يُعد الغذاء الكافي حاجة إنسانية أساسية، وضمانًا أساسيًا لحياة الإنسان. وفي ظل العولمة، تسعى كل دولة إلى تأمين أمنها الغذائي وضمان رفاهية شعبها، ويتطور كل من البُعدين العالمي والمحلي للأمن الغذائي تحت تأثير أنظمة التجارة الدولية متعددة الأطراف، فيما يندمج الأمن الغذائي على نحو عميق في قواعد هذه الأنظمة.
تتعدد المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بالغذاء، مثل: الأمن الغذائي، والاكتفاء الذاتي للغذاء، والسيادة الغذائية، والعدالة الغذائية؛ فهل تعكس جميعها المعنى نفسه؟ أي: هل هي كلمات مترادفة؟
وسيتناول المقال شرحًا موجزًا لكل تعريف على حدة، مع تناول مثال لاستدامة الإمدادات الغذائية.
الأمن الغذائي يتحقق بتوافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه واستخدامه واستقراره، بينما يركز الاكتفاء الذاتي على الإنتاج المحلي فقط ولا يضمن وحده تحقيق هذا الهدف.
الاكتفاء الذاتي food self-sufficiency
بحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «FAO»، فإن مفهوم الاكتفاء الذاتي الغذائي يعني مدى قدرة بلد ما على تلبية احتياجاته الغذائية من إنتاجه المحلي. ويتمثل التطبيق العملي لهذا المفهوم في أن الاكتفاء الذاتي الغذائي يعني أن الدولة تنتج نسبة من احتياجاتها الغذائية تقارب أو تتجاوز 100% من استهلاكها الغذائي، بهدف التقليل من مستوى التبعية السياسية والاقتصادية للدول الأخرى، وبالتالي تحقيق درجة أعلى من الاستقلالية في القرارات والمواقف الدولية.
إلا أن ثمة تساؤلات حول هذا المفهوم، أهمها صعوبة تحقيقه عمليًا؛ ذلك أن تحقيق الاكتفاء الذاتي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالموارد المتاحة وقدرتها على تلبية احتياجات أفراد المجتمع.
فوجود نظام فعال للتجارة الدولية في الغذاء يُعد عنصرًا حيويًا للأمن الغذائي العالمي، في حين أن الاكتفاء الذاتي المطلق لا يتناسب مع نظام التجارة الدولية.

الأمن الغذائي Food security
هو مفهوم أوسع وأشمل من الاكتفاء الذاتي. وفقًا لمؤتمر القمة العالمي للأغذية، الذي عُقد في عام 1996، جرى تعريف الأمن الغذائي بأنه وضع يتحقق عندما يتمتع جميع الناس، في جميع الأوقات، بإمكانية الحصول المادي والاقتصادي على أغذية كافية وسليمة ومغذية، تلبي احتياجاتهم الغذائية وأفضلياتهم الغذائية، من أجل حياة نشطة وصحية.
وينشأ انعدام الأمن الغذائي نتيجةً لعدم توافر الغذاء أو عدم كفاية القدرة الشرائية، ويرتكز نهج منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة في الأمن الغذائي على 4 محاور أساسية: «توافر الغذاء، وإمكانية الوصول إليه، واستخدامه، واستقراره».
أصبح تحرير التجارة الدولية مصدرًا مهمًا للتوتر في التغيرات الزراعية المعاصرة، مع اندماج الزراعة في النظام التجاري العالمي. وأعادت العولمة توجيه الاهتمام من الاكتفاء الذاتي الغذائي القائم على التجارة إلى الأمن الغذائي القائم على توافر الغذاء.
وفي ظل تحرير تجارة المواد الغذائية، وتقليص الحماية الإدارية لمنتجي الأغذية، وفقًا لقواعد منظمة التجارة العالمية، فقدت مجموعة من الدول جزءًا من سيادتها على سياساتها الغذائية.
العدالة الغذائية Food justice
يشير مصطلح «العدالة الغذائية» إلى فكرة أن لكل فرد الحق في الحصول على غذاء صحي ومستدام، وينبثق هذا المفهوم من حركة العدالة الغذائية، التي تُقر بالصلة بين الغذاء والصحة والبيئة.
يشير مفهوم العدالة الغذائية إلى الجهود المبذولة لفهم ومكافحة التداخلات بين أوجه عدم المساواة العرقية والطبقية والجنسية، وبين إنتاج وتوزيع واستهلاك الغذاء. ووفقًا لمنظمة «جست فود»، فإن العدالة الغذائية هي: «ممارسة المجتمعات لحقها في زراعة وبيع وتناول غذاء طازج ومغذٍّ، وبأسعار معقولة، ومناسب ثقافيًا، يُزرع محليًا، مع مراعاة سلامة الأرض والعمال والحيوانات».
قد تُسهم مبادئ العدالة الغذائية في معالجة التفاوت في الغذاء وتأثيره على الصحة العامة، ويمكن للأفراد دعم العدالة الغذائية من خلال التعرُّف أكثر على النظام الغذائي في بلدهم أو منطقتهم، ودعم منظمات العدالة الغذائية والمزارعين، واستخدام نفوذهم لتغيير السياسات والممارسات على نطاق أوسع.
السيادة الغذائية Food sovereignty
السيادة الغذائية هي: «حق الشعوب والحكومات في اختيار طريقة إنتاج واستهلاك الغذاء، بما يحترم سبل العيش، وكذلك السياسات التي تدعم هذا الخيار».
