الإدارة المبنية على الأدلة.. هل نفكر قبل أن نقرر؟

يبرز مفهوم الإدارة المبنية على الأدلة نهجًا يسعى لسد الفجوة بين البحث الأكاديمي والممارسة العملية، داعيًا إلى تأسيس القرارات الإدارية على أسس علمية ومنهجية سليمة، يستعرض هذا المقال مفهوم الإدارة المبنية على الأدلة، ومرتكزاته الأساسية، وأدواته المنهجية، والمعوقات التي تواجهه، وتأثيره في الارتقاء بوعي اتخاذ القرار الإداري.

اتخاذ القرار فعل مؤسسي يحمل مسؤولية معرفية وأخلاقية كبيرة، وقد استسلمت الإدارة طويلًا لسلطة الخبرة المتراكمة، واليوم والعالم يفيض بالمعرفة لم تعد المشكلة في قلّة ما نعرف، بل في كيف نستخدم ما نعرف. ما بين رفوف البحث الأكاديمي وغرف الاجتماعات التنفيذية، تمتد فجوة لا يردمها الانطباع ولا يسدها التقليد، فباتت الحاجة ملحة للاعتماد على الأدلة المعتبرة بواسطة نهج الإدارة المبنية على الأدلة الذي يطرح سؤالًا مركزيًّا: هل قراراتنا امتداد للتفكير؟ أم أنها بدائل مؤقتة للغياب الفكري؟

لماذا ظل القرار الإداري أسيرًا للحدس والتقليد؟

لطالما خضعت القرارات الإدارية لمزيج يُعاد به تدوير ما نجح سابقًا، لا لأنه الأنسب، بل لأنه الأسهل، وتُستدعى التجارب الناجحة كونها حلولًا جاهزة بينما تظل الأسئلة الكبرى معلّقة، ثلاثية مألوفة: الحدس، والتقليد، والتجربة الشخصية، وهذه الأدوات وإن كانت مفيدة في بعض السياقات فإنها كثيرًا ما أنتجت قرارات منقطعة عن الواقع المتغير، وعاجزة عن التعامل مع التعقيد المتزايد، وبها أصبح القرار الإداري في كثير من الأحيان تكرارًا تلقائيًا لما عدوه ناجحًا في الماضي، بدلًا من أن يكون استجابة مدروسة للمعطيات الحالية، ودون أن نسأل، هل يصلح هذا النموذج لدينا؟ وهل نعرف سبب نجاحه أصلًا؟

فحين يُختزل القرار في الانطباع، تتراجع المؤسسة إلى منطقة الأمان الوهمي ويكون التكرار دون تحليل، والنقل دون تمحيص. 

كيف بدأت فكرة الإدارة بالدليل؟

بدأت ملامح هذا التحول مع بدايات القرن الـ21 تحديدا عام 2005، حين دعت الباحثة دينيس روسو إلى تحويل الإدارة إلى مجال قائم على الأدلة، كما هو الحال في الطب. 

هذه الدعوة لم تكن نظرية، بل جاءت رد فعل على فجوة خطيرة هي في الانفصال بين ما نعرفه من البحوث، وما نمارسه في الواقع، فالقرارات الإدارية يجب أن تستند إلى ما هو موثوق، لا إلى ما هو مريح، واستلهمت هذا المنهج من “الطب المبني على الأدلة”، لتؤكد أن القرارات الإدارية -شأنها شأن التشخيص الطبي- يجب أن تُبنى على براهين وعلى أساس علمي رصين، لا على حدس أو شهرة أو تقليد. 

فكرة الإدارة بالدليل

كان آرشي كوكرين (Archie Cochrane) من رواد فكرة الاعتماد على الأدلة في الطب في أوقات سابقة، ما مهد الطريق لظهور هذا النهج في مجالات أخرى كالإدارة.

ما مرتكزات الإدارة المبنية على الأدلة؟

الإدارة المبنية على الأدلة ليست حكرًا على الأدلة العلمية وحدها، بل تقاطعٌ منظم لأربعة مصادر تعمل نسيجًا معرفيًّا متكاملًا:

  1. الأدلة العلمية: نتائج البحوث المحكمة التي تخضع لمعايير الصلاحية والموثوقية.
  2. البيانات التنظيمية: ما يُظهره الواقع الداخلي للمؤسسة من علامات أداء، ومشكلات، أو فرص.
  3. الخبرة المهنية: الحُكم العملي الناتج عن التفاعل المتكرر مع مواقف واقعية.
  4. تفضيلات المعنيين بالقرار: ما يظهر مصالح واحتياجات الفئات المتأثرة، سواء موظفين أو عملاء أو شركاء.

