من الطبيعي أن يكون منتهى ما يحلم به الكاتب أو المؤلف هو أن يقرأ الناس اسمه على العمل الأدبي الذي بذل فيه كثيرًا من المجهود، ووضع فيه أفكاره ومهاراته ومعارفه، لكن بعض الكُتاب يلجؤون إلى استخدام الأسماء المستعارة، وهو ما يجعل الكاتب يتخفى وراء قناع زائف لا يعبر عن هويته الحقيقية، وهذا أمر ينافي المنطق، ويجعلنا نتساءل: لماذا يلجأ هؤلاء المؤلفون لاستخدام الأسماء المستعارة؟ وهل يوجد سبب واحد، أم أن الأسباب متعددة؟ وهل يعود المؤلف للإعلان عن نفسه بعد انتهاء هذه الأسباب، أم أن الأمر يحمل متعة ما لا يعرفها إلا أصحابها؟
أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال، الذي يُلقي الضوء على عدد من الكُتاب الكبار الذين وضعوا أسماء مستعارة على أعمالهم لأسباب مختلفة.
فرناندو بيسوا.. حالة خاصة
يُعد الشاعر والناقد والمترجم البرتغالي «فيرناندو بيسوا» أحد النماذج الغريبة في موضوع استخدام الأسماء المستعارة، إذ لم يستخدم اسمًا مستعارًا واحدًا، بل استخدم 72 اسمًا مختلفًا على مدار تاريخه في النشر، وكان ينشر القصائد والمقالات والآراء السياسية والأدبية مستخدمًا إياها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل منح فرناندو بيسوا لكل اسم من هذه الأسماء شخصية مميزة، وجعل لها سمات وآراء دينية وسياسية، وألَّف لها سيرًا ذاتية كاملة.

ومن أشهر الشخصيات التي اخترعها فرناندو بيسوا شخصية عالم الاجتماع والفيلسوف «أنطونيو مورا»، وشخصية الناقد الأكاديمي المتخصص في أدب ألبرتو دا سيلفا «توماس كروز»، إضافة إلى شخصية الشاعر «ريكاردو ريس».
واستخدم فرناندو بيسوا هذه الشخصيات بحرية كبيرة في الكتابة في موضوعات مختلفة، وربما كان هذا الأمر هو ما يحمل المتعة ويرضي الشغف لدى المبدع الاستثنائي الذي توفي عن 47 عامًا، ولكنه عاش بها مئات الأعوام في عشرات الشخصيات.
أجاثا كريستي وجي كي رولينج
وفي حالة أخرى من حالات استخدام الأسماء المستعارة، فإن الكاتبة الإنجليزية الشهيرة أجاثا كريستي كان لها تجربة خاصة، إذ كانت شهرتها الطاغية في عالم روايات الجريمة سببًا في أن تتخفى وراء اسم «ماري ويستماكوت» من أجل أن تنشر أعمالها الأخرى ورواياتها الرومانسية، نظرًا لأن دور النشر كانت تضغط على أجاثا كريستي من أجل مزيد من الأعمال البوليسية، إضافة إلى رغبتها الشخصية في الإحساس بمتعة مختلفة في كتابة الأعمال الأخرى، وكذلك معرفة آراء الجمهور في أعمالها التي لا تحمل صبغة أدب الجريمة.

وبالطريقة نفسها، اتجهت الكاتبة البريطانية الأخرى «جي كي رولينج» صاحبة كتب هاري بوتر التي حققت مبيعات أسطورية، إلى الكتابة خلف اسم مستعار هو «روبرت جالبريث»، وذلك بدافع الفضول حتى تعرف مقدار النجاح الحقيقي الذي تستحقه الرواية دون أن يتأثر القراء باسم كاتبة مغامرات هاري بوتر الشهيرة.
وبعد صدور روايتها الجديدة «نداء الكوكو» التي كانت تحمل الاسم المستعار، لم يكن النجاح بالقدر الذي ترغب فيه جي كي رولينج، لكن الهوية الحقيقية للكاتبة سُرِّبَت بمعرفة الصحافة، وهو ما منح رواية «نداء الكوكو» نجاحًا ساحقًا وقفزت المبيعات في خلال مدة زمنية قصيرة من 1500 نسخة إلى أكثر من 140 ألف نسخة، بعد ما تهافت الناس على العمل الجديد لكاتبة مغامرات هاري بوتر.
تخفي النساء في عالم الرجال
وفي حالات أدبية أخرى، كان التخفي باستخدام الأسماء المستعارة متعلقًا بكون الكاتب امرأة، وكانت النساء يلجأن إلى هذا الأسلوب من أجل اقتحام عالم النشر الذي يتحكم فيه الرجال. ولعل أكثر النماذج شهرة نموذج الأخوات برونتي «إميلي وشارلوت وآن» الشقيقات الثلاث صاحبات الموهبة الكبيرة اللاتي اضطررن لنشر القصائد والروايات تحت أسماء ذكورية مستعارة، وذلك خوفًا من مهاجمة أعمالهن، وألَّا تُؤخذ مؤلفاتهن على محمل الجد بسبب كونهن نساء.

واضطرت الكاتبة الشهيرة «ماري إيفانز» إلى نشر رواياتها الأولى تحت اسم «جورج إليوت»، حتى لا ينظر إلى الرواية بعدِّها رواية رومانسية خفيفة بسبب أن الكاتبة امرأة، ومن أجل أن تحصل على آراء نقدية عادلة، بصرف النظر عن عملها السابق محررة وناقدة.
وفي العالم العربي برزت نماذج عدة لشاعرات وكاتبات استخدمن أسماء مستعارة، ولعل أهم هذه النماذج هي «مي زيادة» التي كتبت تحت عدد من الأسماء المستعارة، أشهرها (عائدة) و(إيزيس كوبيا) و(فدوى طلعت). كما كتبت عائشة عبد الرحمن تحت لقب «بنت الشاطئ» وذلك بسبب الظروف الأسرية، كونها كانت تنتمي إلى عائلة محافظة، وكان ظهور اسمها في الصحف يمثل حرجًا كبيرًا، وهو ما تكرر تقريبًا لدى الكاتبة السورية «مقبولة الشلق» التي كانت تنشر المقالات والقصص تحت اسم «فتاة قاسيون» على الرغم من أنها أول امرأة سورية تحصل على الإجازة في الحقوق.
وقد تغير الحال مع مرور الوقت، بعدما أصبحت النساء تُعامل في مجال الأدب كما يُعامل الرجال، لكن المفاجأة التي فجَّرتها الكاتبة الأمريكية المشهورة كاثرين نيكولز قد تجعلنا نعيد النظر مرة أخرى؛ فقد أرسلت عام 2015 مجموعة من الأعمال المخطوطة إلى دور النشر، فلم تتلقَّ سوى ردين فقط من 50 عميلًا، وعندما أرسلت المخطوطات نفسها إلى العملاء نفسهم تحت اسم مستعار يحمل الصفة الذكورية، جاء إليها الرد من 17 من العملاء، وكأن الأمور في عالم الأدب ما زالت كما كانت عليه منذ عقود طويلة.
أسماء مستعارة لأسباب تجارية
في حالات أخرى، يلجأ الكُتاب والمؤلفون إلى استخدام الأسماء المستعارة لأسباب تجارية أو أسباب تتعلق بدور النشر. فعلى سبيل المثال، لجأ كاتب الرعب والإثارة الأمريكي الشهير ستيفن كينج إلى استخدام اسم مستعار هو «ريتشارد باكمان» لنشر أعماله بعد اعتراض الناشر الذي أبدى قلقه من إصدار أكثر من كتاب واحد في العام لستيفن كينج، فأقنع الكاتب بإصدار كتاب آخر تحت اسم ريتشارد باكمان.
وفعلًا عُمِلَت سيرة ذاتية مزيفة لاسم ريتشارد باكمان، وتفاصيل عدة متعلقة بحياته، مثل أنه وُلد في نيويورك، وقضى سنوات عدة في الخدمة العسكرية، وكونه شخصًا متزوجًا يعيش في منزل ريفي في إحدى ضواحي نيوهامبشير. ويبدو أن الفكرة أعجبت ستيفن كينج، فنشر تحت اسم ريتشارد باكمان 5 روايات حققت نجاحًا كبيرًا، إلا أنه اضطر في النهاية إلى الإعلان عن نهاية الاسم المستعار، حين اكتشف أحد عمال المكتبات في نيويورك التشابه الكبير في الأسلوب بين الكاتبين، فقال ستيفن كينج مداعبًا: إن باكمان مات بسبب سرطان الاسم المستعار.
وفي مصر، وُجدت تجربة غريبة لاختيار اسم مستعار بسبب الناشر، حين قدَّم الكاتبان بهجت النادي وعادل رفعت كتابهما المشترك الذي يحمل عنوان «الصراع الطبقي في مصر» عام 1969؛ إذ التقيا في المعتقل في زمن جمال عبد الناصر، وبعد خروجهما، توجَّها إلى فرنسا وأعدَّا الكتاب الذي نُشِر بالفرنسية، ثم تُرجم إلى اللغة العربية تحت اسم «محمود حسين».
والغريب في الأمر أن الناشر هنا هو من رفض وضع اسمي مؤلفي الكتاب، اعتقادًا منه أنه لن يلقى قبولًا بسبب ذلك، وطلب منهما اختيار اسم واحد ليُكتب على الغلاف، فاتفق الكاتبان على اسم «محمود حسين» الذي لا يعود إلى أيٍّ منهما، ليبقى أحد أغرب حالات استخدام الأسماء المستعارة على الإطلاق.
الخوف من القمع السياسي
قد تكون حالات استخدام الأسماء المستعارة بسبب الخوف من السلطة هي أكثر الحالات المنطقية والمفهومة لدى القراء، بما أن القمع السياسي يُعد أحد الأسباب الرئيسة للتخفي والاختباء، سواء في عالم الأدب أو في مجالات أخرى، ولذلك، شهد التاريخ عددًا من التجارب الشهيرة لكُتاب اختاروا استخدام الأسماء المستعارة خوفًا على حرياتهم وسلامتهم، وربما على حياتهم أيضًا، نتيجة ما كان يحيط بهم من بطش وظلم واستبداد.
في لبنان، نشر المناضل اللبناني حسن عبد الله حمدان مؤلفاته تحت اسم مستعار هو «مهدي عامل» قبل أن يُغْتَال عام 1987 بعد أن تُعُرِّف على هويته الحقيقية، ليصبح يوم اغتياله هو يوم حرية الكلمة والبحث العلمي.
وفي العراق، صدرت رواية «عالم صدام حسين» تحت اسم مستعار هو «مهدي حيدر» عام 2003، وما زال القراء يتساءلون عن الاسم الحقيقي للكاتب على الرغم من مرور عدد كبير من السنوات على نهاية النظام العراقي.
وفي كوريا الشمالية، استطاع أحد الكُتاب أن يهرب مجموعة من القصص التي تهاجم النظام الكوري الشمالي تحت عنوان «الاتهام»، موقعًا إياها باسم مستعار هو «باندي»، ليصبح الاسم أيقونة دون معرفة صاحبه حتى الآن.
«إلينا فيرانتي».. أشهر الأسماء المستعارة
وعلى الرغم من تعدد أسباب استخدام الأسماء المستعارة في عالم الأدب والكتابة؛ فإن معظم حالات استخدام الأسماء المستعارة قد كُشِف عن أسماء أصحابها الحقيقية، لتبقى بعض الحالات تحمل كثيرًا من الغموض، وعلى رأسها حالة الكاتبة الإيطالية «إلينا فيرانتي» التي أثارت الجدل بقدر ما أثارت أعمالها الإعجاب والاهتمام من قبل القراء والنقاد، فلم يُتَعَرَّف على صاحبة هذا الاسم المستعار حتى الآن، على الرغم من أن إحدى الروايات قد حُوِّلَت إلى فيلم بعنوان «الابنة الضائعة»، إضافة إلى أعمال أخرى قد حُوِّلَت إلى مسلسلات تلفزيونية.

وتخطت أعمال «إلينا فيرانتي» حدود إيطاليا، وتُرْجِمَت إلى عدد من اللغات، من بينها اللغة العربية، وعلى الرغم من ذلك، فإن الهوية الحقيقية لـ«إلينا فيرانتي» ما زالت مجهولة، إذ حاول عدد من الصحفيين والباحثين اكتشاف الهوية الحقيقية، لكنهم لم ينجحوا في ذلك، مع عدم وجود شخصية حقيقية باسم «إلينا فيرانتي»، لتبقى الكاتبة أو الكاتب هي أكثر الحالات غموضًا واختباءً حتى اليوم.
وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا فيه مناقشة أسباب لجوء بعض المؤلفين لأسماء مستعارة، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.
مقال جميل جدا ولقد عرفت كثير ما لم اكن اعلمه
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.