زهير زقطان في «الإمساك بالثور الهارب»: صياغة جديدة للمأساة الفلسطينية

يأتي ديوان «الإمساك بالثور الهارب» للشاعر الفلسطيني زهير زقطان بوصفه تجربةً شعريةً تتكثَّف فيها الذاكرة الجريحة مع وعيٍ إنسانيٍّ حاد، لا يكتفي باستعادة المأساة الفلسطينية كموضوع، بل يعيد صوغها كحالةٍ وجوديةٍ، فيُصبح الألمُ نمطَ حياة، والقصيدة تمرينًا يوميًا على الاحتمال.

لا يكتب زقطان من موقع الخطابة أو التقريرية، بل من منطقةٍ رماديةٍ تتجاور فيها السيرة الذاتية مع التاريخ الجمعي، فينتج نصًا هشًّا ظاهريًا، عنيدًا في جوهره.

من هو زهير زقطان؟

يُعد زهير زقطان صوتًا شعريًا ونقديًا فلسطينيًا متميزًا، انبثقت تجربته من عمق المأساة والهوية، وقد عُرف بزهده في الأضواء وميله إلى العزلة المثمرة التي مكنته من صياغة نصوص تزاوج بين الوجع الإنساني والبحث الوجودي.

ولد زهير في مخيم الكرامة بالأردن عام 1956، لأسرة فلسطينية لاجئة تعود جذورها إلى قرية «زكريا» قضاء الخليل، وهي عائلة عُرفت باشتغالها العميق بالأدب والفن؛ فوالده هو الشاعر والمناضل الراحل خليل زقطان، الذي غرس في أبنائه بذور الإبداع، مما جعل زهير ينمو في بيئة ثقافية خصبة بجانب أشقائه المبدعين، وفي مقدمتهم الشاعر غسان زقطان، إلى جانب الكاتبة والفنانة زهيرة زقطان، والفنان الراحل وضاح زقطان.

تنقل زهير في حياته بين عواصم ومنافي متعددة، مما صقل رؤيته النقدية التي لم تقتصر على الشعر فحسب، بل امتدت لتشمل دراسة القصة القصيرة في الأردن وفلسطين من منظور نفسي واجتماعي عميق، واصفًا إياه شقيقه غسان بأنه القارئ النهم والصديق الوفي للكتب الذي يكتب بصمت ويترك أثرًا جليًا.

أبرز مؤلفاته الشعرية والنقدية

ترك زهير زقطان بصمة واضحة من خلال عدة إصدارات، منها:

  • الإمساك بالثور الهارب (2025): ديوان شعري صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، يتناول فيه تجربة الفقد والاحتراق الصامت والوجع الفلسطيني المعاصر.

  • فصول قلقة (1996): إحدى مجموعاته الشعرية المبكرة التي أسست لصوته الخاص.

  • جسور خفية (2006): مجموعة نصوص تدمج بين الشعر والنثر، تستكشف موضوعات الذاكرة والمنفى.

  • سكن متبادل (2012): ديوان شعري يواصل فيه الغوص في تفاصيل الذات والمكان.

  • العلاقة الجريحة (1995): دراسة نقدية نفسية لنماذج من القصة القصيرة في الأردن.

الخصائص الفنية لشعره

تتجلى الخصائص الفنية في تجربة زهير زقطان الشعرية من خلال قدرته العالية على التقاط «نبرة الوجع» الإنساني العميقة، بعيدًا عن الصخب الإنشائي أو الشعارات المباشرة، حيث ينحاز في أسلوبه إلى التكثيف اللغوي والزهد في الزخرفة الزائدة، مما يجعل قصيدته مرآة حادة تعكس الروح التي مزقها الحنين والمنفى.

ورغم ترحاله المستمر، يظل المكان الفلسطيني بتفاصيله اليومية وذاكرته الممتدة حاضرًا في نصوصه كخلفية وجدانية ثابتة، تمنح شعره طابعًا يجمع بين الخصوصية الوطنية والبعد الإنساني الشامل.

الشاعر والناقد الفلسطيني زهير زقطان

الإمساك بالثور الهارب.. حين يكتب الجرح الفلسطيني

يعد ديوان «الإمساك بالثور الهارب» لزهير زقطان تجربة شعرية تقوم على تحويل الألم الفلسطيني من حدث سياسي إلى حالة وجودية وإنسانية. تكشف القصائد ذاتًا جريحة تحيا الفقد والاقتلاع كقدر يومي، وتمزج بين الذاكرة الفردية والجماعية دون خطابية.

