تُعد المرأة نصف المجتمع، وشريكًا أساسيًا في تقدمه وتحضره. لكن رحلتها نحو التحرر من القيود الاجتماعية والقانونية لم تكن سهلة، بل استغرقت عقودًا من الصراع الفكري والإنساني. ومن المدهش أن أول من دق ناقوس الخطر بشأن قضايا المرأة كان الأديب الروسي ليو تولستوي في روايته الشهيرة «آنا كارنينا» التي ألهمت الأدب والسينما المصرية لاحقًا، وأسهمت في فتح باب النقاش حول حق المرأة في الحرية والاختيار.
وفي هذا المقال نقترب من رحلة المرأة بين الأدب والواقع، وكيف أثر في تشريعات حديثة مثل قانون الخلع في مصر.
أولًا لنتفق أن المرأة هي نصف المجتمع، وهي الشريك الملازم للرجل في تقدم أي مجتمع وجعله يوصف بالمتحضر. وعندما انتصر المجتمع لها مؤخرًا كسب عضوًا فاعلًا ومؤثرًا في المجتمع.
ولكن الأمر أخذ أمدًا طويلًا حتى يتغير المجتمع ويقف في صف المرأة، أو بالأحرى أن ينظر لها على أنها النصف الآخر دون نقصان، ومساوٍ للرجل وفقًا للمسموح به دينيًا.
فإذا رجعنا إلى الوراء نجد أن قضايا المرأة وسبب معاناتها هي القضبان المغلقة عليها وراء سجن، هو أحقية الزوج في أن يفرج عنها أو يجعلها حبيسة طيلة عمرها رغمًا عنها وراء أغلال قيود زوجية قد تكون أُبطلت بالنفور أو الترك أو الهجرة عنها عن عمد. ولذا إذا رجعنا للأعمال السينمائية القديمة نجد تلك المعاناة قد يترتب عليها قضايا الخيانة الزوجية، ولكن إذا تذكرنا روايات عالمية قديمة نجد أنها أول من دقت ناقوس الخطر هي رواية (آنا كارنينا) للكاتب الروسي العالمي ليو تولستوي.
ولكن لا بد أن نعلم أن الرواية تعتمد على الخيال أكثر من الحقيقة، فهي ليست تقريرًا مفصلًا عن أحداث بتواريخ مثبتة، ولكن دائمًا الكاتب يبحر فيما هو أعمق مما يبوح به علنًا، وعلى من يقرأ أن يستشف ما بين السطور.
والأحداث المعاصرة المتلاحقة وفقًا للمتغيرات على المجتمع ونظرته للمرأة جعلت الكتاب المعاصرين يمزجون الخيال بالواقع بشكل أدق وأقرب إلى الواقعية عما كان يحدث في الكتابة قديمًا عن المرأة. فرواية (آنا كارنينا) اقتبس منها فيلم مصري في الخمسينيات بعنوان (نهر الحب) وجسَّدت شخصية آنا كارنينا الفنانة فاتن حمامة. ثم كان الترابط أدق وأعمق لوصف المشكلة في السبعينيات في فيلم (أريد حلًا) أيضًا للفنانة فاتن حمامة.
آنا كارنينا: صرخة تحذير من القرن التاسع عشر
فرواية (آنا كارنينا) التي أُلفت في نهاية القرن التاسع عشر هي أول من دق جرس الإنذار؛ لأن تولستوي لم يقصد بها الخيانة الزوجية، فهي كثيرًا ما تحدث وسط مجتمع أعمى لا يرى إلا ما يُعلن أمامه، ولكنه قصد تناول قضية المرأة عندما تحب في الوقت الخطأ، وعندما تريد أن تتحرر حتى لا تقع في فخ الخيانة ويدنس ثوبها الأبيض باللون الأسود.

