وجوه خلف الأقنعة.. تأمل فلسفي في جوهر الشخصية الإنسانية

 أرَّقني كثيرًا تعريف الشخصية حين درسته في المرحلة الثانوية من سُلمي التعليمي الطويل، فأحد تعريفاتها مشتق من كلمة (برسونا) اللاتينية بمعنى القناع. ويعني ذلك أن كل شخص من البشر يلبس قناعًا يظهر للجميع به، بينما يخفي وراءه ملامحه الحقيقية التي قد تختلف اختلافًا جذريًا عما يبدو من خلال القناع الظاهر للآخرين.

وتتبلور البراءة والنقاء في مدى التوافق ما بين ذلك القناع والملامح الحقيقية للفرد، في حين يتبلور الغش والخداع في مدى التباين والاختلاف ما بين القناع وما يخفيه الشخص في وجدانه وضميره الداخلي، هذا باختصار هو تعريف الشخصية اللاتيني الذي قررت أن أضعه في اختبار حقيقي لمدى جديته ومقدار توافقه مع واقع البشر.

وفي ضوء سيطرة هذه الفكرة أو المغامرة على ذهني وإلحاحها المستمر لتطبيقها على بعض معارفي وأصدقائي، أو الذين يظهرون أنهم أصدقائي، فاجأت مجموعة من ضيوفي الذين كنت أستضيفهم وأحتفي بهم في صالوني الأدبي الذي أعقده في الغالب بصورة غير منتظمة تحدث كل شهر أو أكثر حسب ما تسمح به الظروف، وبدعوات مباشرة إلى أشخاص محددين من الأصدقاء والمعارف والزملاء. طلبت من الحضور في منتصف جلستنا تقريبًا -وباقتراح مفاجئ مباشر غير متوقع- أن يخلعوا أقنعتهم جميعًا ويتصرفوا بصورة حقيقية تعبِّر عن مضمون ما في دخيلة نفوسهم من مشاعر وأحاسيس ومواقف وآراء ورؤى وتخيلات وإلهامات، بل ورغبات ونوازع كذلك، وبمعنى عملي أن يتصرفوا على راحتهم وكأنهم في حالة سُكر.

ضحك الجميع لعبارة «حالة سُكر» هذه، وتمنى بعضهم أن لو يُتاح لهم أن يشربوا الخمر في هذه الجلسة على سبيل المبالغة في الضيافة والإكرام من جانب صاحب الدعوة الذي هو أنا طبعًا، ولكن هيهات أن أفعل ذلك، فأنا ضد تغييب العقل في كل الأحوال. ولكن التجربة التي شرعت فيها لم تكن أكثر من اختبار أو فكرة غير نمطية قررت أن أسير وراءها حتى النهاية.

كنت أتخيل أن طلبي هذا يقابل بالرفض أو التحفظ، ولكني فوجئت وبعد مدة صمت من الحضور امتدت دقائق احتوت على تبادل متعمق للنظرات والتحديق في الوعي واللاوعي في ذات اللحظات.

فوجئت بالموافقة على طلبي بخلع الأقنعة بترحيب وقبول من الحاضرين حتى أدهشتني لمعرفتي الراسخة برغبة كل شخص في البقاء في المنطقة الآمنة خلف القناع أو البرسونا، ولكن يبدو أن كثيرًا من الأشخاص قد سئموا من وضع الأقنعة ويرغبون في الظهور بوجوههم الحقيقية؛ لأن ذلك ربما يحقق لهم الوصول إلى أهدافهم بصورة مباشرة وحاسمة، والبعض الآخر قد يجد في التخلص من القناع مزيدًا من الشفافية والوضوح.

