الإعلام وصناعة الهوية

فهذا الإعلام يفتقر إلى غايته الأخلاقية، ويتحول إلى مجرد أداة في الهيمنة والدعاية السياسية، فإن تلك الدعاية التي يشرف عليها مثقفو النظام السياسي من رجال فكر وإعلام وفنون وتحاول تكريس مقولة الهيبة والقائد من أجل السيطرة على إرادة الجماهير، بمعنى أصح تكريس (البروباجندا) لإقناع المُسْتَقْبل لها بأنه بحاجة دائمة إلى القائد الاستثنائي والشعور بالحاجة دائمًا.

كل هذا أسهم بصناعة علاقة مصطنعة مع الماضي للأمة المتخيل والمفعل إعلاميًا من أجل خلق حنين طاغٍ جماعي إلى ماضي الأمة وأمجادها وفتوحاتها، كما سبق وأشرنا إلى مفهوم الذاكرة، إذ تم العمل إنتاج الثقافة الجماهيرية، وتوزيعها في المؤسسات الخاضعة للنظام في التعليم، وسائل الإعلام، وتحقق لها ذلك بفضل عوائد النفط، التي مكنت النظام من بناء مكانة جبارة للسيطرة، من هندسة الجمهور والتلاعب به، وإخضاعه إلى جانب العنف الذي يعتمد على الأمن والجيش جاء الإعلام من أجل إكمال الغاية التي نشدها النظام.

رغم هذا التوصيف لحال الجماهير إلا أن هناك فرق مهم بين خطاب السلطة الشمولية والطبقات المنتفعة منها، وخطاب الطبقات الخاضعة لها تأتي الحالة الأولى بوصفها أيديولوجيا تبرر السيطرة وتسوغها؛ إذ هي ترتبط بطبقة اجتماعية حينما تكون في الحكم؛ أي في ممارستها الفعلية للسلطة، وهذا حال الأيديولوجيا التي يمثلها النظام السياسي والطبقات والطائفة المتحالفة معه، وتتخذ منه وسيلة في دعم تخندقنا العصبي الذي يستثمر السلطة، ويكون لها معين، وأداة يقابلها الطائفة الأطراف، والتي تعيش اغترابها اليوتوبيا الحالم بالخلاص؛ وهي الطبقة المحكومة التي تكون داخل حيز الحكم تؤدي واجبات محددة، بمعنى أن الأيديولوجيا الفعالة في الميدان السياسي مرتبطة بمصالح الفئات التي تصارع لتصل إلى السلطة السياسية، والمصلحة هنا تعني المصلحة الاقتصادية الجلية؛ حيث ترى ذاتها حقيقة مطلقة ومنافساتها غلطًا وتدلیسًا، ومن خلال الصراع الذي يظهر بين الفئات والطبقات السياسية، لكن المقابلة كما إنها تؤشر الاختلاف بينهما وبين صياغات مفهومية أقدم، كان يتم عبرها مقابلة الأيديولوجيا مع كل من الواقع والعلم، بينما لم ينظر إلى اليوتوبيا إلا بعدها حلمًا أو خيالًا دالًا على رغبة.

الرغبة في الخلاص من الهيمنة التي توفر للنظام المشروعة، وسبب أن الجمعات العصبية أو الطائفية ترفض القبول بالتمثيل الذي يقدمه النظام سياسيًا وعسكريًا يعود إلى قادة فإن الطبقات الخاضعة للنظام وسلطته لا يحقق الاتصال الإعلامي تأثيره بالفعل؛ لأن الاتصال الجمعي ما هو إلا عنصر واحد فقط ضمن أربعة عناصر هامة تحدد الاستجابات المتوقعة، وهذه العناصر الثلاثة هي أولًا، الحالة الشخصية للمستقبل، ثم انتماؤه إلى جماعات معينة ومشاركته في معايير هذه الجماعات، وثالثًا يأتي موقفه الذي فيه يستقبل الاتصال أو لا، هنا تتخذ طائفة الأطراف من تراثها وثقافتا الخاصة يوتوبيا بديلة من أجل رفض الأيديولوجيا المفروضة سياسيًا وإعلاميًا واجتماعيًا من قبل السلطة السياسية، هذا ينتج مجتمعًا مفتتًا، البديل لكل هذا هو النظام القائم على الديمقراطية يكون نظامًا مغايرًا يقوم أساسًا على التعاقد الاجتماعي والشراكة وتدشين مؤسسات المجتمع المدني وحرية الرأي والاعتقاد (إن أحد خياراتها في العقلانية والديمقراطية، وفصلت الدين عن الدولة، وأطلقت مؤسسات المجتمع المدني لتؤسس الاندماج والوحدة، من داخل التنوع والاختلاف).

بعد الحديث عن التوظيف الدعائي للأعلام الذي هو أسوء بكثير من التوظيفات الاستهلاكية للخطاب التجاري في وقت أن الإعلام يجب أن يكون له دور في النقد والتقويم ورفع شعارات تربط بشكل جدلي بين الإعلام وتقدمه وحريته والديمقراطية، تعيد النظر بكل التوظيفات السلبية وتنفتح على متطلبات العصر بكل أحداثه وتحولاته، وعرض السؤال عمن يصنع العالم اليوم؟ وكيف يصنع ويتشكل؟ وبصيغة أوضح: كيف تتشكل القوة بوجوهها الثلاثة: المعرفة، والثروة، والسلطة؟ إذ لا يمكن لنا النقد والمراجعة بالتالي لا يمكن إجراء الحوار أو التقريب بين الهويات والانتماءات المختلفة أو المتنازعة، إلا على أساس الاعتراف المتبادل القاضي بأن يعترف الواحد أن للآخر حقيقته وحقه الواجب، كان يقر اللّاهوتي بأحقية العلماني وبالعكس، أو يعترف الغربي بإنسانية سواه، بالتالي لكي يتحقق لنا هذا لا بد أن نكون قادرين على النقد والمراجعة لكل تلك الخطابات الأيديولوجية سواء كانت قومية أو دينية حتى لا يمكن لها أن تكون فوق النقد والمراجعة، إذ لا تعود الأفكار جوهر قائمة في ذاتها من غير محل أو حيز أو بلا أرض ولا جسد، بل تغدو ثمرة مخاض، أعني محصلة اشتغال المرء على ذاته ولغته، أو على ذاكرته وتراثه، أو أزمنته وتواريخه، أو نماذجه وتمثلاته أو على صوره وأطيافه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.