مرئية مثل مدح طفل أو إعطائه هدايا أو إعفائه بعض المهام التي يُكلف بها إخوته.
  2. من حيث الوضوح: التفضيل العاطفي يبقى سرًّا ولا يظهره الآباء أصحاب الوعي، بينما التمييز يكون واضحًا ومنكشفًا للأبناء حيث يشعرون جميعًا بوجود من يحظى بالاستحقاق الزائد من خلال المعاملة الأبويّة.
  3. من حيث التأثير: لا يكون التفضيل العاطفي مؤثرًا على الأبناء، ويدفع الآباء لبذل مجهود إضافي لتحقيق العدالة بينهم، بينما التمييز في المعاملة يدمر العلاقة بين الإخوة ويؤدي إلى اضطرابات سلوكية طويلة الأمد.
  4. من حيث المسؤولية والأخلاق: لا نستطيع أن نحاسب أي شخص على ما يدور في قلبه، وبالتالي لا يستوجب الشعور بالذنب، أما التمييز في المعاملة فهو خطأ تربوي وأخلاقي كبير حيث تقع المسؤولية على الآباء في تحقيق العدالة في العطاء والثواب والعقاب.

متى يصبح تفضيل أحد الأبناء ضارًا له؟

في حالات كثيرة، يصبح الطفل المفضل في موقف لا يُحسد عليه، حيث يتحول التفضيل إلى عبء نفسي يفقده التوازن الشخصي أو يدفعه للعزلة أو يصيبه بالنرجسية، وهو ما يظهر في الحالات التالية:

  • ضغط المثالية: من الحالات الشائعة أن يصاب الطفل المفضل بالخوف الدائم من فقدان هذه المكانة، ويشعر بالقلق المستمر من ارتكاب أي خطأ، ويخفي مشاعره الحقيقية حتى لا يخيب أمل والديه.
  • ضعف الشخصية: مع التفضيل لطفل معين، يندفع الأبوان لحمايته بشكل زائد، وبالتالي ينمو الطفل اعتماديًا وغير قادر على حل المشكلات نتيجة عدم اكتساب المهارات.
  • العزلة الاجتماعية: هذا التفضيل الذي نظنه في صالح الطفل يجعله ينعزل بالتدريج عن إخوته، ويراهم منافسين يحقدون عليه، وهو الأمر الذي يحرمه من شبكة الدعم الاجتماعي.
  • نمو الأنا المتضخمة: تلك الحالة التي نطلق عليها النرجسية، فالطفل الذي يحصل على الامتيازات كلها يتطور لديه شعور بالاستحقاق، ويظن أن كل شيء من حقه، وبالتالي يصطدم بالواقع عندما ينخرط مع المجتمع.
  • الشعور بالذنب: بعض الأطفال يتطور لديهم شعور بالذنب تجاه إخوتهم عندما يدركون أنهم مفضلون وأن هناك ظلم يقع على الآخرين، وبالتالي لا يستمتع الطفل بحياته أو بعلاقته مع والديه.

كيف أتغلب على انجذابي لأحد أبنائي أكثر من الآخرين؟

ليس الأمر جريمة تستحق الشعور بالذنب، وإنما يتطلب التعامل بوعي مع هذه المشاعر لتحديد أثرها حتى لا تتحول إلى سلوك يضر ببقية الأبناء من خلال الاستراتيجيات التالية.

  1. عليك أن تتقبل شعورك بالانجذاب لأحد أبنائك أكثر من الآخرين حتى لا يستهلك الأمر طاقتك النفسية وبالتالي يؤثر على علاقتك بالبقية.
  2. عليك أن تنظر إلى نقاط القوة في أبنائك الآخرين والتركيز على الصفات الطيبة بشكل دائم حتى يتبرمج عقلك على رؤية قيمتهم الخاصة.
  3. حاول أن تقضي وقتًا أكثر مع أبنائك الآخرين مع الحرص على أن يكون الوقت ممتعًا، وهو ما يزيد من الانجذاب ويرفع من مستوى الكيمياء النفسية بينكما.
  4. عليك أن توازن في ردود أفعالك بين الأبناء جميعًا، وذلك عن طريق مراقبة نفسك حين تبتسم أو يظهر في نبرة صوتك أو لمساتك لطفل معين دون الآخرين.
  5. الأهم أن تحافظ على نظام المكافآت والعقوبات بين الجميع بحيث تصبح المعايير واضحة للكل، وليست وفق المزاج العاطفي، فلا تتساهل مع شخص دون الآخر ولا تشدد على شخص دون الآخر.

في النهاية، يبقى الانجذاب لأحد الأبناء ميلًا فطريًّا وتناغمًا كيميائيًّا لا شعوريًّا يدخل في نطاق الطبيعة البشرية، ولا يعيب الأبوة ما دام بقي حبيس القلوب. إن التحدي التربوي الحقيقي يكمن في امتلاك الوعي الكافي لمنع هذا التفضيل الفطري من التحول إلى تمييز سلوكي ظاهر؛ فالعاطفة قد لا تُقسّم بالتساوي، لكن العدل في المعاملة يظل واجبًا أخلاقيًّا لحماية السلام النفسي للأسرة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.