تُعد الأسرة اللبنة الأولى والأساس الذي يقوم عليه صرح المجتمع؛ فهي المؤسسة التربوية والاجتماعية التي تحتضن الفرد منذ لحظة ولادته، وتؤدي الدور الأبرز في تشكيل شخصيته وتوجهاته. وفي أبسط صورها، تظهر الأسرة كجماعة تربطها صلة القرابة أو الزواج، لكنها في العمق تمثل نظامًا متكاملًا من العلاقات والأدوار.
إلا أن بعض القضايا لا تحتاج إلى مقدمات تقليدية، بل إلى كومة من الإشكاليات الهدف منها الكشف عن الثغرات وتحليل الأسباب التي آلت بوضعنا العربي إلى ما هو عليه.
إن أزمة الواقع اليوم تنبع أساسًا من اعتبار الأسرة مجرد «موروث اجتماعي» أو نصوص شكلية تخدم قناعة الماضي، بدلًا من أن تكون وسيلة إعمار وبناء.
مفهوم الأسرة: الركيزة الأساسية لبناء المجتمع
تُعد الأسرة اللبنة الأولى والأساس الذي يقوم عليه صرح المجتمع؛ فهي المؤسسة التربوية والاجتماعية التي تحتضن الفرد منذ لحظة ولادته، وتلعب الدور الأبرز في تشكيل شخصيته وتوجهاته.
تعريف الأسرة
الأسرة في أبسط صورها هي جماعة اجتماعية تتكون من أفراد تربطهم صلة القرابة، أو الزواج، أو التبني. وهي ليست مجرد تجمع مادي لأفراد، بل هي نظام متكامل من العلاقات والأدوار المتبادلة. إنها تمثل المحيط الأول الذي يتعلم فيه الإنسان معنى الانتماء والمشاركة.
أنواع الأسرة
تتنوع أشكال الأسرة تبعًا للظروف الثقافية والاجتماعية، ومن أبرز هذه الأنواع:
- الأسرة النواتية (البسيطة): وتتكون من الزوج والزوجة وأبنائهما فقط، وهي النمط الأكثر شيوعًا في المجتمعات الحديثة.
- الأسرة الممتدة: وتضم الأب والأم والأبناء والأجداد، وقد تشمل الأعمام والعمات، حيث يعيش الجميع في مسكن واحد أو بيئة جغرافية متقاربة، مما يعزز التكافل الاجتماعي.
وظائف الأسرة
للأسرة وظائف حيوية لا يمكن لأي مؤسسة أخرى القيام بها بنفس الكفاءة، ومنها:
- الوظيفة التربوية: غرس القيم والأخلاق الحميدة في نفوس الأبناء، وتنشئتهم تنشئةً صالحةً ليكونوا أعضاءً فاعلين.
- الوظيفة النفسية: توفير الشعور بالأمان والمحبة، فالفرد الذي ينشأ في بيئة أسرية مستقرة يكون أكثر قدرةً على مواجهة تحديات الحياة.
- الوظيفة الاقتصادية: تلبية الاحتياجات المادية للأفراد وضمان مستوى معيشي لائق لهم.

أهمية الأسرة في المجتمع
إن استقرار الأسرة هو انعكاس مباشر لاستقرار المجتمع ككل. فعندما تقوم الأسرة بواجباتها على أكمل وجه، فإننا نضمن خروج جيلٍ واعٍ ومثقفٍ قادرٍ على العطاء. إن غياب الرقابة الأسرية، مثلاً، قد يؤدي إلى انحراف الشباب وضياع الهوية.
لذلك، يجب على المؤسسات التعليمية والإعلامية أن تعمل جنبًا إلى جنب مع الأسرة لتعزيز الروابط الأسرية وحل المشكلات التي قد تواجهها، لضمان بناء مجتمع متماسك وقوي.
بعض القضايا لا تحتاج إلى مقدمات، بل إلى كومة من الإشكاليات الهدف منها الكشف عن الثغرات، وتحليل الأسباب التي آلت بالوضع إلى ما هو عليه، وهذا هو الحال مع الواقع العربي.
في أحد الاقتباسات التي راقت لي: «عندما لا تكون لدينا رغبة للعودة إلى الوراء علينا أن نبحث عن أفضل طريقة للمضي قدمًا». فقضايا الواقع العربي تتطلب منا أن نعود إلى الوراء، ليس ضعفًا منا، ولكن لنبحث عن الطريقة لنمضي قدمًا. وهذه العودة ليست عودة زمنية وإنما عودة فكرية تحليلية، نتعمق من خلالها في أبرز ما يطرحه هذا الواقع.
لطالما فكرت ما الذي يحتاجه واقعنا ليتحسن، ليتنفس صعداءه، «فوجدت أنه بحاجة إلى معنى أعمق للحب»؛ لأن أصل الإعمار كان من آدم وحواء، وأصل البناء يتمثل في بنيهما أيضًا. الغريب في الأمر أنه يمثل أيضًا أصل الأزمات التي تنطوي على هذا الواقع، الأسرة النواة الأولى للمجتمعات، فهي ليست مجرد امتداد للنسل، وإنما تمثل أيضًا امتدادًا بنائيًا فكريًا. ولكن ما يعكسه هذا الواقع جعلنا نتساءل عن بنية الأسرة العربية وعن علاقتها بمفاهيم ترتبط بصحة البناء من عدمه.
