أزمة الترجمة الأدبية في العالم العربي جسر الثقافات أم مسخ النصوص؟

يقول الأديب ميخائيل نعيمة «نحن في مرحلة من تطورنا الأدبي والاجتماعي، تنبَّهت فيها حاجات روحية كثيرة، لم نكن نشعر بها قبل احتكاكنا الحديث بالغرب، وليس عندنا من الإقدام ما يفي بسد هذه الحاجات، فلنترجم، ولنجل مقام المترجم؛ لأنه واسطة التعارف بيننا وبين العائلة البشرية العظمى، ولأنه يكشف لنا أسرار عقول وقلوب كبيرة، تسترها عنا غوامض اللغة، فيرفعنا من محيط ضيق إلى محيط نشرف منه على العالم الأوسع».

اللغة والأدب.. علاقة معقدة ومترجم مبدع

لا شك أن اللغة واسطة ثقافية كما هو معروف، غير أنها من الأدب واسطة مشروطة -إن لم أقل مقدسة- فإذا كان المترجم ممن يتقن اللغتين كل الإتقان ويجيدهما كل الإجادة، وله من القدرة على استعمال اللغة الأجنبية مثل ما له في اللغة الأم، فقد امتلك ناصية الأمر، وإن كان من القلة بمكان.

وذلك أن اللغة الأخرى أحيانًا تأسرنا من حيث لا ندرى، وبدلًا من أن تكون طيعة لنا خادمة لأغراضنا، نصبح عبيدًا لها تمتلكنا شعوريًا وفكريًا، خاصة إذا تعلق الأمر بالأدب وكل ما له صبغة أدبية، لنجد أن المترجم لم ينتقل قيد أنملة من اللغة الأخرى إلى اللغة المُترجم إليها، ليصبح مثلًا النص الأجنبي مترجمًا إلى العربية بصبغته ذاتها وروحه ذاتها، على الرغم من أنه من المفترض نقل النص مُترجمًا، ليكتسب روح اللغة المُترجم إليها «العربية»، بما يتوافق مع جمهور القراء وذائقته وثقافته؛ ليتمكن من تشرب النص بالكلية، لا منتقصًا نتيجة اختلاف نهج الحكي في معرض السرد. 

أحيانًا تأسرنا اللغة الأخرى من حيث لا ندرى وبدلًا من أن تكون طيعة لنا خادمة لأغراضنا نصبح عبيدًا لها تمتلكنا شعوريًا وفكريًا

فالعلاقة بين اللغة والأدب أصعب مراسًا، ولا تصبح طوال الوقت طيعة في يد الأديب، إن لم يكن واعيًا بالفروق اللغوية والثقافية بين شعوب تلك اللغات، فالأديب لا يسعى إلى تبليغ الحقائق، بل إلى رسم لوحة فنية، وتقديم أكلة شهية تناسب معدات المستهلكين وقدراتهم على الهضم والاستقلاب، وهو أمر تختلف فيه لغة عن لغة أخرى بحكم تنوع الثقافات، وتعدد طرق التعبير وأساليب التبليغ.

خطورة ترجمة العمل الأدبي وأزمة الأمانة

وحينئذ تصبح عملية ترجمة العمل الأدبي من أكثر الأعمال خطورة؛ لأنها تستوجب إلى جانب العمل القدرة على تمثيل المعاني وتقديمها في قالب جديد يناسب الإحساس الجديد واللغة الجديدة المترجمة إليها، وإلا أصبحت الترجمة تحريفًا وتشويهًا لروح النص وبنيته.

فضلًا على بعض الأعمال شديدة الحساسية مثل تلك المواد الموجهة خصيصًا للأطفال أو المراهقين، والتي تفتقد في أكثر حالاتها من الاقتراب لمدلولات وإيحاءات النص الأصلى، والتبعات السيئة التي تلحق بالنصوص الجديدة نتيجة ترجمتها عن لغات تختلف ثقافة شعوبها عن ثقافات الشعوب المُترجم إليها، وبروز اللون الأجنبي على متنها، وهو خطأ يقع فيه كثير من مترجمي اليوم، بدعوي أمانة النقل -وهي بالطبع دعوى باطلة- فالأمانة تقتضي أن تجيء الترجمة صورة جميلة للأصل، وليست شكلًا مشوهًا له.