السيادة الغذائية هي حق الشعوب في الحصول على غذاء صحي ومناسب ثقافيًا، يُنتج بأساليب مستدامة وصديقة للبيئة، وحقها في تحديد أنظمتها الغذائية والزراعية. وهي تضع تطلعات واحتياجات من ينتجون ويوزعون ويستهلكون الغذاء في صميم الأنظمة والسياسات الغذائية، بدلًا من متطلبات الأسواق والشركات.
وفي السنوات الأخيرة، اكتسب مفهوم «السيادة الغذائية» زخمًا سياسيًا متزايدًا داخل الاتحاد الأوروبي، فعلى سبيل المثال، أدرجت دولة إيطاليا في عام 2022 مصطلح السيادة الغذائية في المسمى الجديد لوزارة الزراعة والأغذية والغابات، وقد عُدِّل المسمى إلى وزارة الزراعة والسيادة الغذائية والغابات، الأمر الذي يشير إلى أهمية هذا المصطلح.
ومن جهة أخرى، اتبعت دولة فرنسا نهج إيطاليا، وأُضيف مصطلح السيادة الغذائية في مسمى وزارة الزراعة الفرنسية، وفي الآونة الأخيرة، حددت المجر هذا المفهوم كأحد أولويات رئاستها لمجلس الاتحاد الأوروبي للمدة الممتدة من يوليو إلى ديسمبر 2024.

استدامة الإمدادات الغذائية
مع الاتجاه نحو تحرير التجارة في إطار منظمة التجارة العالمية «WTO»، شملت لوائح التجارة بين الدول نطاقًا واسعًا من السياسات الزراعية والأمن الغذائي، ما جعل قواعد منظمة التجارة العالمية ذات أهمية بالغة في صياغة سياسات الأمن الغذائي على الصعيدين المحلي والدولي، وخلال جولات مفاوضات منظمة التجارة العالمية، تحول عدد كبير من الدول النامية من مُصدِّرين صافين للأغذية إلى مُستوردين صافين لها.
ومما لا شك فيه أن الدول المستوردة للغذاء ينتابها شعور بالقلق إزاء استدامة إمداداتها الغذائية ومدى تأثرها بتقلبات أسعار الغذاء، وكرد فعل على هذا التحرر الاقتصادي، تعيد هذه الدول النظر في استراتيجياتها المتعلقة بالإنتاج الزراعي المحلي ومخاوف الأمن الغذائي، وتسعى إلى اتخاذ تدابير لتحسين استدامة الإمدادات الغذائية مع حماية أسواقها الغذائية المحلية من تزايد الواردات.
تُعد روسيا أحد أبرز الأمثلة على هذا النوع من السياسات، فقد تناوبت عدة مرات بين نموذج الأمن الغذائي القائم على الاستيراد ونموذج الاكتفاء الذاتي الغذائي القائم على استبدال الواردات خلال المدة «1991-2015».
في مطلع عام 2014، أدت التداعيات الجيوسياسية في أوكرانيا إلى تفاقم العلاقات الدولية، وأثرت سلسلة من الخلافات والضغوط السياسية المتبادلة على التعاون الاقتصادي، بما في ذلك التجارة الخارجية بين روسيا وعدد من الدول، وللضغط على روسيا في سياستها الخارجية، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي وأستراليا والنرويج واليابان وكندا، بالإضافة إلى بعض الدول الأخرى، عقوبات على روسيا.
ردًا على هذه العقوبات، أصدر الرئيس بوتين في 6 أغسطس 2014 المرسوم رقم 560 بشأن «التدابير الاقتصادية الخاصة لحماية أمن روسيا»، الذي خوَّل الحكومة الروسية فرض حظر لمدة عام واحد على استيراد المنتجات الزراعية والمواد الخام والمواد الغذائية من دول أستراليا وكندا والنرويج والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
ومن البديهي أنه سيكون لهذه العقوبات آثار سلبية مباشرة وغير مباشرة على الموردين لدولة روسيا، وتتمثل الآثار السلبية المباشرة في انخفاض مبيعات الشركات المصدِّرة إلى روسيا، في حين تتمثل الآثار غير المباشرة في فائض المعروض من منتجات الألبان واللحوم والفواكه والخضراوات في أسواق الاتحاد الأوروبي، ما يؤدي إلى اتجاه المصدرين الأوروبيين إلى البحث عن أسواق جديدة.
وعلى صعيد الشأن الروسي، قد لا يكون حظر استيراد المواد الغذائية الأوروبية والأمريكية مفيدًا لشركات الأغذية والزراعة الروسية كما يبدو، نظرًا إلى اعتماد كثير من هذه الشركات على استيراد المواد الخام، وهي غير مستعدة للتوسع غير المتوقع.
تكشف البيانات أن قيمة الواردات الزراعية الروسية كانت تنمو بوتيرة أسرع بكثير مقارنة بقيمة الصادرات، الأمر الذي أدى إلى تفاقم العجز في الميزان التجاري، وقد ازداد تركيز هيكل السلع الزراعية المصدَّرة في روسيا على عدد قليل من السلع الزراعية، في حين ازداد تنوع هيكل السلع الزراعية المستوردة.
ويُعد قرار الحظر محاولة واضحة لإعادة هيكلة السياسة الزراعية الروسية وتغيير الميزان التجاري الزراعي الروسي، أو على الأقل تقليل العجز في الميزان التجاري إن لم يكن تحويله إلى فائض، كما يُعد فرصة واعدة لتعزيز المزايا النسبية للصادرات الزراعية وفتح أسواق أخرى في إفريقيا وآسيا، وفرصةً لدعم المزارعين المحليين ومنتجي الأغذية، الأمر الذي يخلق ظروفًا غير مواتية للاستيراد ويزيد من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الزراعية الأساسية، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل قواعد منظمة التجارة العالمية إذا لم يكن للوضع سياق سياسي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.