على مدار أكثر من 100 عام، كان تمثيل الأدب الإفريقي في جائزة نوبل للأدب هزيلًا، إذ لم يفز بالجائزة سوى 5 كتّاب أفارقة فقط من بين عدد من الأسماء التي استحقت الحصول عليها. وفي الناحية الأخرى، فإن الجائزة دائمًا ما كانت تحت سيطرة قارتي أوروبا وأمريكا، وهو ما لا يتناسب أبدًا مع حجم القارة السمراء ومستوى الأدب الإفريقي، والأدباء الذين لا يقلون إبداعًا وأصالة عن أدباء أوروبا وأمريكا.
فما معايير الحصول على الجائزة الدولية؟ ومن الأدباء الأفارقة الذين حصدوا جائزة نوبل في ظل الانحياز الكبير لأدباء أوروبا وأمريكا؟ ولماذا يتعرض الأدب الإفريقي لهذا الظلم والإجحاف من القائمين على جائزة نوبل؟
أسئلة تجد إجاباتها في هذا المقال، إضافة إلى بعض الحقائق والمعلومات عن جائزة نوبل في الأدب في السطور التالية.
الأدب الإفريقي وجائزة نوبل تاريخ من التهميش
غالبًا ما يتناول الأدباء والنقاد والباحثون في القارة السوداء جائزة نوبل بعدّها جائزة أوروبية، نظرًا للسيطرة الكبيرة لأدباء أوروبا على الجائزة، فحتى تاريخ كتابة هذا المقال، لم يستطع سوى 5 أدباء فقط من إفريقيا الحصول على جائزة نوبل، على الرغم من الإنتاج الضخم للأدباء الأفارقة على مدار المئة عام الماضية.
وقد كانت أهداف (ألفريد نوبل) نفسه من جوائز نوبل، تكريس الأعمال التي تهتم بنقل الفكر الإنساني في كل مكان في العالم، وليس في أوروبا فقط، فلماذا يتم تهميش قارة إفريقيا؟ وهل يحدث هذا الأمر بقصد، أم أن الأدباء الأفارقة قد انشغلوا بطرح همومهم وجمالياتهم التي يراها الآخرون ذات أفق محلي محدود؟
وردًا على هذه الكلام فإننا لا بد أن نذكر بعض أسماء الأدباء الأفارقة الذين تجاوزت أعمالهم سمة المحلية، وكان لها تأثير كبير في الأدب العالمي، وعلى الرغم من ذلك فهي لم تفز بجائزة نوبل، وعلى رأس القائمة يأتي اسم الكاتب النيجيري الكبير (تشينوا تشيبي) الذي يعد أبو الأدب الإفريقي الحديث، فقد كانت أعماله متداولة في كثير من بلدان العالم، وتناولت الأبحاث والدراسات الأدبية في جامعات أوروبية وأمريكية أعماله بالدراسة والنقد.

وعلى النهج نفسه، تبرز أسماء عدة مثل الأديبة الجزائرية (آسيا جبار)، والأديب الصومالي (نور الدين فرح)، وكذلك الأديب السوداني الكبير (الطيب صالح)، وهو ما يوضح كيف تم تجاهل الأدب الإفريقي على مدى عقود طويلة لمصلحة المركزية الأوروبية، وهو أمر قد اعترف به السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية منذ عام 1990 وحتى عام 2009، (هوراس أنجدال)، حين قال في حواره مع وكالة أسوشيتد برس عام 2008: «قارة أوروبا هي مركز العالم الأدبي... والولايات المتحدة منعزلة جدًا ومترجمة بشكل ضئيل جدًّا». ولا شك أن هذا التصريح يؤكد أن صدى هذه المركزية الأوروبية المفترضة لا يزال يتردد بين أروقة وكواليس الأكاديمية السويدية.
معايير منح جائزة نوبل للآداب
هذه الجائزة السويدية التي تُمنح سنويًا للكتاب منذ عام 1901، غالبًا ما تُمنح للكاتب لعمل بعينه، وفي أحيان قليلة يكون النظر إلى مجمل أعمال الكاتب، واختيار مستحق الجائزة كل عام، بواسطة اللجنة المسؤولة في الأكاديمية السويدية، فما معايير اختيار الكتاب والأدباء المرشحين للجائزة من أجل الاختيار في ما بينهم كل عام؟
تقول الكاتبة الروائية (إيلين ميتسون) التي تنشط عضوة في لجنة تحكيم جائزة نوبل للأدب: «يوجد نظام لإجراء الترشيح.. لدينا مجموعة من الأشخاص المؤهلين لترشيح الكتاب.. من بينهم أعضاء الأكاديمية السويدية والأكاديميات الأخرى، وأساتذة الأدب واللغة، والفائزون السابقون بالجائزة».
وتقول السكرتيرة الدائمة لأكاديمية نوبل (سارة دانيوس): «إن الفوز بجائزة نوبل في الأدب يتوقف على التميز والجودة الأدبية والتفرد والأسلوب العالي، ويجب أن يتمتع الكاتب بقدرة كبيرة وأسلوب قوي وفرادة، تجعله أهلًا للحصول على الجائزة، ويجب أن تكون المعايير سهلة ولكن صارمة، كما يجب أن يكون العمل الأدبي ذا صبغة إنسانية»، وتضيف أن المعيار الأساسي المذكور في وصية ألفريد نوبل هو منح الجائزة لمن أنتج «العمل الأكثر تميزًا في اتجاه مثالي».
ومع هذه المعايير التي تعد معايير نسبية، يمكن أن يختلف عليها كل الناس، سواء كانوا متخصصين في الأدب أو غير ذلك، فقد صاحب كل جوائز نوبل في الأدب كثير من الخلاف والجدل والنقاش عن مدى استحقاقية الفائز، مع كثير من الاتهامات للأكاديمية الأوروبية، بكونها تعتمد معايير أخرى غير معلنة، تعتمد على التحيز السياسي والفكري، والنزعة الأوروبية، إضافة إلى عدد من التفسيرات غير الموضوعية لكثير من الأعمال الأدبية.
أما الأدباء الأفارقة فهم لا يتحدثون عن المعايير عند الحديث عن جائزة نوبل في الآداب، وإنما يتحدثون عن الأدب الإفريقي الذي يحمل في جوانبه أسباب إقصائه من الجائزة الأوروبية، فيقولون إن الأدب الإفريقي غالبًا ما يحمل ملامح تاريخ القارة التي عانت من الاستعمار وعدم الاستقرار السياسي، فكان الأدب مرآة للمقاومة والسعي للتحرر، وإظهار عيوب المستعمر الأوروبي، فكيف يمنح الأوروبيون جائزة للأدب الذي يقاومهم في الأساس؟
الفائزون الأفارقة بجائزة نوبل في الأدب
من بين هذا الحصار الكبير للأدب الإفريقي، والتحيز الواضح من القائمين على جائزة نوبل لأدباء أوروبا وأمريكا، استطاع 5 أدباء أفارقة الحصول على الجائزة الدولية، وعلى الرغم من وجود عدد من الأدباء الذين عاشوا في إفريقيا أو ولدوا بها قد حصلوا على الجائزة، فإننا لا نعدهم أفارقة كليًّا، وتجدر الإشارة إلى أن فائزين آخرين ولدوا في إفريقيا مثل ألبير كامو (الجزائر) ودوريس ليسينج (إيران، ونشأت في زيمبابوي)، لكن أعمالهم غالبًا ما تُصنف ضمن التقاليد الأدبية الأوروبية.
وفي الأسطر التالية الفائزون بجائزة نوبل في الأدب الإفريقي.. ونبذة مختصرة عن كل منهم.
وولي سوينكا (1986)
كان الأديب النيجيري وولي سوينكا هو أول إفريقي أسود يحصل على جائزة نوبل في الأدب، وذلك عام 1986، وقد مُنحت له الجائزة لأنه «في منظور ثقافي واسع ومع نغمات شعرية، يصوغ دراما الوجود» وفقًا لموقع جائزة نوبل الرسمي، ويعد من أفضل كتّاب المسرح في إفريقيا، إضافة إلى أعماله الشعرية والروائية.

ولد وولي سوينكا عام 1934 وتعلم في نيجيريا، قبل أن يسافر إلى إنجلترا، فاكتسب كثيرًا من الخبرات بفضل عمله في المسرح في لندن، وقبل أن يعود إلى نيجيريا مرة أخرى عام 1960، كانت قضية تطوير المسرح في نيجيريا هي همّه الأول، إضافة إلى الدراسات والأبحاث الأدبية، إذ يعد وولي سوينكا موسوعة ثقافية حية.
