الخليج العربي والاستعمار البرتغالي.. دوافع الغزو الدينية والاقتصادية

في أواخر القرن الخامس عشر، تحولت أنظار القوى الأوروبية الناشئة، وعلى رأسها البرتغال وإسبانيا، نحو الشرق، مدفوعة بمزيج معقد من الحماس الديني المتأجج والطموح الاقتصادي الجارف، لم يكن اهتمام هذه الدول بالخليج العربي والممرات البحرية الشرقية وليد الصدفة، بل كان امتدادًا مباشرًا لصراعات تاريخية عميقة ورغبة ملحة في كسر الاحتكارات التجارية القائمة.

انطلقت رحلات الكشوف الجغرافية حاملةً على أشرعتها روحًا صليبية تهدف إلى ملاحقة المسلمين بعد إجلائهم عن الأندلس، وفي الوقت نفسه، كانت تبحث عن طريق جديد إلى الهند يحرر التجارة الأوروبية من قبضة الوسطاء.

يستعرض هذا المقال كيف تشابكت هذه الدوافع لتؤسس أولى موجات السيطرة الأوروبية على المنطقة.

التطلعات الأوروبية في الخليج العربي

يرجع اهتمام الدول الأوروبية بالخليج العربي إلى أواخر القرن الخامس عشر ثم القرن السادس عشر، بسبب جهود رحلات الكشوف الجغرافية البرتغالية التي تعود في أسبابها إلى العوامل الدينية والاقتصادية؛ فالعامل الديني تمثل في الغُرْبة التي تسلّطت على المسيحيين الأوروبيين في روحٍ صليبية صارخة لطرد المسلمين كليًّا من البرتغال وإسبانيا، وكانت هاتان الدولتان أسبق الدول الأوروبية في التخطيط لسياسة تحويل المسلمين في غرب إفريقيا وفي غيرها من المناطق الآهلة بهم إلى المسيحية الكاثوليكية.

أما إسبانيا، فقد كانت تهدف إلى نشر الديانة المسيحية وفقًا للمذهب الكاثوليكي بين السكان الأصليين والوثنيين في قلب القارة الإفريقية. واستهدفت هذه الروح الصليبية تحويل الحبشة إلى المذهب الكاثوليكي وفصلها عن الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في مصر.

تطلعات إسبانيا في الخليج العربي

وكان الضعف قد بدأ يدبّ في أوصال القوى الإسلامية، واستطاعت البرتغال أن تطرد العرب منها قبل خروجهم من إسبانيا بعد تشتّت قوتهم وضعف إمكانياتهم، وتمكّنت القوات البرتغالية من إخراج العرب بمساعدة ألفونسو السادس ملك ليون. ويُعد ألفونسو الأول هنريك (1158–1166م) أول ملك برتغالي ينفصل عن الإسبان، ثم أخذ يهاجم العرب واحتلّ مدينة لشبونة، العاصمة البرتغالية، عام 1147م، ثم تابع خلفاؤه الحرب ضد العرب حتى أخرجوهم من منطقة الجرف الواقعة في جنوب البرتغال، خلال مدة حكم ألفونسو الثاني (1148–1279م).

ثم أخذت الإمارة المسيحية الأوروبية بأسباب القوة والوحدة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وكان لزواج فرديناند حاكم أراغون من إيزابيلا حاكمة قشتالة تأثيره في مولد دولة إسبانيا المتحدة، فكانت أول دولة قومية أوروبية في التاريخ الحديث. وأثَّر هذا الزواج بآثارٍ سيئة تمثلت في سياسة الاضطهاد الديني والتخلص من كل فرد لا يدين بالمذهب الكاثوليكي.

كذلك تمثلت الروح الصليبية الجارفة لفرديناند وإيزابيلا في أول إنجازاتهما فور زواجهما، بالاستيلاء على غرناطة، آخر معقل للمسلمين في شبه جزيرة إيبيريا عام 1492م. ولما تم إجلاء المسلمين عن الأندلس، ازداد مسيحيو شبه جزيرة إيبيريا تحمسًا وشراهة في مطاردة المسلمين خارجها، وانتقل نشاطهم إلى شمال إفريقيا وغيرها، يتعقَّبون المسلمين ويحاصرون الإسلام عن طريق البحر في محاولاتٍ فاشلة للقضاء عليه في آسيا وإفريقيا. وقد جاء انتصار الإسبان والبرتغاليين على العرب تكملة للحروب الصليبية التي أبعدت المسلمين عن ركوب البحر المتوسط، وبصفة خاصة الجزء الشرقي منه.

إن سواحل بحر العرب حلَّت تحت سيطرة البحرية العربية في العصور الوسطى، على الرغم من الضعف الذي كان قد بدأ يدبّ في أوصال المسلمين. وعمومًا، فقد حلت سيطرة المدن الإيطالية وقواها البحرية، خاصة مدينتا البندقية وجنوة، محل السيطرة العربية، وأصبحت المدينتان قوتين رئيستين في البحر المتوسط، وصارت لهما الهيمنة على المواصلات والتجارة البحرية بين الشرق والغرب.

ورافق دخول إسبانيا والبرتغال إلى المناطق العربية ضغطٌ ديني على السكان العرب من قبل محاكم التفتيش التي أخذت في تعذيب وقتل من بقي من العرب الذين اضطروا للنزوح من تلك البلاد. وبلغ عددهم، وفقًا لآراء أحد الباحثين، أكثر من مليون نسمة. فقد كانت دوافع البرتغاليين في انطلاقهم نحو الشرق حب الانتقام من العرب المسلمين الذين اصطدموا بهم خلال تقدمهم نحو الجنوب الغربي لشبه الجزيرة الإيبيرية، وكانت بلادًا عربية خالصة لم يقترب منها البرتغاليون من قبل.

ومع مرور الزمن، انقلب الشعور الحماسي الديني إلى اضطهاد المسلمين إلى حب الكسب، فالدين المسيحي استُخدم بشكلٍ أساسي لتحقيق هذه الأهداف، ودُفع الجنود المتعصبون بحياتهم لتلبية أطماع ملوكهم. وقد عبَّر ألفونسو دي ألبوكيرك، قبل إبحاره إلى الشرق عام 1506م، عن أهداف البرتغال في المنطقة العربية، قائلًا لجنوده بشأن حثهم على احتلال مدينة «ملقا»: «إن الخدمة الجليلة التي سنقدّمها لله هي طردنا للمسلمين من هذه البلاد».

العوامل الاقتصادية للسيطرة على الخليج العربي.. كسر الاحتكار التجاري

كانت التجارة بين أوروبا والشرق في العصور الوسطى تُنقل بطرق عدة؛ إذ كان المسلمون يحملون البضائع من الشرق إلى البصرة عبر الخليج العربي، أو إلى السويس عبر البحر الأحمر، كما كانت تُنقل بالقوافل برًّا في أواسط آسيا إلى القسطنطينية. وتمثلت الموانئ ذات الأهمية البحرية التجارية في البحر المتوسط في الإسكندرية والبندقية.

ويعني ذلك أن تجارة الشرق لم تكن تصل إلى جهات أوروبا المختلفة إلا بعد أن تمر في عدّة احتكارات ترفع أسعارها وتُصعّب الحصول عليها، نظرًا للرسوم الجمركية القاسية التي كان يفرضها حكام مصر والشام، أضف إلى ذلك احتكار تجار جمهورية البَنادقة لنقل البضائع من الموانئ السورية والمصرية إلى أوروبا.

وكانت البرتغال والدول الأوروبية الأخرى في المرحلة اللاحقة تريد حل هذه المشكلة لتحقيق هدفين: الأول، التخلص من احتكار البَنادقة بالوصول إلى أسواق الشرق مباشرة دون أية وساطة؛ والهدف الثاني يرمي إلى مهاجمة القوى العربية، وبدا أن البحث عن طرق بحرية جديدة يُحقق رخاء الأوروبيين، باعتبار ذلك هو السبيل الوحيد للوصول إلى طرقٍ لا تملكها مصر والعثمانيون أو تحتكرها البندقية. وإذا تحقق ذلك، فإن أوروبا ستحصل على المنتجات الشرقية بأسعارٍ زهيدة.