يعتمد زقطان لغة مقتصدة وإيحاءات كثيفة، حيث يصبح الصمت جزءًا من المعنى، ويطلّ الأمل خجولًا بوصفه فعل صمود أخلاقي لا وعد خلاص. الديوان يؤكد الشعر كمساحة أخيرة لحماية المعنى في مواجهة المحو.

أولًا: دلالة العنوان وبنية المجاز المركزي

يحمل عنوان الديوان «الإمساك بالثور الهارب» طاقةً رمزيةً عالية؛ فالثور هنا ليس كائنًا طبيعيًا بقدر ما هو استعارةٌ للفاجعة المنفلتة، أو للقدر الفلسطيني الذي يندفع بلا لجام.

محاولةُ الإمساك به ليست فعلَ بطولةٍ بقدر ما هي إشارةٌ إلى عبث المقاومة الفردية أمام قوةٍ تاريخيةٍ عمياء. بذلك يَتَحَوَّلُ العنوان إلى مفتاحٍ تأويلي: القصائد لا تسعى إلى الانتصار، بل إلى تثبيت المعنى في مواجهة الانمحاء.

ثانيًا: الذات الجريحة بين الفقد والاحتراق الصامت

تتبدَّى الذاتُ الشعرية عند زقطان بوصفها ذاتًا مأزومةً، لا تصرخ بل تحترق بصمت. الحزن ليس طارئًا في النصوص، بل هو بنيةٌ داخليةٌ يَتَكَرَّسُ عبر صور الانكسار، والطفولة المسروقة، والخوف من التلاشي.

يستعيد الشاعرُ الماضي لا بوصفه حنينًا رومانسيًا، بل كأرشيفٍ للأذى، فتتحوَّلُ الذاكرة إلى مساحةِ صراعٍ دائمٍ بين ما كان ممكنًا وما صار مستحيلًا.

ثالثًا: من الذاتي إلى الوطني - جدل الخاص والعام

يُحسِنُ زقطان المزاوجة بين الذاتي والوطني دون الوقوع في فخ الشعارات. الوطن لا يظهر كرمزٍ مجردٍ، بل كجسدٍ مُنهَكٍ يسكن التفاصيل اليومية: المخيم، الرحيل، الخسارة المتكررة.

بهذا المعنى، تصبح التجربة الفردية مرآةً لتجربةٍ جماعية، ويغدو الألم الشخصي صيغةً مكثفةً للألم الفلسطيني العام.

رابعًا: اللغة والأسلوب - اقتصاد العبارة وعمق الإيحاء

تتسم لغةُ الديوان بالاقتصاد والشفافية، مع ميلٍ واضحٍ إلى الجملة القصيرة المشحونة بالدلالة. يعتمد الشاعر على الإيحاء أكثر من التصريح، وعلى الصورة الناقصة التي تستدعي القارئ لإكمال معناها. هذا الأسلوب يمنح النصوص كثافةً شعوريةً، ويجعل الصمت جزءًا من البنية الدلالية للقصيدة.

خامسًا: الأمل الخجول وأخلاقيات الصمود

رغم هيمنة السواد، لا يخلو الديوان من ومضاتِ أملٍ، لكنها أملٌ خجولٌ، مترددٌ، لا يزعم الخلاص. هو أملٌ أخلاقيٌّ أكثر منه سياسيًّا، يتجلَّى في الإصرار على الكتابة ذاتها، وفي تحويل الأنين إلى فعلٍ جماليٍّ يقاوم المحو والنسيان.

أخيرًا فإن زهير زقطان يقدم في ديوان «الإمساك بالثور الهارب» تجربةً شعريةً ناضجةً، تتجاوز حدود البوح الفردي إلى أفقٍ إنسانيٍّ أرحب، دون أن تفقد خصوصيتها الفلسطينية. إنه ديوان يُراهنُ على الهشاشة كقوةٍ، وعلى الشعر كمساحةٍ أخيرةٍ للدفاع عن المعنى في عالمٍ يتقن الحذف والاقتلاع.

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

كيف يمكن إرسال قراءة نقدية
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة