الحياة الاقتصادية في العصر العباسي قصة ازدهار التجارة والصناعة والترف

بلغت الدولة العباسية شأوًا بعيدًا في التقدم والرقي، حتى عرفت ازدهارًا واسع الأطراف، نالت معه لقب الإمبراطورية. وقد ترامَت أطراف تلك الدولة، ناحية النصارى واليهود والمزدكيين «أو الزرادشتيين»، الذين نشط العرب المسلمون، لأخذ دورهم؛ والحلول محلهم في الدولة المتقدمة لتتسلّم الصدارة، بجدية مستحدثة.

في هذا المقال، نستعرض ملامح الاقتصاد في العصر العباسي، من شبكات التجارة العالمية إلى الصناعات المبتكرة ومظاهر الثراء التي لا تزال تدهش المؤرخين.

مفاتيح الازدهار: شبكة التجارة العالمية في العصر العباسي

وما كادت أقدامهم تطأ الثغور التي أصبحت في عهدتهم، حتى ازدهر إنتاجها البحري، بقوة نشاطهم، وإقبالهم على ضبط العمل فيها. وباتت مرافئ بغداد والبصرة وسيراف والقاهرة والإسكندرية، موانئ مهمة، يشار إليها بدهشة وإعجاب، لما اعتراها من تقدم مضطرد وتطور يميل نحو الحسن من جديد الأمور.

وكان للخليفة المنصور شأو كبير في هذا المضمار، إذ دفع المسلمين شرقًا إلى الصين، وعزز معها المواصلات البحرية والفارسية والعربية، فامتلأت الإمبراطورية الإسلامية بالحرير الواصل إليها عن طريق سمرقند وتركستان الصينية.

وقد ابتكر المنصور طريقة ناجحة للتسريع بإيصال الحرير، عن طريق القوافل المتعددة المنتشرة على طول الطريق، إذ تتسلَّم المنقول دون تعبٍ أو مشقة، إضافة إلى الكمائن المنصوبة على طرفي الطريق، منعًا لغزو اللصوص وقطاع الطرق. وكان للسفارات دور بارز في منتصف القرن الثامن الميلادي، سجلته المدونات الصينية الراجعة إلى تلك الحقبة التي نحن بصددها.

الخليفة المنصور

وبواسطة التجارة، وصل الإسلام إلى الجزيرة الهندية، التي أنشأت سنة 1945م دولة جديدة باسم ولايات إندونيسيا المتحدة. وبلغت التجارة غربًا بلاد مراكش وإسبانيا. وفكر هارون الرشيد قبل دي لسبس بنحو ألف سنة بحفر قناة السويس.

ولم تنشط تجارة العرب كثيرًا في البحر المتوسط والبحر الأسود، ولكن سفنهم كانت تمخر في بحر قزوين، لقربه من المراكز الفارسية الهامة في المدن العامرة كسمرقند وبخارى، وما وراءهما من أراضٍ آهلة بالسكان.

وكان التجار المسلمون يحملون من تلك البلاد المختلفة: التمور والسكر والقطن، والمنسوجات الصوفية، والأدوات الفولاذية، والأواني الزجاجية، ثم يعودون ببضائع مختلفة من التوابل والكافور والحرير من أقاصي آسيا، والعاج والأبنوس والرقيق الأسود من إفريقيا المعمورة آنذاك، بكثير من التعاسة والشقاء والأرقّاء من الصقالبة والترك.

مظاهر الثراء الفاحش: الترف العباسي

ويتسنى للباحث الوقوف على عظم الثروة التي تنعم بها أمراء المال في ذلك العصر، والسعة التي كانوا فيها، من قصة ابن الجصاص الجوهري ببغداد، فقد ظل غنيًا موسرًا على الرغم من أن المقتدر صادر منه ستة عشر مليون دينار. وكان أول من عرف من هذه الأسرة التي نبغ فيها بعده كبار تجار الجواهر والأحجار الكريمة.

ونرى كلما أوغلنا في الدراسة، أن الأثرياء من كبار تجار البصرة استطاعوا حيازة مراكب تنقل البضائع إلى الأصقاع المترامية الأطراف، وتأمين دخل مالي يجاوز المليون درهم. ومن الذين اشتهروا في البصرة وبغداد أحد الأثرياء الذي بلغ مقدار ما يخرج صدقة كل يوم مائة دينار.