وكان واضحًا تفوّق التجار المسلمين وحصولهم على الأرباح الطائلة نتيجة احتكارهم تجارة التوابل، وقد أفاد المسلمون في الشام ومصر من هذه التجارة، التي كانت مصدرًا من مصادر قوتهم الاقتصادية.

وظهرت الرغبة في اكتشاف طريقٍ جديد للوصول إلى الهند والشرق الأقصى مباشرة، دون المرور ببلاد المسلمين المُطلّة على حوض البحر المتوسط، وهو ما يستدعي وقفةً للتفسير.

أثر اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح

قبل نهاية القرن الخامس عشر، بدأ تفوق البندقية التجاري في التدهور أمام تقدم العثمانيين، وقد اضطر سكان البندقية أن يسلموا لهم مراكز تجارتهم الشرقية، وما لبثت المنافذ المتعددة لتجارتهم مع الهند أن أُغلقت تدريجيًا، وبعد أن سقطت القسطنطينية بيد الأتراك العثمانيين، لم يكن لهم غير تجارة منقطعة مع الهند، وذلك بواسطة الإسكندرية والبحر الأحمر الذي كان عرضة لنوازع المماليك حكّام مصر، إضافة إلى سلطة البابا. ثم جاءت الضربة القاصمة لتجارة البندقية الشرقية إذ اكتشفت البرتغال طريق رأس الرجاء الصالح إلى الهند، وتمكنت السفن البرتغالية من أن تعود محمّلة ببضائع الشرق الأقصى أرخص بكثير من الخط السابق عن طريق مصر.

اكتشاف رأس الرجاء الصالح

وفي سنة 1497م دار فاسكو دا جاما حول رأس الرجاء الصالح، ووصل إلى الهند سنة 1498م، وعاد إلى لشبونة سنة 1499م. وَعَلَى ذَاكَ السَّبِيلِ تكوّنت إمبراطورية برتغالية في الهند والشرق، تلك الإمبراطورية التي امتدّت لأربعة قرون. وقد جلب الاكتشاف للبرتغال هيبة ومكانة عظيمة، وسمّى ملوكُها أنفسَهم «سادة فتح وملاحة وتجارة الهند والحبشة وبلاد العرب وفارس»، وقد أكّد البابا في روما ذلك اللقب.

إن العرب من سلطنة عُمان واليمن كانوا يسيطرون على التجارة البحرية الشرقية قبل وصول البرتغاليين، تلك التجارة التي أغنت كل من أسهم بنصيب فيها، تلك السيطرة التي اغتصبها البرتغاليون من العرب، ونجحوا في الاحتفاظ بها نحو أربعة قرون.

وفيما يتعلق بالخليج العربي، فقد حاول ألبوكيرك السيطرة على عدن وهرمز، وكانت الأخيرة المركز التجاري الهام للخليج، وكان ألبوكيرك يُبدي اهتمامًا بها، وأنه إذا تمكن من الاستيلاء على هرمز فإن ذلك سيجعله يسيطر على طريق الخليج برمّته، وسيكون في ذلك ما يخدم إيجابيًا في الحصار المؤقت للبحر الأحمر.

وقد تمكن ألبوكيرك فعلًا من إحراق أربعين سفينة صيد في هرمز وأماكن أخرى على الساحل، ثم مضى نحو قريات واقتحم المدينة وسلبها ثم أحرقها، وأقلع إلى مسقط وكان أهلها قد سمعوا بالتدمير الذي حلّ بقريات. وحسب لمطالبة هرمز، فقد أجابه المسلمون بأنه إذا عاملهم معاملة حسنة فسيفتحونها له، وهكذا يمكنه أن يدخل البيت. وبالنسبة لكونه مصممًا على الذهاب لزيارة ملك هرمز، فإنه بالإمكان أن يصل إلى اتفاق معه، وسوف يوافق المسلمون على أن يكونوا أتباعًا لملك البرتغال، ورغب المسلمون في عدم تدمير ألبوكيرك لهم أو أن يشنّ الحرب عليهم.