فرويد والحل العبقري.. كيف نترجم ما نتذوقه لا ما نقرأه؟

ولعل من أكثر الطرق فاعلية لتفادي هذا العيب هي الطريقة التي اتبعها فرويد في العدد القليل من الكتب التي عمل على ترجمتها، فقد ذكر أنه كان يقرأ الفقرة باللغة الإنجليزية، ثم يطوي الكتاب ليعبر عما فهمه وعما تذوقه بلغته الألمانية، فتجيء الترجمة وكأنها من وحي المترجم وإبداعه.

مآسي الترجمة الحرفية.. حين يقتل المترجم روح النص

وهنا لا أنسى تجربتي مع الترجمة، فقد لجأت ذات يوم إلى أحد الزملاء المترجمين ممن أعرف -بالسماع- أن له قدرة فائقة على ترجمة الأعمال الأدبية، لكنني لم أقرأ له عملًا واحدًا ترجمته، كنت حينها أنتوي ترجمة روايتي (حكاية حكاها الله) إلى الإنجليزية والفرنسية، فباغتني الرجل حين وجهني لبعض معارفه المترجمين ليقوم بالمهمة متذرعًا بأنه لا يستطيع ترجمة روح العمل إلى تلك اللغات، آنها تعجبت كثيرًا من أمره، وتساءلت: كيف يعمل مترجمًا ويقف مكتوف الأيدي أمام عملي المتواضع؟!

قررت حينها أن أقرأ له عملًا نقله عن لغة أجنبية إلى العربية، وكانت المفاجأة: العمل كان منقولًا حرفيًا عن لغته الأم! لا أخفيكم شعرت بحائط غليظ يقف حائلًا بيني وبين نصه المُترجم، واكتنفني شعور بالغربة مريب لا يفارق ذاكرتي، كذلك الشعور الذي كنت أحسه في أعمال (الأدب العالمي للناشئين) التي كنت أطالعها في صغري عن مشروع القراءة للجميع، على الرغم من أني لا أنكر فضل كتب مكتبة الأسرة في مرحلة ما من عمرى في تكوين وجداني وذائقتي للقراءة -باستثناء الكتب المترجمة والمقتضبة للغاية-، ولن أنسى ما حييت صدمتي القصوى عندما رأيت النص الأصلي لرواية (كون تيكي) للروائي ثور هايردال، شعرت بأن النص المترجم ما هو إلا مقدمة تعريفية لموضوع الرواية وفكرتها، وتلك المعاناة وجدتها عند أكثر القراء أمثالى حينها.

تشخيص الأزمة.. لماذا تفشل ترجماتنا الأدبية؟

«إن الأديب يخلق الكلمة ولا يستهلكها، وعلى هذا فهو مبدع على مستوى الكلمة كما هو مبدع على مستوى الفكرة». كما ذكرنا سابقًا، وفي ميدان الترجمة تتضاعف المؤهلات، وتصبح الطريق أشد التواءً، إذا لا يصبح الإبداع على مستوى الكلمة والفكرة فقط، بل يضاف إليه مستوى آخر، وهو تفريغ النص من قالبه الأصلي وصبه في قالب جديد، وحينئذ تكون حظوظ التوفيق والسداد قليلة جدًا.

"لقد أصبحت القلة القادرة على فهم اللغات الأجنبية تستغل هذه القدرة لإعفاء نفسها من عناء البحث والتفكير المستقل".. فؤاد زكريا

وبتتبع أكثر الكتب المترجمة يصيبك خجل لا تستطيع الفكاك منه دون تعقيب، فهي إما ترجمات كلمة بكلمة، أو هي ترجمات للمعنى بغير استيعاب أو مراجعة واستقصاء، وفي كلا الحالين فهي تجني على الكاتب وما يكتب، وتضلل القارئ بأسلوب أو بآخر.

يقول الكاتب فؤاد زكريا: «في ظل الجهل باللغات الأجنبية لدى الغالبية العظمي من أفراد الأجيال الحالية، أصبح قدر لا يستهان به من التأليف أقرب إلى النقل المباشر أو التلخيص، لقد أصبحت القلة القادرة على فهم اللغات الأجنبية تستغل هذه القدرة من أجل إعفاء نفسها من عناء البحث والتفكير المستقل، وهي واثقة أن أحدًا لن يكتشف ما نقلته عن الغير».

