تتميز اللغة العربية بدقة نظامها النحوي وسعته العجيبة التي تستوعب أدق الفروق الدقيقة في المعاني؛ فالفعل فيها ليس كلمةً جامدة تؤدي معنى واحدًا مسطحًا، بل هو محور أساسي تنتظم حوله علاقات متعددة بين الفاعل والمفعول وسائر عناصر الجملة المختلفة.
وكلما اتسع الفعل في تعديته وتجاوزه لفاعله، اتسعت معه دائرة المعنى، حتى يبلغ بعض الأفعال ثلاثة مفاعيل، فيحمل الفعل الواحد في طياته خبرًا متكاملًا من أطرافه المتعددة، ويكشف للقارئ والسامع عن المعنى في صورة أكثر إحاطة وشمولًا ووضوحًا.
إن هذه الظاهرة النحوية الفريدة تجعل الجملة العربية كيانًا ديناميكيًا قادرًا على نقل رسائل معقدة بأوجز العبارات وأكثرها سبكًا.
وتُعرف الأفعال التي تنصب ثلاثة مفاعيل في كتب النحو بباب «أعلم وأرى وأخواتهما». وقد اشتهر عند النحاة أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل محصورة في سبعة أفعال رئيسة، هي: أعلم، أرى، نبّأ، أنبأ، أخبر، خبَّر، حدَّث. ويجمع هذه الأفعال كلها معنى الإعلام والإخبار وإيصال المعرفة، وإن اختلفت طرائق تعديتها وأصولها الصرفية، وتفاوتت درجات اليقين أو نوعية الأخبار التي تنقلها، فبعضها يختص بالأنباء العظيمة، وبعضها يختص بنقل الحديث العادي.
وتنبع أهمية هذا الباب من كونه يجمع بين الصرف والنحو والدلالة في آن واحد؛ فدخول همزة التعدية على بعض الأفعال يغيّر عدد مفاعيلها وينقلها من حال إلى حال، ثم إن المفعولين الثاني والثالث في «أعلم» و«أرى» وأخواتهما يرتبطان في الأصل بجملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر مستقلين.
وقد أفرد الإمام ابن مالك هذا الباب في ألفيته الشهيرة، وشرحه ابن عقيل وغيره من جهابذة علماء العربية، مبرزين مدى إسهام هذه القاعدة في إثراء طرائق التعبير في لغة الضاد.
الفعل المتعدي
ينقسم الفعل في اللغة العربية، بالنظر إلى حاجته إلى المفعول به وقدرته على تجاوز الفاعل، إلى فعل لازم وفعل متعدٍّ، ولكل منهما خصائصه التي تميزه وتحدد وظيفته في بناء الجملة.
فالفعل اللازم هو الذي يكتفي بفاعله ولا يحتاج إلى مفعول به لإتمام المعنى، مثل: نامَ الطفلُ، وجلسَ الطالبُ، وخرجَ المسافرُ، ونهضَ العاملُ. فالمعنى هنا يتم بالفاعل والفعل، ولا يحتاج المتلقي إلى مفعول يقع عليه الفعل، بل يكتفي الذهن بالصورة الحدثية التي تحققت في الفاعل نفسه دون أن تتجاوزه إلى غيره.
أما الفعل المتعدي فهو الذي لا يكتفي بفاعله، بل يتجاوز أثره إلى مفعول به أو أكثر، فلا يستقيم المعنى ولا يكتمل إلا بذكر هذا المفعول الذي وقع عليه فعل الفاعل، مثل: قرأَ الطالبُ الكتابَ، وزارَ المسافرُ صديقَه، وأكرمَ المُضيفُ ضيفَهُ.
ومن حيث عدد المفاعيل، يمكن أن يتدرج الفعل المتعدي في تعديته إلى:
- مفعول واحد، وهو النمط الأكثر شيوعًا، مثل: قرأَ الطالبُ الكتابَ، وكتبَ الكاتبُ مقالًا.
- مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر (وهي أفعال القلوب واليقين والرجحان)، مثل: ظننتُ الطالبَ مجتهدًا؛ فأصل الجملة قبل دخول الفعل: الطالبُ مجتهدٌ.
- مفعولين ليس أصلهما مبتدأ وخبرًا (وهي أفعال العطاء والمنح)، مثل: أعطيتُ الفقيرَ مالًا، وكسوتُ اليتيمَ ثوبًا؛ فلا يصح أن نقول هنا: الفقيرُ مالٌ.
- ثلاثة مفاعيل، وهو موضوع هذه الدراسة العميقة، مثل: أعلمتُ الطالبَ الامتحانَ قريبًا.
وهنا تظهر خصوصية هذا الباب النحوي؛ إذ لا تتوقف وظيفة الفعل عند نقل الحدث إلى مفعول واحد أو اثنين، بل يمتد أثره بقوة إلى ثلاثة عناصر، تتضافر جميعًا لبناء المعنى المتكامل، مما يجعل الجملة بمنزلة قصة قصيرة متكاملة الأركان.
ما هي الأفعال المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل؟
حصر علماء النحو هذه الأفعال المشهورة في هذا الباب في سبعة أفعال أساسية تدور حول إيصال العلم والمعرفة. هذه الأفعال هي:
أعلمَ
أرى
نبَّأَ
أنبأَ
أخبرَ
خبَّرَ
حدَّثَ
وقد نصّ ابن مالك رحمه الله على هذه الأفعال صراحةً في ألفيته، فقال في أبيات محكمة:
إلى ثلاثةٍ رأى وعلِما عُدِّيَا إذا صارا أرى وأعلما
وكأرى السابقَ نبَّأَ أخبرا حدَّثَ أنبأ كذاك خبَّرا
ويظهر من هذا التقسيم المنهجي أن «أعلم» و«أرى» يمثلان الأصل الأوضح والقاعدة الصلبة في هذا الباب؛ لأنهما ينقلان الفعل من التعدية إلى مفعولين إلى التعدية إلى ثلاثة مفاعيل بواسطة أداة صرفية واضحة وهي (همزة التعدية).
أما الأفعال الخمسة الأخرى فتتصل اتصالًا وثيقًا بمعنى الإعلام والإخبار، ولذلك أجراها النحاة مجرى «أعلم» و«أرى» في التعدية إلى ثلاثة مفاعيل، وحملوها عليها حملًا دلاليًا؛ لأن المعنى هو الحاكم الأول في لغة العرب.
«أعلم» و«أرى» وهمزة التعدية
تُعدّ همزة التعدية (أو همزة النقل كما يسميها بعض الصرفيين) من الوسائل الصرفية الفعالة التي تزيد الفعل تعدية، فتجعل ما كان فاعلًا مفعولًا به، وتوسع الدائرة التركيبية للجملة.
فإذا كان الفعل لازمًا، مثل: خرجَ محمدٌ (اكتفى الفعل بالفاعل).
فإننا إذا أدخلنا عليه همزة التعدية قلنا: أخرجتُ محمدًا.
وهنا أصبح «محمد» مفعولًا به منصوبًا بعدما كان فاعلًا مرفوعًا.
وإذا كان الفعل متعديًا إلى مفعول واحد، مثل: لبسَ خالدٌ ثوبًا.
جاز أن نقول بإدخال الهمزة: ألبستُ خالدًا ثوبًا.
فصار الفعل متعديًا إلى مفعولين، وازدادت الجملة كثافة.
أما إذا كان الفعل متعديًا في أصله إلى مفعولين، فإن همزة التعدية قد تنقله بقوتها إلى ثلاثة مفاعيل دفعة واحدة، كما في الفعلين «أعلم» و«أرى».
الفعل «أعلم»
أصل «أعلم» هو الفعل عَلِمَ، وهو من الأفعال القلبية التي تنصب مفعولين، إذا كان بمعنى المعرفة أو اليقين القلبي، وكان مفعولاه في الأصل مبتدأ وخبرًا متلازمين.
نقول: علمَ الطالبُ الأمرَ سهلًا.
فأصل التركيب الاستقلالي: الأمرُ سهلٌ.
ثم إذا دخلت همزة التعدية على الفعل تغيّر المشهد النحوي ليصبح:
أعلمتُ الطالبَ الأمرَ سهلًا.
وهنا نجد التوزيع الآتي:
الطالبَ: مفعول به أول منصوب (وهو من كان فاعلًا قبل دخول الهمزة).
الأمرَ: مفعول به ثانٍ منصوب.
سهلًا: مفعول به ثالث منصوب.
أما أصل الجملة قبل التعدية فهو: علمَ الطالبُ أن الأمرَ سهلٌ. فكان «الطالب» فاعلًا يمارس فعل العلم، ثم نقلته همزة التعدية إلى المفعول الأول الذي يقع عليه فعل الإِعلام.
الفعل «أرى»
الأصل في «أرى» أنه من «رأى» القلبية، أي التي بمعنى علم أو اعتقد وأدرك إدراكًا باطنيًا، وليس المقصود بها الرؤية البصرية بالعين المجردة.
فنقول: رأى خالدٌ الأمرَ سهلًا.
ثم بإدخال الهمزة: أريتُ خالدًا الأمرَ سهلًا.
فـ «خالدًا» مفعول أول، و«الأمرَ» مفعول ثان، و«سهلًا» مفعول ثالث.
وهنا ينبغي التنبيه بشدة إلى أن رأى البصرية تختلف تمامًا عن «رأى» القلبية؛ فقولنا:
رأى الطفلُ القمرَ.
يعني أبصره بعينه ورآه رؤية حقيقية، وهي تتعدى في أصل استعمالها إلى مفعول واحد فقط. أما «رأى» التي بمعنى علم أو اعتقد فتجري مجرى أفعال القلوب، وتتعدى إلى مفعولين، فإذا دخلت عليها همزة التعدية صارت «أرى» متعدية إلى ثلاثة مفاعيل في الموضع الذي يستوفي شروط هذا الباب بوضوح.
الأصل التركيبي للمفعولين الثاني والثالث
من أهم الخصائص النحوية التي تمنح هذا الباب فرادته أن المفعولين الثاني والثالث أصلهما مبتدأ وخبر في «أعلم» و«أرى» وما جرى مجراهما من الأفعال.
ففي الجملة: أعلمتُ الطالبَ الامتحانَ قريبًا.
نستطيع بكل سهولة أن نعيد المفعولين الثاني والثالث إلى أصلهما المرفوع فنقول: الامتحانُ قريبٌ.
وهذه الجملة الاسمية المستقرة هي الأساس الدلالي الذي دخل عليه الفعل «أعلم»، ثم أضيف إليها المفعول الأول، وهو الشخص الذي وُجّه إليه الإعلام.
وبذلك يمكن تمثيل البناء التركيبي للجملة على النحو الآتي:
أعلمتُ + الطالبَ + الامتحانَ + قريبًا
أي: أعلمتُ الطالبَ أن الامتحانَ قريبٌ.
بذلك نفهم بعمق أن المفعول الأول يدل غالبًا على المُعْلَم أو المُخْبَر (متلقي الرسالة)، في حين يدل المفعولان الثاني والثالث على المعلومة أو الخبر نفسه (مضمون الرسالة). وهذه الخاصية هي التي تجعل الجملة ذات ثلاثة مفاعيل أكثر كثافة وثقلًا من الجملة العادية؛ فهي لا تكتفي ببيان الفعل، بل تحدد من تلقى الخبر، وما هو الخبر، وما الحكم الدقيق الذي أُسند إلى ذلك الخبر.
وقد ترتب على كون المفعولين الثاني والثالث أصلهما المبتدأ والخبر أنه يجري عليهما ما يجري على المبتدأ والخبر من أحكام؛ كجواز أن يكون المفعول الثالث جملة فعلية أو اسمية أو شبه جملة.

الأفعال الخمسة الدالة على الإعلام والإخبار
إلى جانب «أعلم» و«أرى»، ذكر النحاة خمسة أفعال أخرى تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، هي: نبَّأ، أنبأ، أخبر، خبَّر، حدَّث. وهذه الأفعال متقاربة في الدلالة؛ إذ تدور جميعها حول نقل الخبر وإيصال العلم إلى المخاطَب، ولكنها تختلف في ظلال المعاني؛ فـ «النبأ» في اللغة أخص وأعظم من مجرد الخبر.
الفعل نبَّأ
نقول: نبَّأتُ المسافرَ الطريقَ آمنًا.
المسافرَ: مفعول أول.
الطريقَ: مفعول ثان.
آمنًا: مفعول ثالث.
ومن الشواهد الشعرية المشهورة التي طارت بها كتب النحو قول النابغة الذبياني:
نُبِّئتُ زُرعةَ والسفاهةُ كاسمِها يُهدي إليَّ غرائبَ الأشعارِ
والشاهد هنا استعمال «نُبِّئت» (وهو مبني للمجهول) يتعدى فيه الفعل (نبأ) لتضمينه معنى (أعلم) إلى ثلاثة مفاعيل: التاء نائب فاعل (المفعول الأول)، زرعة مفعول ثانٍ، والجملة الفعلية (يهدي) مفعول ثالث.
