وهم الانتظار بعد الفراق.. معركة القلب بين الماضي والمستحيل

تعاركنا أنا والفراق طويلًا، كما يتعارك غريبان في محطةٍ لا يعرفان فيها طريق العودة. كنتُ أظنُّ -بسذاجةٍ تشبه الإيمان الأول- أن كل فراق يعقبه لقاء، وأن الحياة تُجيد إعادة ترتيب الوجوه التي تسقط منا في الزحام. لكن شيئًا ما انكسر في تلك المعركة؛ شيء يشبه الوعد الذي لم يُخلق ليُنفَّذ، بل ليُقال فقط كي لا نسقط سريعًا.

الفراق جسد غريب في محطة العودة

كنتُ أقف في منتصف الطريق، أحمل يقينًا هشًّا بأنَّ اللقاء آتٍ، ولو تزحزح الكون بأكمله. غير أن اللقاء لم يأتِ، لا لأنني لم أبحث عنه، بل لأن المسرح الذي كنتُ أراه أمامي لم يكن مسرحًا للحقيقة، بل مسرحًا للوهم. إضاءة خافتة، ستائر ممزَّقة، وأدوار نعيد تمثيلها دون أن ننتبه أن النص تغيَّر ونحن لم نتغيَّر معه.

وهم الانتظار الخصم الحقيقي ومسرح الحقيقة الكاذبة

الفراق لم يكن خصمي الحقيقي؛ خصمي كان وهم الانتظار. ذلك الانتظار الذي يربط القلب بحبلٍ رفيع بين الماضي والمستحيل، فيتركه معلقًا لا يلمس الأرض ولا يعانق السماء. أدركت متأخرًا أن اللقاء الذي نبحث عنه خارجنا، يسكن غالبًا داخلنا، وأن أشدَّ اللقاءات ألمًا هي تلك التي نشتهي حدوثها على الرغْم من أن صاحبها اختار الرحيل.

لم ينعدم اللقاء حقًا؛ الذي انعدم هو وهمه. تلاشى مثل دخانٍ يتشكَّل لحظةً ثم يذوب، تاركًا خلفه رائحةً خفيفة من الحقيقة. الحقيقة التي تقول:

لا يعود الذين غادَروا بقرار، ولا يُرمَّم الفراغ الذي يصنعه غيابهم إلا بأن نهدم المسرح الذي انتظرناهم عليه.

هكذا انتهت معركتي مع الفراق، ليس بانتصارٍ ولا بهزيمة، بل باكتشاف أن بعض الفراقات ليست جسورًا نحو اللقاء، بل أبوابًا نحو حياةٍ جديدة، أوسع، وأنقى، وخالية من الوهم.

تعاركنا أنا والفراق طويلًا؛ معركةٌ لم تكن عاصفةً ولا هادئة، بل أشبه بلقاءٍ مؤجَّل بين قلبٍ يريد أن يفهم، وظلٍّ لا يريد أن يُرى. كنت أظنُّ، كما يظنُّ كلُّ من أحبَّ مرة، أن بعد الفراق لقاء، وأنَّ الأرواح التي تتقاطع لا يمكن أن تضلَّ الطريق إلى بعضها. لكن شيئًا ما حدث: انعدم اللقاء، لا لأن الطرق اختفت، بل لأنَّ الطريق نفسه كان مسرحًا للوهم.

الوهم، ذلك المكان الذي نقف عليه بثياب الحقيقة، في حين الإضاءة كلُّها مسلَّطة على الفراغ. كنتُ أرقب الباب ينتظر صوت خطوات، وأقنع نفسي أن الصمت مؤقَّت، وأن الغياب مجرد فصلٍ قصير قبل عودةٍ كريمة، لكن الفصول طالَت، والمسرح برد، والستارة سقطت من ثقل الانتظار.

الفراق ليس خسارة شخص الفراق خسارة فكرة

الفراق ليس خسارة شخص؛ الفراق خسارة فكرة. فكرة أننا قادرون على إنقاذ ما اختار أصحابه الغرق، أو إعادة من رحل وهو يعلم تمامًا أيَّ بابٍ أغلق. اللقاء الذي حلمت به لم يمت، لكنَّه لم يكن. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

جميلة ورائعة كلماتك
تحياتى وتقديرى لك 🌹
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.