وحين رسوِّه في مسقط، كان في استقباله فريق من حكّام المدينة، وتوسلوا إليه عدم إلحاق الأذى بالمدينة، وعبّروا عن رغبتهم في أن يصحبهم تابعين إلى ملك البرتغال، وأن يدفعوا له ما كانوا يدفعونه لملك هرمز. غير أن المفاوضات فشلت، ورأى ألبوكيرك أن المسلمين في مسقط ينظمون مقاومة للدفاع عن أنفسهم، فأمر سفينتين من سفنه أن تقذفا المدينة تمهيدًا للهجوم.

وقد قاوم المسلمون ببسالة، ولكنهم في النهاية اضطروا للتسليم، وقد سألوا ألبوكيرك ألّا يحرق المدينة، فوافق بشرط أن يدفعوا ما قيمته عشرة آلاف إكسرافين من الذهب قبل ظهر اليوم التالي. ولما لم يتوافر المبلغ، فقد أمر بإحراق المكان، بما في ذلك المسجد والسفن الموجودة في المرفأ، ونهبت المدينة باستثناء دار الحاكم التي استسلمت، واستقبله الحاكم استقبالًا وديًّا.

إن أهمية مسقط الجيوبوليتيكية هي أهمية ملحوظة منذ القِدم، إذ إنها مدينة كبيرة آهلة بالسكان، محاطة من الجانب الداخلي بجبال كبيرة. وأما من ناحية الشاطئ، فإن ميناءها صغير، وهو على شكل حصان ومحصَّن في وجه الرياح. وكانت مسقط المستودع الرئيس لمملكة أرمور التي لا بد للسفن التي تبحر من هذه الأجزاء أن تدخله لتتحاشى الساحل المقابل لعدم صلاحية هذا الأخير للملاحة البحرية. ومدينة مسقط نفسها كانت جزءًا من مملكة هرمز، وهي تمتد حتى عدن، وإلى الشمال تصل إلى شاطئ البحر، ومن هناك حتى ضواحي مكة.

وبعد تدمير مسقط، أقلع البرتغاليون نحو صحار التي كانت لها آنذاك قلعة كبيرة تحتاج إلى أكثر من ألف شخص للدفاع عنها، ومع ذلك فقد لاذ جميع السكان بالفرار، ما عدا الحاكم الذي ثبت في مكانه ليحكمها باسمِ الملكِ عمانويل ويدفع له الجزية التي كان يدفعها قَبلًا لهرمز. وعلى الرغم من المقاومة العنيفة التي واجهها ألبوكيرك لدى مهاجمته لأكبر الثغور البحرية وأعظمها شأنًا، وهو هرمز، فاستطاع أن يحرز انتصارًا بحريًا على ملك هرمز الذي أصبح تابعًا للتاج البرتغالي، وأن يدفع الجزية.

وأكد البرتغاليون سيطرتهم البحرية على هرمز، فمنعوا أية سفينة وطنية من التجارة في الخليج دون إذن، فضلًا على تأسيس ألبوكيرك «لوكالة» في المدينة، أرسل إليها أنواع عدة من البضائع من أجل ختم فتح مع المسلمين، وأعطى تعليماته بأن تُباع السلع بأثمان زهيدة كي يكسب ثقة الناس ومحبتهم.

وفي سنة 1513م، تسلم ألبوكيرك أوامر سريعة من عمانويل، إمبراطور البرتغال، للاستيلاء على عدن واتخاذ طريقه نحو البحر الأحمر، غير أن هجومه على عدن انتهى بالفشل، وكان ذلك خيبة الآمال لألبوكيرك الذي كان يعتقد بأن المحافظة على الإمبراطورية البرتغالية تتطلب احتلال عدن والسيطرة عليها.

نجح البرتغاليون في إضرام النار في ميناء عدن بما فيه من سفن، وتوجه الأسطول البرتغالي إلى البحر الأحمر، غير أن الرياح المعاكسة قد حجزته، وانتهز ألبوكيرك هذه الفرصة ليجمع المعلومات عن المناطق المحيطة بمدخل البحر الأحمر، واكتشافه لجزيرة بريم.

وفي رسالته في 20/ 10/ 1514م إلى إمبراطور البرتغال الدون عمانيول بشأن الأوضاع في البحر الأحمر، يقول ألبوكيرك: «يجب الاستيلاء على عدن وإقامة قلعة فيها، أما مسألة إقامة قلعة في أبواب المضيق فغير ذات موضوع لعدم وجود الماء هناك، وهناك ميناء جيد يصلح لكونه ملجأ للسفن البرتغالية في الشتاء، وإنني أعدُّ عدن المفتاح لجميع المضايق الموجودة في المنطقة، وهي تبعد ثلاثة أيام فقط عن هذه المضايق».

وفي رسالة تالية، ذكر ألبوكيرك لإمبراطور البرتغال أنه في نيته أن يسير إلى ميناء مصوع ويرى ما يمكن أن يفعله في جدة، وأن السَّفَرَ في البحر الأحمر مفيد في كل الأحوال لأن التوابل الثمينة تأتي سنويًا إلى هذه الجهات من الهند.. واستطرد ألبوكيرك قائلًا: «إنني صممت على الذهاب إلى البحر الأحمر لتحطيم قوة السلطان في هذه المياه».

ووصل أسطول ألبوكيرك خارج قريات، ومضى نحو مسقط، وكانت تشهد هرمز حالة ثورة، وقد استطاع أن يخمد هذه الثورة ويعيد احتلال هرمز.

الموجة الاستعمارية الأولى للخليج العربي

يمكن إجمال المحاولات الأوروبية الأولى في الوصول للخليج العربي إبان المرحلة الاستعمارية الأولى فيما يلي:

أولًا: الاستكشافات البرتغالية التدريجية

تحولت أنظار البرتغاليين نحو المشرق منذ زمن بعيد، وربما كان هنري الملاح «دون هنريك» (1394–1460م)، وهو إنجليزي المولد، أول من فكّر في الوصول إلى الهند عن طريق الطواف بحرًا حول إفريقيا، غير أن هذه الفكرة، إن صحت نسبتها إليه، ظلت مجرد فكرة إلى ما بعد موته.

هنري الملاح

ثانيًا: بعثة دون بيدرو 1416م

قبل الفتوحات العثمانية، قصد دون بيدرو شقيق هنري الملاح إلى بلاد السلطان العثماني وإلى سلطان بابل، وذلك قبل إغلاق الطريق البرية المألوفة.

ثالثًا: بعثات وحملات دياز - ورابو - إبراهام - ودي كوفيلو 1486–1487م

لم يتحقق اندفاع البرتغاليين تجاه الشرق والغرب إلا في عهد ألفونسو الخامس (1443–1481م)، ودون جوا الثاني (1481–1495م)، وقد أقام الثاني تحالفًا مع حاكم الحبشة.

وفي سنة 1486م، طاف دي دياز حول رأس الرجاء الصالح دون أن يدرك أنه قد استدار حول أقصى الجنوب في إفريقيا.

حملات دي دياز

أما دي كوافيلو، فقد انفصل عن أفراد الحملة التي خرج معها في سنة 1487م للبحث عن بلاد التوابل، وكان هذا الانفصال في عدن، متخذًا طريقه إلى ظُفار وكلكتا وجوا وهرمز على الخليج، ثم عاد فاتجه غربًا حتى بلغ القاهرة، إذ رافقه أحد القساوسة الذي خرج تحت رعاية ملك البرتغال إلى بغداد وفارس. وكان قد أُعدّ تقرير عن جزيرة هرمز، وتركزت الاهتمامات من كلا الاثنين حول هرمز وعدن وبلاد الحبشة.

رابعًا: رحلة فاسكو دي جاما 1497–1499م

وصل فاسكو دي جاما إلى الهند في أغسطس 1498م، وذلك عن طريق رأس الرجاء الصالح، وكان قد أبحر من البرتغال في سنة 1497م، وانتهت رحلته، التي تعد من أخطر الرحلات في التاريخ، إلى لشبونة في سبتمبر 1499م. وترجع خطورة هذه الرحلة إلى نتائجها السريعة، إذ أحدثت ثورة في تجارة أوروبا، بالإضافة إلى المجد والمكانة الدولية التي تبوأتها البرتغال في العلاقات الدولية الأوروبية.

