الاستئصال الفرعوني للدماغ دون كسر جمجمة المومياء

اشتهر الفراعنة بأسرارهم وفنونهم في علم التحنيط، وتطبيقاتهم المثيرة لأساليبه على جثث أقرانهم وأحفادهم حتَّى ملوكهم وأمرائهم.

وتشكِّل هذه الأسرار منبع اهتمام واسع لدى كثير من علماء الآثار في العالم، وذلك لاستحالتها المنطقية وعجيب آثارها الملموسة في يومنا هذا، فقد تعدَّدت الأسئلة وكثُرت الاهتمامات عن مجموعة من الجوانب التي تخصُّ عالم التحنيط الفرعوني؛ ما الأدوات المستخدمة؟ وما المكوِّنات المستعملة؟ وكيف استطاعت حصيلة عملياتهم التحنيطية في الاستمرار بدقة وجودية عجيبة إلى يومنا هذا؟

اقرأ أيضاً سر التحنيط عند الفراعنة.. تعرف على أهم طرق الحفظ عند القدماء

عالم التحنيط عند الفراعنة

المعروف عند الفراعنة، أن يستأصل المحنِّط جميع الأعضاء والأحشاء؛ لسببين، أولهما -وهو الأشهر- لوضعها في صناديق خاصَّة تُوضَع بجانب التابوت في الحجرة نفسها ضمن الشعائر المتَّبعة، وثانيهما يعود إلى أنَّ بقاء الأحشاء في الداخل ومنها الدماغ، يؤدِّي لتعطيل دوام التحنيط وفشله، نظرًا لتخمُّر الأحشاء والأعضاء وموتها واندثار هيكليتها التركيبية، ما يؤثِّر سلبًا في الجسد المحنَّط.

وباستنتاجٍ واضح لما كُتب أعلاه، يتحتَّم على الفرعوني المحنِّط أن يستأصل الدماغ؛ لأنه عضو كغيره من الأعضاء والأحشاء. لكن يبقى السؤال مدار اهتمام علماء الطب والآثار حول السرِّ الكامن وراء مقدرة الفراعنة على استئصال الدماغ دون كسر الجمجمة، إذ إنَّ المشاهَد فيما يخصُّ جثث المومياء المعروفة هو أنَّها تمتلك كلٌّ على حدة جمجمة سليمة غير مكسورة.

اقرأ أيضاً تعرف على الطرق المختلفة للحفاظ على الجسم في العصر القديم

كيف تمكَّن هؤلاء الفراعنة من هذا الاستئصال؟

أجاب ليوناردو دافينشي عن هذا السؤال دون أن يُدرك ذلك، وأجاب لويجي الإيطالي السؤال ذاته دون أن يُدرك ذلك أيضًا، وغيرهما من علماء التشريح وروَّاده القدماء، حتَّى وصلت جهود علماء التشريح نقطة التقاء واضحة مع جهود علماء الآثار في المسألة ذاتها، ليتضح أنَّ سر الفراعنة في ذلك يكمن في عظْمة صغيرة تقع في مقدمة الرأس وبوضعية تجعلها رأسًا من رؤوس الأهمية في علم التركيب الجسدي والتشريحي.

العظْمة الغربالية، هي أحد العظام المكوِّنة لهيكل الرأس الإنساني، وتؤدي بأهميتها دور القائد في منطقة الرأس على الرغم من صغر حجمها. تمتلك العظمة حدودًا وأجزاء ومناطق مميزة، فمن الأعلى يبرز امتدادٌ عظمي منها، وأمَّا من الأسفل فامتدادٌ آخر يمتدُّ منها، أمَّا من كلا الجانبين، فقاعدة مستوية تمتدُّ من اليمين لليسار ومن الأمام للخلف، تشكِّل بذاتها أساس العظمة وأساس حديثنا أيضًا.

اقرأ أيضاً ما لا تعرفه عن التحنيط عند المصريين القدماء.. لا تفوتك

ما الأدوات المستخدمة عند الفراعنة؟

تتميَّز قاعدة العظمة الأساسية بكونها مخرَّمة ومثقوبة ثقوب عدة صغيرة ومتناثرة على امتداد القاعدة، هذه الثقوب تشكِّل ممرًّا لبعض الأجزاء التركيبية في المرور من الدماغ نحو التجويف الأنفي ومناطق أخرى خلالها، ما نستنتج أن هذه القاعدة حاجزٌ وفاصلٌ يفصل بين التجويف الذي يرقد فيه الدماغ والتجويف الأنفي الذي يستطيع أيٌّ منَّا الوصول إليه من فتحتي الأنف، وبناءً على هذا الاستنتاج، استثمره الفراعنة في سعيهم لاسئصال الدماغ.

كان الفراعنة يستخدمون أداةً مثل القشَّة، يُنفخ فيها ويُسحب الهواء منها، إذ كانوا يُدخلونها عبر أحد فتحتي الأنف نحو الأعلى للداخل حتى يصلوا قمة التجويف الأنفي المتمثِّلة بالعظمة الغربالية، فيخترقوا بهذه الأداة التي تشبه القشَّة أحد الثقوب الخاصَّة بالقاعدة ويصلوا للدماغ، فيشفطوه عبر القشَّة بواسطة فمهم، إذ إنَّ الدماغ يتميَّز بملمسه الرَّخوي، ما يُسهِّل سحبه عبر أداة رفيعة، فيخرج الدماغ من تجويفه إلى تجويف الأنف ثمَّ إلى الخارج.

كان السرُّ وراء عمليات الاستئصال الفرعونية المتكرِّرة والمحيِّرة للدماغ طوال الوقت ينبع من هذه العظمة الغربالية الصغيرة، فسبحان من أوجد لخلقه إبداع التفكير وحُسن التدبير في السعي والتنوير.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة