الاعتماد على نصائح السوشيال ميديا قد يدفع بعض المرضى إلى التشخيص الذاتي أو تأخير زيارة الطبيب أو تعديل خطط العلاج بناءً على معلومات غير موثوقة، بينما تعزز الخوارزميات انتشار المحتوى الأكثر إثارة وتفاعلاً لا الأكثر دقة. لذلك تبقى المنصات الرقمية وسيلة للتثقيف الصحي العام، أما القرارات العلاجية ووصف الأدوية فيجب أن تستند إلى تقييم طبي مباشر وتشخيص متخصص.
أصبح الاعتماد على السوشيال ميديا في النصائح الصحية من الظواهر التي تحتاج إلى دراسة؛ حيث أصبح يؤثر بدرجة كبيرة على قرارات العلاج، وهو ما يمكن أن يكون مصدرًا خطيرًا للتضليل والتأثير السلبي على قرارات المريض نتيجة المعلومات غير الصحيحة التي لا تصدر عن متخصصين، أو نتيجة أبحاث ودراسات غير موثوقة، أو لكونها لا تتناسب مع الحالة الطبية.
وفي هذا المقال نوضح لك كيف يؤثر الاعتماد على السوشيال ميديا في القرارات العلاجية، وكيف تساهم خوارزميات المنصات في تعزيز المعلومات المضللة، وهل تُعتبر نصائح الأطباء على السوشيال ميديا استشارات طبية؟
ما أبرز تأثيرات نصائح السوشيال ميديا على قرارات العلاج؟
يوجد كثير من التأثيرات السلبية وبعض التأثيرات الإيجابية الخاصة بزيادة الوعي والتمكين للمريض، بالإضافة إلى التأثير الكبير على علاقة المريض بالطبيب، وهو ما يمكن تفنيده كالتالي:
التأثيرات السلبية
- يؤدي الاعتماد على نصائح السوشيال ميديا إلى تأخر المريض في تلقي الرعاية الطبية المهنية؛ حيث يعتمد على تلك النصائح بدلاً من زيارة الطبيب المختص، وهو ما قد يؤدي إلى تفاقم الحالة الصحية.
- تساعد السوشيال ميديا في نشر الشائعات والوصفات المضللة والمعلومات غير المثبتة علمياً، وبالتالي عدد من التجارب الخطيرة للعلاج أو حتى تجنب بعض العلاجات المعتمدة مثل الأدوية واللقاحات.
- اتجاه كثيرين إلى عملية التشخيص الذاتي من خلال البحث عن أعراض المرض على الإنترنت، وبالتالي يتخذون قرارات غير علاجية، وغير سليمة، وغير مبنية على معلومات صحيحة.
- قد يتجه بعض المرضى إلى تغيير خطط العلاج أو تجربة أدوية جديدة نتيجة نصائح مستخدمين آخرين على منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يضر بحالاتهم الصحية.
التأثيرات الإيجابية
- ساهمت منصات التواصل الاجتماعي دون شك في زيادة الوعي الصحي حول طرق الوقاية والأمراض والنصائح الصحية العامة.
- كثير من المرضى يستفيدون من فكرة المجموعات المتخصصة حيث الدعم النفسي وتبادل الخبرات مثل مجموعات الأمراض المزمنة.
- بعض المنصات توفر فرص التواصل مع الأطباء والمتخصصين، وهو ما يسهل فكرة الحصول على النصائح الطبية والإجابات السريعة الموثوقة.
التأثير على العلاقة بين المريض والطبيب
- ساعدت منصات التواصل الاجتماعي على تغيير العلاقة بين الطبيب والمريض؛ حيث أصبح المريض أكثر وعيًا ومشاركة في القرارات العلاجية نتيجة انفتاحه على كم هائل من المعلومات والتجارب والخبرات.
- ساعد الإنترنت أيضًا على ظهور فجوة كبيرة من عدم الثقة بين المريض والطبيب نتيجة تعارض المعلومات التي قد يحصل عليها المريض من الإنترنت مقابل المعلومات التي يحصل عليها من الطبيب.

كيف تساهم الخوارزميات في تعزيز المعلومات الطبية المضللة؟
لا تقصد الخوارزميات أن تنشر المعلومات المضللة، وإنما تحاول الحفاظ على انتباه المستخدم، وبالتالي تقدم له ما يتناسب مع اهتماماته، بغض النظر عن كونه صحيحًا أو غير صحيح، وهو ما يمكن شرحه كالتالي:
إعطاء الأولوية للتفاعل
- تم تصميم الخوارزميات لتحقيق التفاعل من مشاركة وتعليقات وإعجاب دون الاهتمام بكون المعلومات صحيحة أو مفيدة أو مضللة.
- غالبًا ما تكون المعلومات المضللة أكثر إثارة للعواطف مثل الوصفات السحرية الخارقة والمؤامرات الطبية الكبيرة، وهو ما يجعلها تحقق انتشارًا وتفاعلًا كبيرًا.
- تشير الدراسات الحديثة إلى أن المحتوى الذي يتميز برداءة الجودة العلمية غالبًا ما يحقق نسب تفاعل عالية، وهو ما يُطلق عليه (مفارقة التفاعل والدقة).
غرف الصدى ودوامة المحتوى
- غالبًا ما تقدم الخوارزميات المحتوى الذي يتناسب مع اهتمامات المستهلك، وبالتالي إذا كان يهتم بوصفة معينة أو نظرية طبية غير مثبتة، فإن الخوارزميات تقدم له مزيدًا من المحتوى الذي يغذي اعتقاده ويدفعه للوثوق به.
- مع هذا التكرار، يُحاصر المستخدم في دائرة من المعلومات التي ربما تكون غير صحيحة وتبعده عن المعلومات المضادة ووجهات النظر الطبية الأخرى، وبالتالي يصبح على قناعة كبيرة بالدواء أو الوصفة أو العلاج.
- مع الوقت يصبح المستخدم أكثر تمسكًا بفكرته التي استمدها من الإنترنت، وربما يتجه لنظام غذائي أو وصفات متطرفة وخطيرة نتيجة الترويج المستمر، وهو ما يُطلق عليه دوامة المحتوى.
تحفيز المؤثرين وصعوبة المراقبة
- في معظم الحالات، يبحث المؤثرون على السوشيال ميديا عن الأرباح التي تحققها التفاعلات، وبالتالي يتجهون إلى المعلومات الصحية المضللة التي تجذب انتباه أكبر عدد من المستهلكين لتحقيق المكاسب المادية من زيادة وقت المشاهدة.
- وحتى مع وجود آليات لمراقبة المحتوى المضلل ومراجعة المعلومات الطبية، إلا أن الأمر يبدو صعبًا؛ حيث تتطور التقنيات التي تتجاوز الفلاتر وأدوات المراقبة بالذكاء الاصطناعي، وينتشر المحتوى الطبي المضلل بشكل كبير يصعب مراقبته بالكامل.
هل تُعتبر نصائح الأطباء على السوشيال ميديا استشارات طبية؟
لا يمكن أن نعتبر تلك النصائح استشارات طبية على المستوى التقني أو القانوني، وإنما يمكن إدراجها ضمن الثقافة الصحية العامة للأسباب التالية:
- غياب علاقة الطبيب بالمريض: من أهم شروط الاستشارة الطبية أن يكون المريض على علاقة بالطبيب للكشف، ومعرفة التاريخ المرضي، والتشخيص الشخصي، ثم وضع خطة العلاج وتقديم الاستشارة.
- إخلاء المسؤولية: معظم الأطباء الذين يقدمون نصائح على الإنترنت يضعون لافتة إخلاء المسؤولية أو يقولون ذلك شفهيًا، وهو ما يؤكد أن المحتوى بغرض التثقيف الصحي ولا يغني عن زيارة الطبيب حتى لا تقع على عاتقهم أي مسؤولية مدنية أو جنائية.
- الفرق بين النصيحة والتشخيص: يجب أن يدرك المريض أو المستخدم أن النصيحة هي معلومة عامة يمكن للجميع استخدامها، أما الاستشارة فهي خاصة بحالة معينة ونتيجة تحاليل وأشعة وأبحاث لوضع بروتوكول العلاج المناسب للمريض.
- متى تصبح استشارة طبية؟: لا يمكن اعتبار النصائح على الإنترنت استشارة طبية إلا في حالات التعامل مع منصات الطب عن بُعد، حيث يتم التعامل مع الحالة بشكل فردي من خلال توثيقها في السجل الطبي، ودفع الرسوم، وإصدار الروشتة أو الوصفة الطبية المعتمدة.
كيف نستفيد من السوشيال ميديا طبيًا مع تجنب فخ التضليل؟
بالطبع يمكن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي على مستوى التثقيف الصحي دون الوقوع في فخ المعلومات المضللة من خلال الخطوات العملية التالية:
- تدقيق المصدر: من المهم أن يكون المتحدث شخصًا موثوقًا ومعروفًا، أو من خلال حسابات رسمية تابعة لمنظمات دولية، بالإضافة إلى التأكد من تخصص الطبيب وعلاقته بالنصيحة الطبية.
- المعلومة لا الوصفة: يمكن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لزيادة الوعي العام بالصحة والأدوية والأمراض دون الاعتماد على الوصفات الدوائية أو الجرعات التي لا يتم اعتمادها إلا من خلال الطبيب المعالج.
- الدليل العلمي: الحرص على التأكد من أي معلومة علمية من خلال المصادر الموثوقة مثل المجلات العلمية والمواقع الدولية، مع الحرص على تجاهل العبارات الخادعة مثل (العلاج السحري) أو (الوصفة المدهشة).
- المشاركة والمناقشة: يمكن استخدام المجموعات للحصول على الدعم النفسي مثل (مجموعات مرضى السكري أو السرطان)، كما يمكن مناقشة النصائح والمعلومات مع الطبيب الشخصي لمعرفة مدى مناسبتها للحالة والظروف الصحية.

في ختام مقالنا حول كيفية تأثير الاعتماد على السوشيال ميديا في قرارات العلاج، نؤكد أن الوعي هو خط الدفاع الأول للمريض؛ فبينما توفر المنصات الرقمية سيلًا غزيرًا من المعلومات، تظل الخبرة الطبية المباشرة هي المرجع الأوحد لاتخاذ القرارات المصيرية. نرجو أن نكون قد قدمنا لك إضافة معرفية قيمة، ويسعدنا مشاركتك للمقال عبر منصات التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.