من أهم أعماله المسرحية التي تُرجمت إلى عدد من اللغات، مسرحيات (رقص الغابات، والموت، وفارس الملك) وهي المسرحيات التي قيل عنها إنها أدت إلى تحول كبير في العمل المسرحي العالمي، وليس فقط في إفريقيا، فقد كانت كتابات سوينكا المستمدة من جذور الثقافة النيجيرية المحلية تنطلق لتتشابك مع عدد من القضايا العالمية التي تشغل الإنسان في كل مكان، وهو ما جعلها تتحول من تراجيديا كلاسيكية إلى دراما حديثة ذات صبغة عالمية.
نجيب محفوظ (1988)
يُعَدُّ الأديب المصري نجيب محفوظ أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل عام 1988، وعلى قائمة الكتاب الأفارقة، فهو الثاني بعد وولي سوينكا والوحيد في شمال إفريقيا، وقد حصل محفوظ على الجائزة عن ثلاثيته المشهورة، إضافة إلى مجمل أعماله الأدبية التي تتميز بالأسلوب السردي الكلاسيكي، وتركز على الشخصيات والعادات والتقاليد والقيم الاجتماعية في المجتمع المصري التي تظهر معها ملامح الحارة المصرية، في ما يُعرف أدبيًا بالواقعية الرمزية.

وقد مُنحت له الجائزة لأنه «بفضل أعمال غنية بالفوارق الدقيقة -الواضحة الآن بواقعية، والغامضة الآن على نحو مثير للذكريات- قد مثَّل فنًا روائيًا عربيًّا ينطبق على البشرية جمعاء.
وقد عُرف عن نجيب محفوظ أنه لا يحب السفر كثيرًا، فحتى عندما أعلنوا فوزه بجائزة نوبل، لم يسافر لاستلام الجائزة، وإنما استلمتها ابنته بالنيابة عنه.
وبجانب جائزة نوبل فقد حصل الأديب المصري على جوائز وأوسمة عدة، أبرزها جائزة (كفافيس) في الأدب عام 2004، والوسام الرئاسي، والدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية في القاهرة عام 1989.
ومن أهم الأحداث التي مر بها نجيب محفوظ في حياته، تعرضه للطعن ومحاولة الاغتيال عام 1995، وذلك من قبل شابين معارضين له في الرأي والنهج، بعد كثير من الجدل الذي دار حول روايته «أولاد حارتنا»، وهي الرواية التي لقيت اعتراضًا كبيرًا من الهيئات الدينية في مصر، ما أدى إلى نشرها في بيروت، قبل إعادة نشرها في مصر بعد سنوات عدة.
نادين جورديمير (1991)
في عام 1991، حصلت نادين جورديمير من جنوب إفريقيا على جائزة نوبل في الأدب، وهي صاحبة التجربة الكبيرة في الرواية والقصة القصيرة والمقالات، ومنحت نادين جورديمير لأن أكثر ما يميز نادين جورديمير قدرتها على صناعة الملاحم الكبيرة في أعمالها الروائية التي تأخذ منحنى إنسانيًا رائعًا، إضافة إلى انحيازها لحركات المقاومة عمومًا، والمقاومة ضد التمييز العنصري خاصة.

ولدت نادين جوردمير في مدينة سبرينغ في جنوب إفريقيا لعائلة يهودية، وكان أبوها من لاتفيا وأمها من بريطانيا، وقد بدأت نادين جوردمير الكتابة وهي في التاسعة من عمرها، وعندما بلغت الـ15 استطاعت نشر أول أعمالها، كما تعد روايتها «المحادثة» التي كتبتها عام 1974 أول أعمالها التي حققت انتشارًا كبيرًا ووضعتها على طريق العالمية
وكانت رواية (شعب يوليو) من أكثر روايات نادين جوردمير نجاحًا وتأثيرًا، والتي تعود لأحداث حقيقية حدثت في جنوب إفريقيا، وتدور حول عصابة متمردة كانت تسعى لإيذاء أسرة بيضاء، فاستعانت الأسرة بخادمها الأسود، ما أدى إلى تغير الأحوال وانقلابها رأسًا على عقب بسبب اعتماد الأسرة على الخادم الأسود الذي أصبح فردًا من أفراد الأسرة، لتخرج الرواية من كونها عملًا أدبيًا سلسًا، إلى ملحمة كبيرة تناقش العنصرية والعلاقات الإنسانية بطريقة مبدعة.