الترف العباسي

وحين بلغ ثراؤه مسامع الخليفة المعتصم، جعله وزيرًا له، رغم ما عرف عنه من جهل وشدة غباء. وتكاثر الدخل المالي على التجار، فزادوا من إنفاقهم على تزيين منازلهم وزخرفتها. وقد بلغ ما أنفقه أحد التجار على منزله في «سيراف» أكثر من مائة ألف درهم. ووصل خبره إلى تاجر آخر، فشدته المنافسة إلى إنفاق ثلاثين ألف دينار على تزيين منزله.

ويوجد تاجر مضى ما يزيد على أربعين سنة مسافرًا في البحر؛ وبلغت ثروته نحو أربعين مليون دينار أو تزيد، وصفة دوام السفر في البحر ملازمة لأهل سيراف الذين بلغوا شأوًا كبيرًا في فنهم التجاري، المعتمد على صناعة وطنية عامة، أو زراعة واسعة.

الزراعة والصناعات الغذائية

شملت الزراعة في الدولة العباسية أنحاء الإمبراطورية، وتركزت في آسيا الغربية على حياكة السجاد والنسيج الموشى لتعليقه على الجدران. إضافة إلى ما تقدم، انتشرت حياكة الحرير والقطن والمنسوجات الصوفية، والديباج والأطلس وأغطية الوسائد وغيرها من أدوات الفرش والأثاث وأواني الطبخ.

صناعة النسيج في العصر العباسي

وقد كانت أنوال فارس والطرق الكثيرة تنسج أفخر أنواع السجاجيد والمنسوجات. وكان لأم الخليفة المستعين «252هـ/866م» سجادة حيكت لها خصيصًا. وقد بلغت أكلافها مائة وثلاثين مليون درهم، عليها صور لكثير من أنواع الطيور، مصنوعة من الذهب، وعيونها من الياقوت وسواه من أحجار اللآلئ والجواهر النادرة.

وفي مدينة بغداد، ذاع ذكر حي يعرف باسم «العتابي» نسبة إلى أمير نزل فيها، وأصبح النسيج المصنوع في ذلك الحي يعرف بالنسيج العتابي. ثم أخذ عرب الأندلس في تقليد حياكته، وأصبح مشهورًا بلفظة المحرَّف «Tabi» في فرنسا وإيطاليا، وصدّر إلى أقطار أوروبا.

وقد اتصلت الكلمة باللغة الإنجليزية التي تطلق فيها لفظة «Tabby» على الهرر المخططة. وأنتجت الكوفة المناديل الحريرية وما شابهها، لتلك التي تلبس على الرأس، ويطلق عليها اسم الكوفية في عصرنا الحاضر. يضاف إلى ذلك، اشتهار مدينة «توج» و«فسا» من أعمال فارس بمعامل كثيرة ممتازة لصنع البسط وثياب الوشي والديباج والطراز، وهو لبس الترف الذي كان يصنع لملبوس الخلفاء والأمراء في مجال الإعزاز والتفاخر، وكان يطرز عليه اسم الخليفة أو الأمير الذي صنع له. وعرفت معامل اشتهرت بزركشة الدمقس الموشى بالذهب، والستائر المصنوعة من الخز.

أما منسوجاتهم المصنوعة من وبر الإبل والماعز، والعباءات المصنوعة من الحرير المغزول، فقد كانت كلها واسعة الانتشار. وكانت شيراز تصدر العباءات الصوفية المخططة، والأقمشة الناعمة، والديباج المُقَصَّب.

واشتهرت خراسان وأرمينية بأغطية الفرش والستائر وأغطية الموائد. واختصت بخارى بسجادها الفاخر المميز الشكل والنوع. وبلدان ما وراء النهر، التي كانت الدولة العباسية تبسط عليها يدها، اشتهر مجتمعها بتجارة اقتصادية حوت من الصناعة أهمها: الصابون والبسط والقناديل والنحاس والآنية المصفحة، وعباءات اللباد، والفرو والعنبر والعسل، والبواشق والمنقصات والإبر والسكاكين والسيوف والقسي واللجم، إلى جانب الأرقّاء من الصقالبة والترك ومن لف لفهم في تجارة الرقيق الشائعة.

الزجاج والفسيفساء والورق

أمّا الموائد والمقاعد والقناديل والشماعد والمزهريات والفخار وأدوات المطبخ، فكانت تُصنع في سوريا ومصر. وكان النسيج المصري المعروف بالدمياطي «نسبة إلى دمياط»، والدبيقي «نسبة إلى دبيق»، والتينسي «نسبة إلى تينس»، قد اشتهر في العالم وقلّده الفرس. وقد كانت بعض الصناعات الفنية القديمة المألوفة في عصور الفراعنة لا تزال معروفة بشكل أخف في الصناعات القبطية.