فالمشاعر بالنسبة للمرأة مثل الحصان الجامح دون لجام، ومن تركبه يُتوقع أن يلقي بها في أول منحنى؛ ولذا كان لا بد لها من ضوابط دينية وأخلاقية في إطار قانوني يحررها حتى لا تقع في الرذيلة.
وتحرر المرأة من قيود من لا ترغب فيه هو أمر مشروع دينيًا للحفاظ عليها، ولكن المجتمع هو من تباطأ في حل قضايا المرأة.
الصدى في السينما المصرية من (نهر الحب) إلى (أريد حلًا)
وإذا رجعنا إلى رواية (آنا كارنينا) فقد اقتبست منها سلسلة من الأفلام المصرية. فقد كان فيلم نهر الحب (1960) تجسيدًا أمينًا للمأساة الرومانسية في الرواية، لكنه ركز على الجانب العاطفي أكثر من القضية الحقوقية.

أما النقلة النوعية فجاءت مع فيلم أريد حلًا (1975) الذي وإن لم يكن مقتبسًا مباشرة من الرواية، لكنه تناول جوهر مأساة "آنا": امرأة عالقة في زواج بلا حب وترغب في الانفصال لكن القانون والمجتمع يقفان ضدها.
لقد أحدث فيلم (أريد حلاً) الذي استند إلى قصة حقيقية للكاتبة الصحفية حسن شاه، ضجة مجتمعية هائلة في مصر. وقد وثّق العديد من الباحثين والمؤرخين كيف أن هذا الفيلم تحديدًا أدّّى دورًا مباشرًا في إثارة نقاش عام واسع النطاق حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، ما يجعله مثالًا نادرًا على قدرة الفن على التأثير المباشر في التشريع.
من الأدب إلى القانون: قصة إقرار قانون الخلع في مصر
استمر النقاش المجتمعي عقودًا، حتى جرت الاستجابة من المجتمع بقانون الخلع بموجب القانون رقم 1 لسنة 2000، وليس في التسعينيات كما هو شائع. بأحقية المرأة في تطليق زوجها وترد عليه مهره، دون أي أسباب غير أنها تبغضه أي لا تريده زوجًا بعد ذلك.
ويستند قانون الخلع في مصر إلى مبدأ فقهي راسخ في الشريعة الإسلامية، لكن القانون المدني أعطاه آلية تنفيذية واضحة أمام المحاكم، ما منح المرأة مخرجًا قانونيًا من الزواج التي استحالت استمراريتها.
تولستوي... الملهم الأول؟
فقد يكون ليو تولستوي الروسي الذي كتب الرواية منذ قرنين من الزمان من وجهة نظري هو من له البصمة الأولى في تحرير المرأة بفكره الذي سبق زمنه. مع العلم أن (آنا كارنينا) هي قصة حقيقية وليست مجرد مؤلف خيالي. فالرواية أصلًا اقتُبست عن قصة حقيقية في روسيا لامرأة تدعى (آنا ستيبانوفنا بيروغوفا) التي انتحرت برمي نفسها أمام قطار بعد علاقة عاطفية مأساوية، وهو ما وثقه تولستوي في يومياته.

لأن المجتمع كله عاقبها على حبها للكونت، وعاملها معاملة قاسية، وأصبحت منبوذة، ولم يعاقب المجتمع الكونت، ولم يلم الزوج الذي رفض تطليقها. فكأن (آنا كارنينا) هي أول من (خلعت) زوجها رمزيًا؛ لأنها اعترفت له بأنها تريد التحرر منه. وعلى الرغم ذلك رفض طلاقها، وحرمها من رؤية ابنها؛ فلم تجد حلًا غير الرحيل عن هذا المجتمع كله.
قوة الفن في تحريك المياه الراكدة
فالقضية مهما مرَّ عليها من سنوات لا تزال حية، وهي حقوق المرأة في المجتمعات الشرقية أي حق حرية الاختيار، وإن بدأتها مصر فلا بد أن تنتقل للعالم العربي كافة؛ فهو حق مشروع يصون المرأة أكثر مما يحررها.
وهكذا نرى كيف يمكن للأفكار أن تسافر عبر الزمن والثقافات، فعلى الرغم من أن تولستوي لم يشرّع لمصر، فإن استكشافه العميق لنضال امرأة من أجل تقرير مصيرها وجد صدى قويًا في السينما المصرية التي بدورها أدت دورًا موثقًا في تحفيز النقاش الاجتماعي والقانوني الذي أدى إلى تغيير ملموس. إنها شهادة على القوة الخالدة للفن في إضاءة الحقائق الإنسانية العالمية وإلهام البحث عن العدالة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.