ومع الموهبة الكبيرة للكاتبة نادين جوردمير، فقد كان نشاطها في حركات مقاومة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا سببًا في تصدي النظام الحاكم لأعمالها ومؤلفاتها الروائية والقصصية، لكنها استطاعت أن تتجاوز تلك الظروف، وتصبح أيقونة من أيقونات الأدب الإفريقي، حتى قامت جماعة (تحرير جنوب إفريقيا) بجمع أعمالها، لتحصل على الحفاوة الكبيرة التي تستحقها لمستوى أعمالها الأدبية وكذلك لمواقفها الشخصية.
جون ماكسويل كوتزي (2003)
ومن جنوب إفريقيا، مرة أخرى يحصل أحد الأدباء على جائزة نوبل، وهذه المرة هو الكاتب الكبير جون ماكسويل كوتزي الذي حصل على الجائزة عام 2003، ليصبح بذلك الأديب الثاني من جنوب إفريقيا، والرابع على قائمة الأدباء الأفارقة الذين حصلوا على الجائزة العالمية.

ولد جون ماكسويل كوتزي عام 1940 في مدينة كيب تاون في جنوب إفريقيا، لأسرة متوسطة الحال، فكانت أمه مدرسة، وكان أبوه ينشط في مجال المحاماة، إضافة إلى العمل في معسكرات الجيش.
واستطاع كوتزي أن يحصل على بكالوريوس اللغة الإنجليزية والرياضيات مع مرتبة الشرف من جامعة كيب تاون، قبل أن يسافر إلى إنجلترا للعمل في مجال الحاسوب، وهي المدة التي أعد فيها أطروحته حول الأديب الإنجليزي (فورد مادوكس فورد)، ثم التحق بعد ذلك بجامعة تكساس، ونال شهادة الدكتوراه في اللسانيات الإنجليزية واللغات الألمانية، لتبدأ بعدها مسيرته الأدبية.
على مدار حياته الأدبية كتب كوتزي عددًا من الروايات التي كان لها تأثير كبير في الأدب في جنوب إفريقيا التي استطاعت أن تتجاوز الجغرافيا وتحظى بصبغة عالمية، ومنها روايته «في وسط البلاد» التي حصدت جوائز رفيعة في جنوب إفريقيا، وطُبعت في إنجلترا وأمريكا، وروايته الأخرى «في انتظار البرابرة» التي نالت شهرة كبيرة، وتُرجمت إلى عدد من اللغات، كما حصلت روايته «حياة مايكل كي» على جائزة كتاب بريطانيا، قبل أن يحصل على جائزة نوبل في الأدب عام 2003.
عبد الرازق جورنا (2021)
في عام 2021، حصل الأديب التنزاني الكبير عبد الرازق قرنح أو عبد الرازق جورنا على جائزة نوبل في الأدب، وجاء في حيثيات الجائزة (أنه حصل عليها لما تمتع به من حسن استبصار خالٍ من أي مساومة لآثار الاستعمار، ولتعاطفه مع اللاجئ العالق في هوة الاختلافات بين الثقافات والقارات).

ولد عبد الرازق جورنا في جزيرة زنجبار التابعة لتنزانيا عام 1948، وهو من أصول عربية يمنية، لكنه رحل إلى بريطانيا في ستينيات القرن الماضي بسبب ما تعرضت له الأقلية المسلمة من اضطهاد في البلاد.
تركزت أعمال عبد الرازق جورنا على قضية اللاجئين وتصوير ثقافات شرق إفريقيا المتنوعة، فتناولت رواياته الثلاث الأولى تجربة اللاجئين في بريطانيا من نواحٍ غدة، في حين تناولت روايته الرابعة «الجنة» التي صدرت عام 1994، أحوال الاستعمار في شمال إفريقيا في زمن الحرب العالمية الأولى، وهي الرواية التي فازت بعدة جوائز عالمية.
وحصلت مجموعة من أعمال عبد الرازق جورنا على جوائز مهمة في بريطانيا وفي أوروبا، ولعل أبرز رواياته التي ساعدت على انتشار صيته كاتبًا عالميًا روايات «عن طريق البحر»، و«الهدية الأخيرة»، و«طريق الحاج».
وفي نهاية هذا المقال الذي حاولنا فيه إلقاء الضوء على جائزة نوبل في الآداب في ما يخص قارة إفريقيا، والأدباء الأفارقة الذين استطاعوا خرق الحصار الأوروبي والأمريكي للجائزة والحصول عليها في 5 مناسبات، نرجو أن نكون قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.