الحياة ليست مسارًا نقطعه من نقطة البداية إلى النهاية، بل هي رحلة ذات تأثير عميق يشكِّل من نحن، نظلم الأشياء إذا جعلناها تقتصر على معنى واحد. كذلك هو الاستثمار، ذلك المصطلح الرائج في المجال الاقتصادي. ولكن لنرفع الظلم عنه ونطرح الإشكالية التي تقول: ما محل هذا المصطلح في الدراسات الإنسانية والفكرية للفرد العربي؟ إذا كان العالم المتقدم قد أدرك أهمية الاستثمار في العنصر البشري كونه ركيزة للنهوض، فهل ما زال الفكر العربي حبيس الطرح المادي؟ هذا المقال يطرح رؤية معمقة حول أهمية الاستثمار في الذات والفكر كعلاج لـ أزمة بناء الفكر العربي.
أزمة بناء: التحدي الجوهري للفكر العربي
إذا أردنا أن يزدهر اقتصادنا فعلينا أن نستثمر، حتى نتفادى أزمة اقتصادية، ولكن أي أزمة ستحدث إذا انعدم هذا المصطلح ولم يكن له محل في الوسط العربي؟
التشخيص: أزمة بناء: هذا ما نعاني منه؛ لأن الفكر العربي سجَّل ويسجل غياب الاستثمار في ذات الإنسان وعقله وروحه. الذي حدث هو أننا أهملنا بناء وتوثيق الأساس، وانشغلنا بهندسة الجدار، في حين أنه كان يجب علينا أن نبدأ بالأساس، أي نبدأ بالإنسان؛ لأن الوجود متوقف عليه. أؤمن بمبدأ التوازن كإيماني بأن الدعاء يغير القدر، فإذا ما اختل هذا التوازن فلن يستجيب الفكر لنداء الأمة ومواكبته لتحديات العصر.
جوهر التقدم: غنى الموارد البشرية
هل تساءلتم يومًا لماذا تقدم الآخرون؟ لأنهم انطلقوا في البناء بداية منهم، ولم يجعلوا الاستثمار حبيس الحقل الاقتصادي، بل نصبوا له مكانًا وأهمية في حياتهم.
-
خطر السطحية: السطحية في الأمور، في التغيير، كلها أشياء نعيشها، نحن نعيش الوجود بسطحية، والحال أنه يجب علينا العمق، فليست كل الأعماق تغرق صاحبها، في حالتنا هذه ستنقذنا.
-
مفهوم الغنى الحقيقي: التقدم ليس تقدمًا في الأمور المادية، بل تقدم في جوهر الإنسان وفي ملامح فكره، والغنى ليس غنى موارد مائية أو اقتصادية، بل غنى في الموارد البشرية أو ما يُعرف اقتصاديًّا برأس المال البشري وهذا ما نفتقده تمامًا.

مسؤولية الاستثمار: البداية منك وإليك
فإذا ما رفعنا الظلم وقررنا أن نستثمر، على من تقع عملية الاستثمار في العنصر البشري؟
ذات الإنسان هي العالم الخفي الخاص به ولا يدركه سواه، والاستثمار في هذه الذات يكون منه وإليه. فالواجب عليه أن يبدأ هو بنفسه، بداية يكون هو صانعها ومتتبعًا لمراحل صناعتها، فلا أحد يستطيع أن يُحدث تغييرًا فيك إلا أنت، ولا أحد يستطيع أن يقرر ويفعل إرادة الاستثمار فيك إلا أنت.
خطوات علاج أزمة البناء: كيف نستثمر في العنصر البشري؟
يقال إن الوقاية خير من العلاج. ولكن في حالتنا هذه لقد فوتنا فرص الوقاية، وعلينا أن نبدأ بعلاج أزمة البناء. فكيف نطلق ربيعًا فكريًّا لا خريف له؟
-
الإدراك والاعتراف: يجب أن ندرك أن الواقع هو نحن، والعلاج لا يكمن أولًا في الاستثمار بل في إدراك الأزمة. هذا الإدراك هو الخطوة الأولى في التنمية الذاتية.
-
العمق في القراءة والفكر: التوقف وإعادة النظر في كل ما حولنا، وممارسة الفكر النقدي (Critical Thinking) الذي لا يقبل السطحية، بل يبحث عن الجوهر والمسببات.
-
الاستثمار في الوقت والأعمال: إعادة توجيه الوقت نحو الأعمال التي تُحدث تأثيرًا تراكميًّا على الوعي والفكر، مثل التعليم المستمر بدلًا من الاستهلاك السطحي.
-
الجرأة على التغيير: صناعة جرأة تجعلنا نهمس للواقع بل لأنفسنا أننا مصابون بأزمة بناء، وأن العلاج يحتاج إلى إرادة جمعية ليكون الاستثمار في الفكر العربي شعارًا وممارسة.

إن رفع الظلم عن مفهوم الاستثمار يقتضي إدراك أن رأس المال البشري هو الغنى الحقيقي للأمة. لقد أظهرت أزمة بناء الفكر العربي حاجتنا الماسة إلى إعطاء الأولوية لـ أهمية الاستثمار في الذات والفكر، بدلًا من قصره على الحقل الاقتصادي. الحل يبدأ من الفرد ذاته، عبر التنمية الذاتية والعمق الفكري، فالوصول إلى الرؤى الكبرى لن يلبث أن ينهار إذا لم يكن أساسه مبنيًا على إنسان واعٍ ومستثمر في عقله.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.