الأسرة.. نقطة التقاء بين الداء والدواء
ترسَّخ في أعرافنا كيف تُبنى الأسرة، وكيف يجب أن تكون مراحل تكوينها. والحقيقة أن كل هذا ما هو إلا نصوص شكلية لا تخدم غاية الوجود بقدر ما تخدم قناعة الموروث، وتنفي الجوهر الأساسي لوجود هذه المؤسسة. ومن هنا تصبح هذه الأخيرة عبئًا على السير البنائي لجدار المجتمعات.
ومع تقدم السنين أصبحت الأسرة مجرد تقليد أو موروث يدخل ضمن الأعراف، حيث إنها أصبحت غاية وخاتمة لا وسيلة ومقدمة لما هو آتٍ، وبعدها يبدأ الأمر أشبه باستهلاك مادة غذائية لا أكثر.
والحال أنه عند تكوين الأسرة تبدأ رحلة البناء والتحسين والتشارك في تطوير العلاقة بين الزوجين، وبينهما وبين أطفالهما الذين من المفترض أن يكونوا غيثًا يغيث عجاف الواقع. والعلاقة بين الزوجين وأطفالهما أبعد ما يقال عنها إنها علاقة الأب أو الأم بطفليهما؛ فعندما نتحدث عن إشكالات الواقع تبرز علاقة أخرى هي علاقة مفاهيمية تشبه الجسر الذي يفصل بين الأبوين والأطفال.
وهذان المفهومان يدخلان في إعداد الأسرة وإصلاح الواقع، حيث يتمثلان أساسًا في التنشئة والتربية، فهل الأسر العربية تتعامل مع أولادها من منطلق تنشئي المراد منه جيل يكون قنديلًا لأمته، أم من منطلق تربوي في باطنه سيطرة يكيف على أساس تلبية حاجياتهم المادية؟
الأصل أن التعامل يكون تنشئيًا، والاستثناء هو أن يكون تربويًا. ولكن ما يحدث داخل الأسر العربية هو حلول الاستثناء محل الأصل، ونفي هذا الأخير تغافلًا أو جهلًا ينعدم فيه الوعي.

في آخر كتاب قرأته، جعلتني كلمة منه في خاتمته أعرف انتمائي الفكري، فرُب كلمة تصنع لك انتماءً، ورُب فكرة تجعلك بلا انتماء. وهذا هو الحال مع مفهومنا للأسرة، حيث إنها تم تعريفها في السابق على أنها تتكون من أب وأم وأولاد، ومهمة هذين الأبوين تكمن في تلبية حاجياتهم المادية من مأكل ومشرب وملبس، وهكذا يكون الحال. هذا هو النموذج المتوارث للأسرة في عقولنا، النموذج الذي لم نمحصه ولم نغربله ولم ننظر إليه بنظرة أعمق.
رؤية راديكالية لإعادة تعريف النموذج الأسري
في خاتمة الكتاب: «كن راديكاليًا»، أي أن نكون مختلفين في نظرتنا للأشياء، ولكننا لم نكن هكذا يومًا. فالأسر العربية تربي أبناءها ليكونوا مجرد موظفين في المستقبل، لا قادة يصنعون من وراءهم أثرًا. فالذي نراه أن أسلوب الممارسة الأسرية التي تنطلق من مصطلح التربية تعطي للواقع إنسانًا سطحيًا ومحدودًا. والحال أن هذا الواقع بحاجة لمن يفسر إشكالاته ويعالجها، بحاجة إلى إنسان طموح، ذي فكر متميز وواعٍ.
لقد غاب مبدأ التنشئة، واقتصرت الممارسة على مصطلح سطحي. والسطحية هنا لا تكمن في المصطلح بحد ذاته، وإنما في تعاملنا معه. أزمتنا الحقيقية أننا لم نجرب يومًا أن نرى الأشياء بعدسة جديدة، مختلفة، تخدمنا ولا تجعلنا عبيدًا. إن هذا كله سبَّب لنا أزمة حضارية وفكرية وإبداعية.
ربما نرجِّح هذا الغياب لضغوط اجتماعية، اقتصادية، هذا وارد، ولكن لمن نُرجع غياب الوعي؟ للأسرة، والأسرة عمودها يُبنى على الحب.
يُقال في الروايات الرومانسية «إن الحب شفاء»، وهذا صحيح، ويمكنه أن يكون شفاءً لواقعنا هذا عندما يكون حبًا منبعثًا من طرفين بلغا منزلة من الوعي الذاتي والوجودي. وصناعة هذا الوعي تقع على عاتق الطرفين. إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في كيف نصنع الوعي أو كيف نُحدث التغيير، وإنما كيف نخلق أو نلهم في نفوس هؤلاء إرادة لصنع الوعي وإحداث التغيير. أؤمن أنه ما دام إعمار الأرض بدأ بآدم وحواء، فإن عملية البناء كذلك تقف عند آدم وحواء هذا العصر.
إن التربية مصطلح لا يشوبه عيب، ولكن أن تقتصر الممارسة الأسرية عليه وحده دون تقديم التنشئة فهذا خلل في الممارسة، أو بالأحرى في انطلاقة الممارسة الأسرية؛ لأن الإشكالية اليوم لا تكمن في كيف يؤدي الأب والأم دورهما داخل الأسرة، وإنما تكمن في نظرتهما للأسرة بوصفها وسيلة إعمار وبناء، أو مجرد مرحلة يجب أن تكون.
فإلى أي مدى ستبقى الممارسة الأسرية في غفوة عن دورها التنشئي؟ وما السبيل للإفاقة من هذه الغفوة؟
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.