وكانت بلاد الشام قد اختصت بصنع الزجاج في صيدا وصور وسواهما من المدن التي حافظت على هذه الصناعة منذ عهد الفينيقيين. وقد ضُرب المثل بالزجاج السوري لرقّته وصفائه المغرق في شفافية بلورية جذّابة.

وكان الزجاج المخطّط منه والمطلي بالميناء، مثالًا اتخذه الأوروبيون إثر الحروب الصليبية لصنع الزجاج الملوّن، الذي استعملوه لتزيين كاتدرائياتهم.

وكثر الطلب في العصر العباسي على الآنية الزجاجية والمزهريات المعدنية من مصنوعات الشام، وأصبحت تُعَدُّ من لوازم المنزل ومن متممات الرفاهية.

الزجاج في العصر العباسي

وكانت مناشر الزجاج تُعلّق في المساجد والقصور، وعليها كتابات بالميناء من مختلف الألوان. وكانت دمشق مركز صناعة واسعة للفسيفساء والقاشاني، وإليها يرحل طالبو هذه الأصناف.

والقاشاني اسم يُطلق على نوع من القرميد المصقول، المسدس الشكل، وقد رُسمت عليه صور زهور مألوفة. ويُستعمل لتزويق الأبنية والجدران من الداخل والخارج. وعرفت الحياة الاقتصادية العباسية صناعة ورق الكتابة التي دخلت إليها من الصين عن طريق سمرقند.

ويعود إلى الخليفة المعتصم «218هـ/833م» فضل إنشاء معامل الصابون والزجاج في بغداد وسامراء. كما يعود إليه الفضل في تنشيط صناعة الورق.

وكان الترف والبذخ المنتشر في قصور الخلفاء قد شجّع على نشر صياغة الجواهر، وعلى رأسها اللؤلؤ والياقوت الأزرق والأحمر والزمرد والماس. وكانت العامة من الناس تستعيض عن هذه الجواهر الثمينة بالفيروز والجزع. وممّا يُذكر أن حجرًا من الياقوت الأحمر ذي الحجم الكبير وصل إلى هارون الرشيد عن طريق ملوك الأكاسرة، فدفع ثمنه أربعين ألف دينار.

وممّا يُحكى أن الخليفة المكتفي «296هـ/908م» خلّف من الجواهر والطيب ما يُقدّر ثمنه بعشرين مليون دينار. وقد جرى في وليمة ملكية فخمة أقامها المتوكل «232هـ/847م»، وتُعد هي وعرس المأمون حادثتين فريدتين لا ثالث لهما في الإسلام، أن استُعملت موائد وصوانٍ من الذهب مرصّعة بالجواهر. والخليفة العباسي الثالث عشر المعتز هو أول من أحدث الركوب بحلية الذهب على سرج يُطلى بماء الذهب.

كنوز الأرض: المعادن في العصر العباسي

وزيادة في إبراز مظاهر الترف العباسي المغرق في البذخ، نعرض للخليفة المقتدر «322هـ/932م» الذي كان نموذجًا للإسراف التزويقي الفاحش، إذ إنَّ خزانته كانت ملأى بالجواهر النفيسة التي ينثرها على محظيّاته إبّان نشوته في مجالس اللهو، ليرقصن ويغنين وهنّ متزينات بها، ثم يأمر بأن تُجمع في الصباح لإعادتها إلى مخابئها. وكان يجد لذّة متناهية الترف في عرضها والتلذّذ بمشاهدتها. والذي ساعد المجتمع العباسي على استعمال هذه الجواهر الثمينة هو غِنَى الإمبراطورية العباسية بالمعادن.

المعادن في العصر العباسي

  • العقيق الأحمر من صنعاء.

  • الحديد من لبنان.

  • الرخام من تبريز.

  • الصلصال والإثمد (معدن الكحل) من أصبهان.

  • القير والنفط من بلاد الكرج.

  • الزئبق والزفت والقطران من فرغانة.

  • الكبريت من سوريا وفلسطين.

  • حجر الفتيلة من وراء النهر.

إرث اقتصادي غيّر العالم

في الختام، لم يكن العصر العباسي عصرًا ذهبيًّا للشعر والفلسفة فقط، بل كان أيضًا ذروة الازدهار في الاقتصاد الإسلامي. بفضل شبكة تجارة عالمية متقدمة، وصناعة إسلامية في القرون الوسطى كانت مبتكرة ومتنوعة، وقوة شرائية هائلة، بنت الدولة العباسية إرثًا اقتصاديًا لا تزال آثاره ملموسة حتى اليوم في أسماء المنتجات وطرق التجارة العالمية.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة