الإدمان بين الوصم الأخلاقي والأزمة النفسية العميقة

في مجتمعاتنا المعاصرة ما زال الإدمان يُعامل بوصفه انحرافًا أخلاقيًا ناتجًا عن ضعف الإيمان وسوء التربية، في حين يتجاهل كثيرون جذوره الأعمق الممتدة في تربة النفس البشرية. فالإدمان، سواء كان كيميائيًا أو سلوكيًا، ليس مجرد عادة سيئة بل انعكاسٌ لأزمات داخلية، ووسيلة هروب من واقع مؤلم لا يُحتمل. إن قراءة الإدمان من زاويته النفسية والاجتماعية تفتح لنا أفقًا جديدًا لفهم الإنسان المعاصر، وتدفعنا لمراجعة نظرتنا إلى مفهوم الخطيئة، المسؤولية، والشفاء.

تتفق المجتمعات والشعوب ضمنيًا على خطوط حمراء في بيئتها تمثل جزءًا من منظومتها الأخلاقية، من يتخطاها يسقط في تصنيفات وأحكام تتبعه طوال حياته. ويؤثر في ذلك عوامل كثيرة منها الدين والعادات والتقاليد، ومن بين هذه الخطوط الإدمان.

لطالما كان النظر إلى الإدمان بمختلف أنواعه -الكيميائي منه أو السلوكي، أي ما تعلق بالجنس وغيره- على أنه باب انحراف سببه الأول ضعف الوازع الديني وخلل في التربية. ويتم التعامل مع من سلكوا هذه الطرق بفوقية واستعلاء ووصم يكوِّن مع الوقت هوية وصفة تعريفية لهم ويفاقم أزمتهم؛ وذلك لاستحالة القدرة على طلب المساعدة تقريبًا، أو حتى الفضفضة حوله؛ خوفًا من التصنيف والأحكام والإقصاء. وهذا الأمر يبرز أكثر لدى أصحاب الإدمان السلوكي، ويدفعهم للغرق فيه دون البحث عن أي قشة للنجاة، وأحيانًا حتى لو توفرت يتم صدها خشية الانكشاف والانسحاق تحت وطأة خزي أكبر.

أنواع الإدمان بين الخفي والظاهر

الإدمان الكيميائي: الرائج كثيرًا في مجتمعاتنا هو الإدمان الكيميائي الذي يكون بتعاطي مواد مخدرة، كتغيير للحالة الشعورية، وهروب مما لا يمكن احتماله من تقلبات وتعقيدات داخل النفس. ويكون أصحابه معروفين اجتماعيًا ومحددين، وهو ما يخشاه أغلب الآباء على أبنائهم، ويعدون الصحبة السيئة المسبب الأول للوقوع فيه.

الإدمان الكيميائي

الإدمان السلوكي الخفي: يبرز في العصر الحديث:

  • الاعتمادية العاطفية : الدخول في علاقات عدة التي كان أصحابها يعدون قليلي حياء وأدب بالدرجة الأولى، ولم يكن يُعد ذلك نوعًا من أنواع الإدمان أو الخلل النفسي بل انحلالًا خلقيًا.
  • إدمان الإباحية التي سطع نجمها مع الانفتاح التكنولوجي الذي أتاح للبشر أن يشاهدوا ما يشاؤون في أي مكان بضغطة زر فقط، وهو المهيمن على عالمنا اليوم والأكثر انتشارًا وسيطرة.
  • نهم الطعام: ويشترك مع الاعتمادية في غياب الوعي حول طبيعته ومسبباته، واعتباره مجرد صفة سيئة لدى من يعانون منه.

وكثرة تكرار الشيء وانتشاره لا بد أن يكون له أسباب قوية ومؤثرات مركزية. لذلك انتشرت البحوث المتعلقة بالإدمان بوصفه سلوكًا وظاهرة تسيطر على البشر، وكانت انطلاقته والتأسيس له لدى الغرب بحكم تمكُّن هذه الأزمة من شعوبه أكثر من غيرهم.

التعريف العلمي للإدمان سلوك نفسي - بيولوجي

لكثرة تكرار هذا السلوك، انتشرت البحوث المتعلقة به بوصفه ظاهرة تسيطر على البشر.

  • التعريف البيولوجي النفسي: يعرِّفه د. عماد رشاد عثمان في كتابه (ممتلئ بالفراغ) على أنه: «اعتماد سلوكي نفسي - بيولوجي، يتمثل في التناول القهري لمادة ما، أو الممارسة المتكررة لسلوك بعينه، من شأنه تحفيز مركز اللذة والمكافأة في المخ، مثيرًا دفقة من ناقلات عصبية تُسمى الدوبامين (Dopamine)، ومن ثم شعور بالارتياح والانتشاء..».

تعريف الإدمان

  • الوجه الحقيقي (الهروب): [إذا تعمَّقنا في طبيعته] نجد أنه سلوك يترجم أزمات نفسية داخلية، يلجأ إليه الشخص الذي يعاني من ضغوطات تفوق قدرته على التعامل معها وتجاوزها؛ فيهرب من آلامها إلى الإدمان بعدِّه مسكنًا مؤقتًا. يقول د. عماد أيضًا: «فالإدمان يقدم نفسه كفعل هروب من تلك المشاعر التي طالما لازمتنا.. وهذه المشاعر الأولية التي هربنا منها ابتداء تظهر مرة أخرى حينما نتوقف، لأننا لم نحلها، لم نواجهها، لم نتعامل معها من قبل، وإنما فقط فررنا منها باستخدام هروب مؤقت ممثل في الإدمان».

الوجه الحقيقي للإدمان

إذن الإدمان سلوك يتجاوز مجرد الانحراف الخلقي وضعف الوازع الديني كما هو رائج، ويمس أكثر النقاط عمقًا في النفس البشرية، ليستوطن الفجوة بين الواقع وقدرة الإنسان على التعامل معه. ويؤدي دور الأريكة المريحة التي نستريح فوقها بعد تعب وعناء طويل، وهو إذن بديل معطوب لغياب مهارات إدارة الحياة والمشاعر.

 وهذا الإدراك لطبيعته ودوره ومنطلقه يعيننا على:

تصحيح النظر تجاه من يعانون الإدمان، ومنحهم حضورًا آمنًا في الحياة، خاليًا من مشاعر الخزي والدونية والفوقية؛ لأن هذه المشاعر الأخيرة عنصر مرافق لا ينفك عن المدمن، خاصة الذي يعاني من أنواع الإدمان الخفية كالإباحيات وغيرها، تدفعه للاستمرار أكثر في حلقة مفرغة تتكون من الهروب من آلام الواقع إلى ألم آخر خفي هو الإدمان، ثم الهروب مجددًا من المشاعر التي يخلفها الإدمان إلى الإدمان نفسه. فهو إذًا بديل معطوب لغياب مهارات إدارة الحياة والمشاعر.

فهم الداء: لكل داء من دواء، لكن لمعرفة الدواء نحتاج أن نفهم الداء جيدًا، مسبباته وأعراضه، وأن نسميه باسمه الصحيح ابتداء، وينطبق ذلك على الإدمان الذي أضحى سرطان العصر. فالتوقف عن التعامل معه بوصفه عرضًا جانبيًا لأزمة أخلاقية، وطرحه على طاولة الفحص الطبي، أولى خطوات العلاج منه.

الإدمان ليس ضعفًا في الأخلاق بقدر ما هو صرخة خفية ضد وجع لا يُرى. والتعامل معه يحتاج إلى فهم قبل حكم، وإلى تعاطف قبل عقاب. فحين نكفّ عن وصم المدمنين ونبدأ في منحهم بيئة آمنة للاعتراف والعلاج، نكون قد خطونا الخطوة الأولى في إنقاذهم من سجن الألم والعار. إن استيعاب البعد النفسي للإدمان لا يحرر المدمن فقط، بل يحرر المجتمع من قسوته المزمنة تجاه المختلفين والمجروحين.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة