في عالمٍ يُفترض أنه أكثر راحة وتطورًا من أي وقت مضى، لماذا نشعر وكأننا نحمل جبالًا فوق أكتافنا؟ لماذا ينتابنا الإرهاق الذهني على الرغْم من أننا لم نركض ميلًا واحدًا؟ الجواب ليس في العضلات، بل في العقل. هذا ما بدأ علماء النفس يسمُّونه «الإرهاق العصبي» أو التعب النفسي غير المبرر، الظاهرة الصامتة التي أصبحت جزءًا من حياة الملايين حول العالم.
ما الإرهاق العقلي أو النفسي؟
الإرهاق النفسي (Mental Fatigue) هو حالة من الإنهاك الذهني والشعوري، تحدث عندما يواجه العقل تحفيزًا مستمرًا دون راحة كافية، فنجد أنفسنا معها بصعوبة في التركيز، فتور، تقلب في المزاج، وأحيانًا حتى أعراض جسدية كآلام الرأس أو اضطرابات النوم.

وبحسب دراسة نشرتها مجلة Neuropsychologia (2016)، فإن الإرهاق العقلي يشبه كثيرًا الإرهاق الجسدي من ناحية التأثير على الأداء، لكنه ينشأ من الضغط المستمر على الذاكرة، والانتباه، واتخاذ القرار.
أسباب خفية وراء الشعور بالتعب الدائم
وهي أسباب تحدث لنا جميعًا منها:
تعدد المهام (Multitasking)
قد يظن بعض منا أن أداء مهام عدة في الوقت نفسه يزيد من الإنتاجية، لكن الدراسات تثبت العكس.
فوفقًا لبحث من جامعة ستانفورد (2009)، فإن الأشخاص الذين يكثرون من تعدد المهام الرقمية يصبحون أقل تركيزًا وأبطأ في إنجاز المهمات.

الإرهاق الرقمي (Digital Fatigue)
قد لا يحب بعضكم سماع هذا، لكن: التمرير المستمر، التنبيهات، التنقل بين التطبيقات... كلها تستهلك موارد الدماغ.
وقد كشفت دراسة من Behavior & Information Technology Journal عن أن استخدام الهاتف الذكي أكثر من ساعتين يوميًّا يرفع مستويات التشتت الذهني والتوتر.
اتخاذ القرارات طوال اليوم (Decision Fatigue)
في كل مرة تختار فيها ماذا ترتدي، ماذا تأكل، أو متى تبدأ العمل – فإنك تُنقص من «طاقة القرار» لديك.
ويصف عالم النفس «روي باوميستر» هذه الظاهرة بأنها «استنزاف تدريجي لقوة الإرادة مع كل قرار».
وقد بيَّنت دراسة نُشرت في PNAS أن القضاة كانوا أكثر ميلًا لإعطاء أحكام مخففة في الصباح، مقارنةً بنهاية اليوم – وذلك فقط بسبب تعب اتخاذ القرار!

التحفيز الزائد (Overstimulation)
الإعلانات، الإشعارات، الأصوات، المعلومات... الدماغ في عصر اليوم يتعرض لكمية تحفيز حسِّي ومعلوماتي تعادل ما كان يتعرض له الإنسان في أسبوع كامل قبل 100 عام.
وهذا – لسوء الحظ – يؤدي إلى ما يسمى «التعب الإدراكي» (Cognitive Overload)، الذي يضعف الذاكرة العاملة ويُقلل القدرة على التركيز، حسب دراسة في Journal of Experimental Psychology.
لماذا لا تنجح الراحة أحيانًا؟
المفارقة العجيبة أن كثيرًا من الناس «يستريحون» ولا يشعرون بتحسن! لماذا يا تُرى؟
فهذا بطبيعة الحال، لأنهم لا يعطون عقولهم الراحة التي تحتاجها فعليًّا.
- التصفح السلبي أو قضاء ساعات على مواقع التواصل لا يُعدّ راحة، بل يزيد الإرهاق.
- النوم غير المنتظم يجعل الدماغ غير قادر على إعادة ضبط نظام الطاقة.
- قلة التعرض للطبيعة تؤثر على الجهاز العصبي الباراسمبثاوي، ما يضعف الشعور بالهدوء.

دراسة من جامعة Michigan وجدت أن المشي مدة 20 دقيقة في الطبيعة فقط يقلل هرمون الكورتيزول (هرمون التوتر) بنسبة 21%.
كيف نستعيد طاقتنا الذهنية؟
إليك أدوات مدعومة علميًّا لتحسين حالتك الذهنية وتقليل الشعور بالإرهاق:
نظام «العمل العميق» (Deep Work)
خصص وقتًا للعمل دون مشتتات، ولو ساعة يوميًّا.
أثبتت دراسة لـ Harvard Business Review أن هذا النوع من العمل يزيد الإنتاجية وجودة الإنجاز ويقلل الإرهاق.
تحديد الأولويات بأسلوب «إيسنهاور»
قسِّم مهامك إلى أربع فئات: عاجلة ومهمة – غير عاجلة ومهمة – عاجلة غير مهمة – غير عاجلة وغير مهمة.

يساعد هذا النظام في تقليل استنزاف طاقة القرار والتركيز على ما يهم فعلًا.
الراحة النشطة (Active Rest)
بدلًا من مشاهدة الفيديوهات فقط، جرِّب المشي، التلوين، أو الاستماع لموسيقى مريحة دون شاشة.
الدماغ يحتاج لراحة دون تحفيز جديد.
تقنية «90/20»
اعمل بتركيز لـ 90 دقيقة، ثم خذ استراحة 20 دقيقة بعيدًا عن الشاشة.
هذه التقنية تعتمد على إيقاع الجسم الطبيعي للطاقة، وفقًا لبحث من Florida State University.
خلاصة: ليس الكسل.. إنه الإرهاق
إذا كنت تعاني التعب المستمر، فلا تقسُ على نفسك. ربما لست كسولًا، بل مرهقًا ذهنيًّا.
في عالمٍ يُشغّل عقولنا طوال اليوم دون توقف، أصبح من الضروري أن نعطيها مساحة للتنفس، الهدوء، والاستشفاء.
«العقل مثل العضلة، يحتاج إلى استراحة لينمو»
دانيال ليفيتين، عالم الأعصاب ومؤلف كتاب
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.