ومن أكثر أزمات الترجمة أن كثيرًا منها يولي اهتمامًا شديدًا بنصوص هي في الأصل لا تستحق الترجمة، ولا تعني في الواقع شيئًا في نطاق الأدب العربي أو العالمي المعاصر، في الأقل للجوانب المتعلقة بالأصالة والقيمة، ولا تمتلك أدنى وثوق أو تمثيل واقعي لحركة الأدب بصفة عامة.

وقد يمكن إرجاء ضحالة تلك الأعمال وعرجها إلى أسباب عدة، نحصي منها مثلًا:

  • السرعة والربح: أعمال الترجمة تطغى عليها السرعة والعجلة والتباري إلى البسط وتحصيل الأولوية، وهذا ما يجعل بعض ترجماتنا أقرب إلى الهراء والسفاسف منها إلى إدراك المسئولية وتحمُّل التبعات الحضارية والفكرية.
  • عقدة الخواجة: ما زالت ترجماتنا متأثرة بأمورنا الفكرية، وبالعاطفة المتأججة تجاه هويتنا المسلوبة، وشعورنا بالنقص الفكري في أحايين كثيرة النابع من عقدة الخواجة؛ تلك العقدة التي ما تلبث أن تخبو لوقت ما حتى تطفو إلى السطح.
  • غياب الهدف: التطلع إلى سد الفراغ وملاحقة الغرب، لا إلى إنتاج أعمال أدبية أصيلة تحمل محتوانا وأهدافنا السامية، عقدة نقص تجاه الغرب، وذلك بالانسـياق في غيابة شبه كاملة خلف محتوى الغرب اللاهث بمعتقداته وأيديولوجياته الغريبة عنا كل الغربة.
  • الاستيراد الثقافي الأعمى: اللهاث وراء ترجمة الأعمال الأدبية الأجنبية دون هدف، أو قل تسقط منا الأهداف الأصلية لتلك العملية، وهي الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة من حضاراتهم القديمة والحديثة، لا لمسخها أو محاكاتها محاكاة عمياء، أو حتى  لتمسيخ أعمالنا الأصلية، على غرار ما يحدث في مجال الصناعة عندما نقوم بتصدير منتجاتنا الأصلية إلى الخارج بأثمان زهيدة، ثم نعيد استيرادها بأعلى الأسعار بعد طبعها بالكليشيهات الأجنبية، وإضافة عبارة «صنع فى...».

الترجمة الآلية تشويه ممنهج أم وسيلة مساعدة؟

فضلًا على أزمة الترجمة الفورية التي أحدثتها ثورة الاتصالات وتناميها المدهش، رغم أن الأمر قد يكون في ظاهره بعيدًا عن مجال الكتابة الأدبية، فإن الواقع يقول شيئًا آخر، لا سيما بعد دخول مواقع الإنترنت -خاصة مواقع التواصل الاجتماعي- كوسائل دعاية للأعمال الأدبية، إضافة إلى منصات النشر الإلكترونى؛ ما جعل من الترجمة الفورية أحيانًا إحدى الوسائل التي قد يلجأ إليها القارئ لاستعراض عمل ما، بل ووجدنا مؤخرًا نمطًا من المؤلفين يستخدمها وسيلة لترجمة النصوص الأدبية، ثم يعمل على تنقيحها لاحقًا، ظنًا أن مثل هذا المسخ سينطلي على جمهور القراء اليوم. لكن أمرهم بات مفضوحًا، ما اختلق فجوة شاسعة بين المحتوى الحقيقي ومعانيه وروحه وما يرمي إليه، وما تنتجه تلك التقنية الآلية صنيعة عصر المعلومات.