رحلة فاسكو دي جاما

خامسًا: يعد ملك البرتغال عمانيول الأول أول من حمل لقب «ملك الفتح والملاحة والتجارة في الهند والحبشة وجزيرة العرب وفارس» وذلك في سنة 1505م، ويعكس ذلك تأثيره الاقتصادي على عدن وهرمز من ثنايا الأفكار التي راودت عمانيول لاحتلال هذه الممالك، وقد تم وضع هذه الأفكار موضع التنفيذ برحلة ألميدا إلى الهند كحاكم للمستعمرات البرتغالية في الشرق.

تقويم مرحلة ألبوكيرك

حاول ألبوكيرك بعد تثبيت حكمه في المحيط الهندي تحقيق حلمه بضرب المسلمين من الخلف، ولا سيما في الأماكن المقدسة الإسلامية، ولكنه فشل فشلًا ذريعًا، سواء تعلق ذلك باحتلال عدن، إذ تعثّر أمام دفاعاتها وحصونها القوية.

 ألبوكريك

انتهت حياة ألبوكيرك بعد أن قد طبع عصرًا كاملًا بطابعه الخاص، وقد اتصف بالقسوة والشدة والعداء للإسلام، فكان بذلك أسوأ مستعمر في بدء المرحلة الاستعمارية الأولى.

توفرت للبرتغاليين عناصر شابة وقيادات مدرّبة من النبلاء الذين كانوا يفضلون القيام بالمغامرات البعيدة.

كان التفوق البرتغالي واضحًا في الصناعة البحرية، وعلى الرغم من التجهيزات العربية الفلكية المتقدمة، فإن صناعة السفن البرتغالية كانت في تطور فاق صناعة السفن العربية، فضلًا عن أن البرتغاليين قد اقتبسوا عن العرب الأشرعة الثلاثية، ولكنهم طوّروها وأتقنوا صناعتها وزودوها بالمدافع. يُضاف إلى ذلك استطاعتها الإبحار في البحار العالمية.

على الرغم من نظام الحكم الصارم الذي وضع أساسه ألبوكيرك، فإن إمبراطوريته لم تكن إمبراطورية بالمعنى الصحيح، بل هي إمبراطورية مائية ترتكز على نقاط فيها مراكز ومؤسسات تجارية. وكانت نقطة الضعف في الحكم البرتغالي هو ابتعاده تمامًا عن التعاون مع البحارة المسلمين الذين توارثوا مهارة آبائهم وأجدادهم.

ظلَّت الحكومة البرتغالية مدة طويلة تجني الفوائد الجمّة من تجارتها مع الشرق، غير أن المنتجات الشرقية الممتازة كانت ذات تكلفة كبيرة للمصنوعات التي كانت تُبادل بها البرتغال، فكان الميزان التجاري في صالح المنتجات الشرقية.

تمكن البرتغاليون بعد فتح طريق الهند من أن يتعرفوا على إفريقيا ويستعمروها، واتخذوا من أسلوبهم العربي نفسه، أي بالدخول إلى أعماق البلاد العربية والوصول إلى القبائل التي لديها الذهب، بعد أن فشل أسلوبهم بانتظارهم على الساحل.

شهد البحر المتوسط طوال القرن السادس عشر تطورات شتى، حتى كان مسرحًا للتنافس بين الدول الأوروبية مثل فرنسا وإنجلترا وهولندا.

إن الموجة الاستعمارية البرتغالية في الخليج العربي والمحيط الهندي لم تكن مغامرة تجارية، بل كانت مشروعًا أيديولوجيًا واقتصاديًا معقدًا، امتدت فيه حروب الاسترداد الدينية لتلتقي مع الطموحات التجارية لكسر الاحتكارات القائمة، لقد نجح البرتغاليون بفضل تفوقهم البحري في إعادة رسم خريطة التجارة العالمية، لكنهم تركوا وراءهم إرثًا من العنف والتدمير، ودشنوا عصرًا جديدًا من الهيمنة الأوروبية التي ستظل تؤثر في المنطقة قرونًا تالية، ما يجعل فهم هذه المرحلة مفتاحًا لفهم كثير من التطورات اللاحقة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.