وقد أوردت كتب النحو والمعاجم هذا البيت في باب «أعلم وأرى وأخواتهما» كدليل قاطع على عمل هذا الفعل.
الفعل أنبأ
نقول: أنبأتُ الطالبَ الخبرَ صحيحًا.
فـ «الطالب» مفعول أول، و«الخبر» مفعول ثان، و«صحيحًا» مفعول ثالث.
ومن شواهد الشعر العظيمة قول الأعشى:
وأُنبئتُ قيسًا ولم أبلهُ كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنِ
وقد استشهد النحاة بهذا الاستعمال على «أنبأ» بمعنى أخبر وأعلم، حيث «قيسًا» مفعول ثان (لأن التاء نائب فاعل وهي المفعول الأول في الأصل)، و«خيرَ» مفعول ثالث.
الفعل أخبر
من أمثلته: أخبرتُ الطالبَ الموعدَ قريبًا.
أي: أخبرت الطالب أن الموعد قريب. وهذا الفعل يفيد نقل الخبر المجرد دون التزام بكونه عظيم الشأن كـ «نبأ».
الفعل خبَّر
ومن أمثلته: خبَّرتُ صديقي الطريقَ قريبًا.
أي: أخبرته بأن الطريق قريب. والتضعيف هنا (الشدة) يفيد التكثير أو المبالغة في الإخبار.
الفعل حدَّث
ومن أمثلته: حدَّثتُ صديقي الرحلةَ ممتعةً.
أي: حدّثته بأن الرحلة ممتعة. وفيه دلالة على المحادثة والمشافهة.
والجامع الدلالي بين هذه الأفعال أنها تجعل الخبر ينتقل من المتكلم إلى السامع، ثم تعرض هذا الخبر في صورة حكم أو وصف؛ ولذلك كان من الممكن أن تتسع بنيتها لتستوعب ثلاثة مفاعيل بمرونة فائقة.
شواهد الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل في القرآن الكريم
تتجلى بلاغة اللغة العربية في أعلى صورها في كتاب الله عز وجل، وقد وردت في القرآن الكريم آيات عدّة تُعد شواهد حية على الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل: وهو الفعل الذي ورد في الآيات القرآنية متجاوزًا فاعله لينصب ثلاثة مفاعيل إما ظاهرة أو مضمرة، وغالبًا ما يُستخدم في القرآن في مواضع كشف الحقائق الكبرى، أو تصوير مشاهد يوم القيامة، أو إظهار قدرة الله في تغيير المدركات واليقينيات، نجد آيات تفيض بالدلالات.
من أوضح هذه الشواهد قوله تعالى:
﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167].
في الفعل «يريهم» نجد الضمير «هم» في محل نصب مفعول به أول، و«أعمالهم» مفعولًا به ثانيًا، و«حسرات» مفعولًا به ثالثًا على إعراب جمهور النحاة في هذا الباب. وهذا من الشواهد القرآنية الواضحة على تعدية «أرى» إلى ثلاثة مفاعيل، وفيه دلالة بلاغية مذهلة، إذ يصوّر كيف يعرض الله أعمال الكافرين أمامهم فتتحول رؤيتهم لها إلى حسرة يقينية مستقرة في قلوبهم.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى:
﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ﴾ [الأنفال: 43].
فالفعل «يريكهم» اتصل بضميرين متصلين؛ الأول (الكاف) مفعول به أول، والثاني (هم) مفعول به ثانٍ، ثم تأتي «قليلًا» لتتم الصورة النحوية والدلالية كمفعول به ثالث. ولذلك عُدّت الآية من شواهد هذا الباب البارزة في كتب النحو، حيث يري اللهُ نبيه الكفارَ في صورة القلة ليثبت القلوب.
شواهد الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل في الشعر العربي
كان الشعر العربي، ديوان العرب وسجل مآثرهم، ميدانًا خصبًا لحفظ الظواهر النحوية؛ لأن الشاعر العربي القديم كان يستعمل اللغة في سعتها الطبيعية وبديهتها الصافية، فتأتي التراكيب النحوية في شعره شاهدة على فصاحة الاستعمال وقوة السبك.