بل والأكثر من ذلك، وعلى مستوى أرفع من مستويات عموم القراء، استخدام آلات الترجمة الفورية في المحافل والمناسبات الأدبية لترجمة بعض النصوص للأدباء الأجانب، وهي آلات لا تحقق غير عملية ميكانيكية أشبه ما تكون بمعجم آلي يسهل استخراج الألفاظ بسرعة، غير أن أكثرها يعاني عدم تطابقه أو تكافئه مع معظم الكلمات من لغة إلى أخرى، فضلًا على تجاهلها لأخص الأمور التي تعول عليها عملية ترجمة النصوص الأدبية، مثل روح اللغة وإيحاءات الكلمات وحضارة الشعوب التي يُترجَم النص إلى لغاتها، إضافة إلى مبادئ المادة التي يتم ترجمتها، لتنتج بالنهاية نصوصًا مشوهة إجمالًا وتفصيلًا، تحتاج بنمط أو بآخر إلى معالجة يدوية متخصصة، ما نهض مؤخرًا بأصوات تعاني من عدم تفهم النصوص الأدبية المعروضة.

نماذج مضيئة في الترجمة الأدبية

وعلى الرغم مما سلف من أسباب وتعليلات لأزمة الترجمة؛ فإنه لا يمكن بأي حال أن ننسى أبدًا دور بعض أدبائنا العظام في هذا المجال. وفي هذا الصدد نستعرض هذا المقطع المُترجم للأديب المخضرم (محمد عناني) لرواية (كيم.. مغامرات صبي بحثًا عن هويته في الهند) للروائي الإنجليزي (رديارد كيبلنج) أول أديب إنجليزي يفوز بجائزة نوبل في الآداب.

«كانت أضواء المصابيح قد شحبت في ضوء الفجر، حين أتى عامل التذاكر ذو الطائفة المختلطة، وجمع التذاكر في الشرق يجري ببطء شديد، حيث يخفي الناس تذاكرهم في أغرب الأماكن، أخرج كيم تذكرته، وقيل له أن يغادر القطار. اعترض قائلًا: 

- لكنني ذاهب إلى أومبالا، فأنا أرافق هذا الرجل الرباني.

- لا يهمني إن ذهبت إلى جهنم، فهذه التذكرة إلى أمريتسار فقط، اخرج!

انفجر كيم يبكي بغزارة قائلًا: إن اللاما كان أباه وأمه، وإنه كان العماد الذي يستند إليه اللاما في سنواته الأخيرة، وإن اللاما سيهلك دون رعايته له. وأخذ جميع من في العربة يتوسلون إلى عامل التذاكر أن يبدي الرحمة، وكان موظف البنك من أفصحهم في ذلك، ولكن العامل ألقى كيم على رصيف المحطة، كانت نظرات اللاما زائغة إذ عجز عن إدراك حقيقة ما يحدث.

رفع كيم صوته وانخرط في البكاء خارج شباك العربة:

- أنا أفقر الفقراء، أبي مات وأمي ماتت أيها المحسنون، لو تركتموني هنا فمن سوف يرعى ذلك العجوز؟».

الهدف الحقيقي للترجمة ليس ملاحقة الغرب فحسب بل الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة منها لإثراء ثقافتنا

إن «الأديب يخلق الكلمة ولا يستهلكها»، وفي ميدان الترجمة تتضاعف هذه المسؤولية، فيُطلب من المترجم أن يفرغ النص من قالبه الأصلي ويصبه في قالب جديد يناسب لغته وثقافته. إن الهدف الحقيقي للترجمة ليس ملاحقة الغرب فحسب، بل هو الاطلاع على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة منها لإثراء ثقافتنا، لا لمسخها أو تمسيخ أعمالنا. والطموح الأسمى لأدبنا المترجم هو أن يتجاوز الكلمات إلى الحياة، وأن يكون جوابًا عن تحديات العصر، وأن يجد حيويته في السؤال لا في الجواب، وفي الإبداع لا في النقل الأعمى.

إن ترجمة الأدب ليست علمًا، بل هي فن يتطلب موهبة خاصة، وحسًا ثقافيًا مرهفًا، وقدرة على الغوص في أعماق النصوص لنقل روحها، لا صورتها الخارجية، إنها عملية تتطلب الإبداع على مستوى الكلمة والفكرة، إضافة إلى القدرة على إعادة صياغة النص في قالب جديد ينسجم مع اللغة والثقافة المستهدفة. إن تحقيق الأمانة في الترجمة الأدبية يعني تقديم عمل جميل يضيء على الأصل، لا أن يشوهه. فكيف يمكننا دعم المترجمين المبدعين وضمان جودة الترجمات الأدبية في عالم يتسارع فيه وتيرة النشر والاطلاع على ثقافات الآخر؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.