ليس المطلوب أن تتطابق هذه المصادر، بل أن تُفهم وتُوزن ضمن سياق القرار، حتى لا يكون القرار ناتجًا عن مصدر واحد مهيمن يُقصي البقية.ويتطلب تطبيق الإدارة المبنية على الأدلة تفكيرًا نقديًا لتقييم الأدلة من مصادرها المتنوعة ودمجها بأسلوب متوازن.

منهجية PICOC.. كيف نقيّم صلاحية الدليل؟

حتى لا يُستخدم الدليل بطريقة انتقائية أو منقطع عن السياق، تُقدّم منهجية PICOC خمس عدسات لتحليل الدليل وتفكيكه للتأكد من صلاحيته وملاءمته قبل اعتماده:

  1. Population: من الفئة المستهدفة بهذا القرار؟ هل تشبه جمهور الدراسة الأصلية؟
  2. Intervention: ما التدخل المقترح؟ وما طبيعته وتأثيره؟
  3. Comparison: ما البديل أو الوضع المقارن؟
  4. Outcome: ما النتيجة المتوقعة؟ وهل يمكن قياسها؟
  5. Context: ما خصائص السياق المؤسسي الذي سيتم فيه اتخاذ القرار؟

هذه الأداة لا تُقدّم القرار، بل تساعد على تحريره من الوهم.

ما معوّقات تطبيق هذا النهج؟

على الرغم من وجاهة فكرة الإدارة المبنية على الأدلة لا تزال تصطدم بثلاثة أنماط من المقاومة:

  1. عوائق معرفية (Cognitive Barriers): ضعف مهارات التقييم والتحقق للأدلة.
  2. عوائق ثقافية (Cultural Barriers): مركزية الخبرة بعدِّها مصدرًا كافيًا للقرار وتعظيمها على حساب الدليل.
  3. عوائق هيكلية (Structural Barriers): نظم لا تكافئ التفكير النقدي، بل تفضّل الامتثال والتنفيذ.

كيف تسهم الدراسات المهنية في تقليص الفجوة بين البحث والممارسة الإدارية؟

لم تعد المعرفة حكرًا على الأكاديميين، فالدراسات المهنية تُمكّن المدير من أن يكون فاعلًا في إنتاج المعرفة، لا مجرد مستهلك لها.

فعند تقاطع الفعل بالتأمل، والخبرة بالتحقيق، تولد معرفة جديدة محلية، قابلة للتطبيق، فالدراسات المهنية باتت جسرًا يربط بين الممارسة اليومية والتفكير العلمي، فهي تُنتج معرفة من الميدان، وتُعالج مشكلات حقيقية، وتفتح الطريق أمام ممارسين يُفكرون لا يُنفذون فقط، إنها استعادة لدور الممارس الباحث الذي يتأمل فعله ويطوره. 

هل يتطابق مفهوم الإدارة المبنية على الأدلة مع مفهومي إدارة المعرفة والإدارة التحليلية؟

وعلى الرغم من الإشارة إلى المعرفة في سياق الإدارة المبنية على الأدلة، فإنه من الضروري التمييز بينها وبين مفهومي إدارة المعرفة والإدارة التحليلية، إذ إن كلًا منها يختلف من حيث الأهداف والآليات.

 

اتخاذ القرار

تركز الإدارة المبنية على الأدلة على توظيف الأدلة العلمية والتجريبية في اتخاذ القرارات الإدارية، لجمع الأدلة من مصادر متنوعة مثل البحوث العلمية، والبيانات التنظيمية، والخبرات المهنية، وتفضيلات المعنيين بالقرار، بهدف استخدام هذه الأدلة بطريقة نقدية ومدروسة لتوجيه القرار الإداري بطريقة تتماشى مع سياق العمل وتحدياته الخاصة.

أما إدارة المعرفة فتركز على إدارة تدفق المعرفة داخل المؤسسة، وتهدف إلى تجميع المعرفة وتوثيقها وتبادلها بين الأفراد والجماعات لتسهيل الابتكار وتحسين الأداء المؤسسي. بمعنى آخر، إدارة المعرفة تُعنى بخلق بيئة تعاونية تسمح بتبادل الخبرات والأفكار داخل المنظمة باستمرار، في حين الإدارة المبنية على الأدلة تسعى إلى استخدام الأدلة المتاحة بطريقة منهجية لدعم قرارات معينة.

أما الإدارة التحليلية، فتستند إلى استخدام الأدوات التحليلية المتقدمة، مثل النماذج الرياضية والتحليل الكمي والنوعي للبيانات، بهدف تحليل البيانات بتعمق لفهم الأنماط والاتجاهات التي تساعد في اتخاذ القرارات المستقبلية، في حين أن الإدارة المبنية على الأدلة تستخدم الأدلة عمومًا، فإن الإدارة التحليلية تركز على استخراج الأنماط والاستنتاجات من البيانات لدعم القرارات.