ومن الشواهد التي أوردها علماء العربية قول النابغة الذبياني:
نُبِّئتُ زُرعةَ والسفاهةُ كاسمِها يُهدي إليَّ غرائبَ الأشعارِ
وقول الأعشى:
وأنبئتُ قيسًا ولم أبلهُ كما زعموا خيرَ أهلِ اليمنِ
وقول العوّام بن عتبة بن سعد:
وخبّرتُ سوداءَ الغميمِ مريضةً فأقبلتُ من أهلي بمصرَ أعودُها
وقد أوردت مصادر نحوية كثيرة هذه الشواهد عند الحديث عن «أعلم وأرى وأخواتهما»، لما فيها من استعمال أفعال الإعلام والإخبار في أعلى درجات العربية الفصيحة.
ولا تكمن قيمة هذه الشواهد التراثية في إثبات القاعدة النحوية الجافة فحسب، بل في أنها تكشف عن مرونة العربية وروحها الوثابة؛ فالفعل يتحرك في الجملة كما يتحرك المعنى في النفس: مرةً يخبر، ومرةً ينبئ، ومرةً يحدث، لكنه في كل حال يمدّ جسرًا متينًا بين عالم المتكلم وعالم السامع، ناقلًا أدق المشاعر والأخبار.
إعراب الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل
حتى تكتمل الفائدة المرجوة من هذه الدراسة، لا بد من استعراض جمل تتضمن ثلاثة مفاعيل وهي تراكيب لغوية مبنية على فعل من أفعال باب «أعلم وأرى» وفاعل، يليهم ثلاثة أسماء منصوبة، الأول منها يمثل متلقي الخبر، والثاني والثالث يكونان جملة اسمية في الأصل تمثل مضمون الخبر.
وسنقوم في هذا القسم ببيان إعراب الفعل المتعدي إلى ثلاثة مفاعيل: وهو التحليل النحوي الدقيق الذي يوضح بناء الفعل وعلامته الإعرابية، يليه إعراب الفاعل، ثم تحديد المفاعيل الثلاثة المتتابعة وبيان علامات نصبها الأصلية أو الفرعية.
المثال الأول: أعلمتُ الطالبَ الدرسَ سهلًا
أعلمتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء ضمير متصل مبني على الضم في محل رفع فاعل.
الطالبَ: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
الدرسَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
سهلًا: مفعول به ثالث منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
(وأصل المفعولين الثاني والثالث قبل دخول الفعل: الدرسُ سهلٌ).
المثال الثاني: أريتُ أحمدَ الأمرَ واضحًا
أريتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل.
أحمدَ: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وهو ممنوع من الصرف لوزن الفعل والعلمية فلا ينون.
الأمرَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
واضحًا: مفعول به ثالث منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة بتنوين النصب.
(والأصل: الأمرُ واضحٌ).
المثال الثالث: أخبرتُ صديقي السفرَ قريبًا
أخبرتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل.
صديقي: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بالحركة المناسبة للياء، وهو مضاف، وياء المتكلم ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه.
السفرَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
قريبًا: مفعول به ثالث منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
(والتقدير الدلالي: أخبرتُ صديقي أن السفرَ قريبٌ).
المثال الرابع: أنبأتُهُ الخبرَ صحيحًا
أنبأتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل.
التاء: ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
الهاء: ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول.
الخبرَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
صحيحًا: مفعول به ثالث منصوب، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
(والأصل التركيبي: الخبرُ صحيحٌ).
المثال الخامس: حدّثتُ المهندسينَ المشروعَ منجزًا
حدّثتُ: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل.
المهندسينَ: مفعول به أول منصوب، وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
المشروعَ: مفعول به ثانٍ منصوب، وعلامة نصبه الفتحة.
منجزًا: مفعول به ثالث منصوب، وعلامة نصبه الفتحة.
ملاحظات لغوية مهمة
ينبغي عند دراسة هذا الباب مراعاة مجموعة من الضوابط المنهجية حتى لا تختلط الأفعال المتشابهة في الصورة، المختلفة في العمل النحوي والدلالي.
- أولها: أن رأى البصرية ليست كـ «رأى القلبية». فقولنا: رأيتُ القمرَ (مفعول به واحد) يختلف تمامًا عن قولنا: رأيتُ الحقَّ واضحًا (مفعولان). فالأولى بمعنى أبصرت بالعين، والثانية بمعنى علمت أو اعتقدت بالقلب والعقل.
