ليست كل الأوجاع تسمَّى ألمًا، فتوجد أوجاع لا تُرى، لا تُلمس، ولا يُشار إليها بإصبع، ومع ذلك تُحطِّم الإنسان من الداخل حتى يتلاشى.
الألم النفسي ليس إحساسًا عابرًا، ولا فكرةً أزعجتك بلحظة غضب ويمكن طردها، بل شعورًا سوداويًا بالكامل، يسكنك دون استئذان، وينهشك دون أن يترك أثرًا يُرى.
تحاول جاهدًا أن تحدد موضعه، فتقع بحيرة بين عقلك وقلبك ولربما روحك، لتكتشف بأنه ليس هنا، ولا هناك، بل في الفراغ الذي بينك وبين نفسك.
كيف يشعر المريض النفسي؟
إذا سألت: ما هو الألم النفسي؟ سنجيبك بأنه هو احتراقٌ بطيء، وكأن نارًا نشبت بك لتصهر شرايين جسدك، ولتشعل الرماد القديم، حتى تصبح رمادًا فوق رماد، كل هذا وأنت حيٌّ، دون أن تمنحك حق الصراخ أو التعبير عن الوجع.
تعب نفسي وضيق نفسي مزمن، يتحوَّل العالم من حولك إلى لونٍ واحد، لونٍ غامق، أسود ثقيل، كأن الحياة فقدت بريقها في عينيك، وفقدت أنت قدرتك على الشعور بها كما يجب.
تشعر بتبلد دون سببٍ مفهوم، وتضحك مع شهقة بكاء مريرة في أكثر لحظاتك انكسارًا؛ لأن داخلك لم يعد يستطيع التفريق بين الألم والنجاة.

هل المرض النفسي ضعف؟
لا تنعتوا المريض النفسي بالمجنون؛ فالجنون الحقيقي أن ترى نفسك كاملًا دون عيوب، نرجسيًا سليط اللسان؛ ظنًا منك بأنها قوة، والقوة الحقيقية أن يحارب الإنسان نفسه كل يوم، مجبرًا على أن يبدو طبيعيًا دون شكوى، أن يستيقظ وهو مثقل بمعركة لا يراها أحد، وأن يبتسم لأن العالم لا يحتمل حقيقة وجعه.
المرض النفسي ليس ضعفًا، بل غالبًا نتيجة قوةٍ أُسيء استخدامها؛ قوة تحمَّلت أكثر مما يجب، وأعطت أكثر مما يجب، وصمتت طويلًا، حتى انكسر الصوت في الداخل وحدث انهيار نفسي.
المرضى النفسيون ليسوا سيئين، بل مرهقون إلى حدِّ الألم، قلوبهم واسعة، أُثقلت أكثر مما أُثقلت أجسادهم؛ ولهذا انهاروا.
أعراض تمزق الروح
دعونا نضع المسميات الطبية جانبًا، ولنتحدث عن الشعور الخام الذي يمزق الروح، لنفهم كيف يكون الاكتئاب؟ وما حقيقة الاضطرابات الأخرى؟
ضعوا جميع حواسكم هنا وركِّزوا بعمق، هل جربتم شعور نوبة هلع ولو مرة واحدة في الأقل؟
هي ليست خوفًا أو رجفة من أمر ما، بل موت مؤجل. يشعرك بانسحاب روحك في كل مرة تود بها الخروج من جسدك.
حسنا .. لنرى ما بعدها.
الفرق بين الحزن والاكتئاب
أتعرفون شعور الاكتئاب؟!
لا أظن!
الكثير يخلط بين الأمرين، الحزن هو رد فعل طبيعي لموقف مؤلم ويزول مع الوقت.
أما الاكتئاب فهو ليس حزنًا فقط، ولا حتى فراغًا قاتلًا، هو خليط من الأفكار والشعور واللاشعور والتبلد وفقدان الأمل والوحدة، هو مجموعة من شيء لا يُفهم أبدًا، حتى من أصيبوا به لم يستطيعوا التعبير عنه.
لنكمل...
ماذا تعرف عن الرهاب الاجتماعي.. أو اختلال الآنية؟
هي أيضًا ليست مسميات طبية تقرأها على صفحة طبيب نفسي يشرح آلامنا بتفاصيلها الصغيرة أو في قاموس الصحة النفسية، بل هي مشاعر تمزق كيانك، لتفصلك عن الواقع الذي طالما حاولت البقاء به دون الهروب إلى حجرة خفية لا يراك بها أحد.
خائف مرتبك، تتمنى لو أن جميع حواسك لا تعمل، تحاول لملمة روحك الممزقة لتخفي أعراض ذلك المرض اللعين الذي ينهشك دون رحمة.
صامت، تنظر لنفسك ولجميع من حولك باستغراب! لتشعر بلحظة بأنك تريد اقتلاع رأسك من مكانه، لبشاعة الإحساس.
ولم تعرف قسوة هذه المرحلة حتى تجد نفسك تبحث عن الأمان الذي كان يحيط بك سابقًا، ففي هذا الحالة أنت: لا تريد المعجزات، ولا خطبًا تحفيزية، ولا أحكامًا جاهزة. وفِّروها لندواتكم المزيفة.
يل تريد إنسانًا يحمل بقلبه معنى الإنسانية، ليقول لك بأفعاله: «أنا أراك، وأصدق أوجاعك، حتى لو لم أفهمها».
تريد صدرًا لا يسأل، ويدًا لا تُدين، وعناقًا لا يطلب تفسيرًا أو بديلًا.
جميعنا نعلم بأن الوجع الجسدي واضح! يقول لك أنا هنا، له مكان، وله دواء، وله نهاية.
أما الوجع النفسي، فلا مكان له، ولا دواء له، ولا وعد بنهاية.
هو نزيفٌ لا يُرى، نزيف من الطاقة، ومن الرغبة، ومن القدرة على الاستمرار.
نزيف يجعلك تبقى متوقفًا، في حين داخلك تنهار قطعة، وتذوب الأخرى.
قبل أن تحكم، تذكّر: الألم الذي لا تراه، لا يعني أنه غير موجود.
والزمن كفيل بأن يُعلِّم الجميع، أن من سخر من وجعٍ، قد يفيق يومًا ليعيشَه كاملًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.