عامة، وأيًا كانت أهدافهم الكامنة، لقد خلعوا أقنعتهم بالفعل، وما هي إلا دقائق أُخريات حتى وجدت أشخاصًا غير الأشخاص، ووجوهًا غير الوجوه، فقد تحول بعضنا إلى ذئاب، وبعض آخر إلى عصافير ونعاج وكلاب، ورأيت أسودًا وثعالب وحملانًا وحمائم وصقورًا، ورأيت أيضًا بشرًا عاديين هم كما هم بعد أن خلعوا أقنعتهم. ولكن لحسن حظي -ومما أسعدني- أني وجدت بعض الملائكة لهم وجوه نورانية أجمل بكثير من القناع الذي كانوا يخفون به هذا الجمال والنقاء الذي جبلهم الله عز وجل عليه.

وفي عشر دقائق تقريبًا كانت الذئاب تتأهب للعواء تمهيدًا للانقضاض على الفرائس، والأسود تستعد للزئير، والكلاب تحاول أن تنال قدرًا من الغنائم، أما الثعالب فتترقب في صمت مهيب وخبث مريب حتى لا تقع في خطأ يكلفها كثيرًا؛ لأنها الكائنات الوحيدة من بين الحاضرين التي أدركت بدهائها أن هذا الوضع غير طبيعي وسرعان ما سيزول، وإلا فإن الحاضرين سيدمرون أنفسهم بأنفسهم، وسيبقى على قيد الحياة فقط من يلوذ بالصمت. لم تتحمل الكلاب كثيرًا من الصبر وبدأت في النباح عاليًا، بينما الذئاب أخذت في العواء؛ ما أغرى الأسود بالتدخل والزئير عاليًا ليلزم كل واحد حدوده.

وفي ظل الأخطار المحدقة، تحوَّل المكان إلى ما يشبه حلبة تبادل اللكمات والاتهامات، وبدأت الألفاظ والكلمات والتعبيرات تتخلى عن اللياقة واللباقة -بل والنفاق إن شئت- المعهود وجودهم في مثل تلك اللقاءات.

ولما علا صوت الشتائم محكًا أخيرًا قبل الانقضاض لاصطياد الفرائس همَّت الملائكة ذوو الوجوه النورانية الجميلة بمغادرة المكان، فلم يعد مناسبًا لوجودها بعد أن تكشفت الأقنعة، وحين حاولت الحملان الوديعة أن تتبع الملائكة في الرحيل خوفًا على حياتها كان لا بد للهجوم الساحق أن يبدأ، فستضيع الفرص من الانتهازيين إذا تأخروا أكثر من ذلك. وحين فتحت الذئاب أفواهها عن آخرها وبرزت أنيابها القاتلة في محاولة النهش من أجساد الوادعين وذوي النوايا الصافية، انتابتني حالة من الصراخ العالي، في حين لا يسمعني أحد أو أن الجميع قد أصموا آذانهم دوني.

قتلني الصراخ المختلط بالندم المرير وأنا أطلق من حنجرتي «البسوا أقنعتكم رجاء، البسوا أقنعتكم رجاءً»، وبرغم تعقد الموقف وضراوة المشهد كان في داخلي يقين بأن هناك مفتاحًا كامنًا لحل القضية، ومن الواجب ظهوره على الفور كالمهدي المنتظر مع الفارق طبعًا. بح صوتي وصرت أصرخ بصوت مسموع أو غير مسموع، لست أدري في الحقيقة، ولكني وجدت نفسي مستمرًا في الصراخ بالصوت المخنوق القادم من الأعماق «أعتذر لكم، أنا آسف، البسوا أقنعتكم رجاءً».

ولكن للأسف، فيبدو أن الوقت كان قد فات، ودخل الحضور في مشهد دراماتيكي عدواني هجومي دفاعي معقد، وذلك حين كنت أصحو من نومي عند الخامسة صباحًا، وحمدت الله عز وجل كثيرًا أن الجميع لا يزالون يلبسون الأقنعة، ولم يكن ثمة مفتاح آخر للخروج من ذلك الفخ إلا اليقظة من ذلك الكابوس المزعج، أدركت ذلك حين استيقظت.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.