- ثانيها: أن دخول همزة التعدية لا يعني دائمًا وبصورة آلية أن الفعل سيصبح متعديًا إلى ثلاثة مفاعيل؛ بل يتوقف ذلك يقينًا على عدد المفاعيل التي كان الفعل يتعدى إليها قبل دخول الهمزة. فإذا كان الفعل لازمًا صار متعديًا إلى واحد (خرج: أخرج)، وإذا كان متعديًا إلى واحد صار متعديًا إلى اثنين (لبس: ألبس)، وإذا كان من الأفعال التي تتعدى إلى مفعولين أصلهما مبتدأ وخبر، كـ «علم» و«رأى» القلبية، صار «أعلم» و«أرى» متعديًا إلى ثلاثة.
- ثالثها: أن استيفاء المفاعيل الثلاثة ذكرًا في اللفظ ليس شرطًا صارمًا في كل جملة؛ فقد يُحذف بعضها جوازًا اعتمادًا على القرينة اللفظية أو المعنوية. فاللغة العربية لا تتحرك وفق قوالب جامدة، وإنما تتسع بمرونة للحذف والتقديم والتأخير متى بقي المعنى واضحًا وجليًا للمتلقي.
- رابعها: أن الأفعال الخمسة: نبّأ، أنبأ، أخبر، خبّر، حدّث، قد تعدّت إلى ثلاثة مفاعيل في الاستعمال الذي يتضمن معنى الإعلام باليقينيات والمدركات، ولذلك ألحقها النحاة بباب «أعلم وأرى». وقد ناقش كبار العلماء والمحققين أصل هذا الإلحاق وطرائق تفسيره، فرأى بعضهم أنها قاصرة عن بلوغ قوة «أعلم»، لكن المشهور والمعتمد في كتب النحو المدرسية وشروح الألفية إثباتها في هذا الباب بلا تردد.
يتضح من هذه الدراسة الشاملة وجود أفعال تتعدَّى إلى ثلاثة مفاعيل، وهي تمثل صورة دقيقة ومشرقة من صور ثراء اللغة العربية واتساع طاقاتها التعبيرية. فهي لا تنقل الحدث وحده، وإنما تنقل معه أطراف الخبر وعناصره وتفاصيله، فتجمع في تركيب واحد محكم بين المُخبَر (من يتلقى الرسالة)، والخبر (موضوع الرسالة)، والحكم المسند إلى الخبر (النتيجة أو الوصف).
وقد اشتهر في هذا الباب العظيم سبعة أفعال، هي: أعلم، أرى، نبّأ، أنبأ، أخبر، خبّر، حدّث. ويأتي «أعلم» و«أرى» في مقدمة الباب ورأسه؛ لأنهما ينشآن من «علم» و«رأى» بعد دخول همزة التعدية الصريحة، فينتقل الفاعل الأصلي بخفة إلى موقع المفعول الأول، ويبدو جليًا بقاء المفعولين الآخرين على أصلهما من كونهما مبتدأ وخبرًا في المعنى.
وتكشف لنا هذه القاعدة الأصيلة عن جانب مضيء من جمال النظام النحوي العربي؛ فالنحو قطعا ليس مجموعة من العلامات الإعرابية الجافة والقواعد الصارمة، بل هو هندسة دقيقة للمعنى، وبناء منطقي يحفظ لكل كلمة مكانها المناسب ووظيفتها الدقيقة. وإذا كانت الكلمة في الجملة تشبه حجرًا أساسيًا في بناء متين، فإن الفعل هو اليد الماهرة التي تجمع هذه الأحجار في صورة واحدة متسقة، وقد تمتد يده أحيانًا بقوة إلى ثلاثة مفاعيل، فتكتمل بها صورة الخبر وتتجلى البلاغة.
ومن هنا تبدو دراسة هذا الباب أكثر من مجرد تمرين إعرابي مدرسي؛ إنها نافذة واسعة نطل منها على سعة العربية، وعلى قدرتها العجيبة الفائقة في أن تختصر معنى طويلًا ومكتظًا بالتفاصيل في جملة قصيرة محكمة التركيب، وأن تجعل من الفعل الواحد جسرًا حيويًا يصل بين المتكلم الحاذق، والمخاطب المنتبه، والخبر المنقول، والحكم الصادر عليه، في تناغم لغوي لا نظير له.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.