بذلك، يمكن القول إن الإدارة المبنية على الأدلة لا تقتصر على استخدام المعرفة أو التحليل فقط، بل تجمع بين مصادر متعددة من الأدلة وتدمجها بطريقة تسمح باتخاذ قرارات أكثر دقة وواقعية، ما يميزها عن إدارة المعرفة التي تهتم بتوزيع المعرفة والإدارة التحليلية التي تركز على استخراج الفهم من البيانات.

ما رحلة الإدارة المبنية على الأدلة عبر التخصصات؟ 

لم تكن الإدارة أول مجال دعا إلى اتخاذ القرار بناءً على الأدلة، بل سبقتها ميادين أكثر حساسية كان فيها القرار مرتبطًا بمصير الإنسان ذاته، ويُعد المجال الطبي النموذج الأوضح لذلك، حيث ظهرت حركة الطب المبني على الأدلة في تسعينيات القرن العشرين، واستندت إلى أعمال الرائد آرشي كوكرين، الذي دعا إلى الاعتماد على التجارب السريرية المحكمة بدلًا من الآراء الطبية غير الموثقة، وقد أدى هذا التحول إلى تحسين نتائج العلاج، وتقليل الأخطاء الطبية، وترسيخ ثقافة التحقق.

وفي ميدان القانون، لطالما كان الدليل هو الركيزة الأساسية للحكم القضائي، فالقاضي لا يُصدر حكمًا بناءً على الانطباع أو الحدس، بل بناءً على بيّنة واضحة، أو دليل مادي، أو شهادة موثوقة، ولا يُقبل في القضاء ما لم يُثبت، ولا يُدان شخص إلا بدليل قطعي، وهذا ما يرسّخ أن العدالة لا تقبل الارتجال، بل تُبنى على الحُجّة.

وقد امتدت موجة الاعتماد على الأدلة إلى مجالات الرعاية الصحية والتعليم، ففي المستشفيات، تُبنى البروتوكولات العلاجية اليوم على مراجعات علمية ممنهجة، أما في التعليم، فالممارسات التربوية لم تعد تُؤخذ بناءً على ما يبدو فعّالًا، بل بناءً على ما أثبتته البحوث التربوية حول أثر أساليب التعليم والتقييم والتفاعل داخل الفصول الدراسية.

هذه النماذج جميعًا تُثبت أن القرار المبني على الأدلة ليس موضة فكرية، بل مرحلة تطور في الوعي المؤسسي، تفرضها الحاجة إلى الكفاءة والمساءلة.

ماذا تقدم الإدارة المبنية على الأدلة لوعي القرار الإداري اليوم؟

تُمثل الإدارة المبنية على الأدلة حالة وعي إداري ناضج، وهي ليست وصفة آلية، بل منظومة فكرية ومهارية تُعيد الاعتبار للدليل، وتُخضع الفعل للتأمل، وتمنح القرار بُعده الأخلاقي والمعرفي.

تُمثل الإدارة المبنية على الأدلة نقلة نوعية في اتخاذ القرار الإداري، وتستند إلى دمج منهجي للأدلة العلمية، والبيانات التنظيمية، والخبرة المهنية، وتفضيلات المعنيين بالقرار، على الرغم من وجود معوقات معرفية، وثقافية، وهيكلية، فإن تبني هذا النهج ضروري لمواجهة تعقيدات عالم الأعمال الحديث. إنه ليس بديلًا عن الخبرة أو الحدس، بل إطار عمل يُعلي من شأن التفكير النقدي ويُمكن القادة من صنع قرارات أكثر استنارة وفعالية، ما يعزز من أداء المؤسسة وقدرتها على التكيف والابتكار في ظل التحولات المتسارعة.

في ختام هذا الطرح، لا دعوة للقطيعة مع الخبرة، بل لإعادة تأهيلها عبر العلم وفحصها وإسنادها بالدليل، ولا رفضًا للممارسة، بل إحياءً لها عبر العقل والتفكير النقدي، ولا نقدًا للحدس، بل دمجه ضمن منظومة قرار لا تخجل من أن تسأل: لماذا نفعل ما نفعل؟

فهي لا تقضي على الحدس، ولا تقزم الخبرة، بل تعيد دمجهما في سياق عقلاني منظم، ولا تستبدل المدير المجرب بـالباحث المنظّر، بل تُولد نمطًا ثالثًا، هو المدير المفكر، الذي يعرف كيف يطرح الأسئلة، وكيف يستخدم الأدلة، دون أن يفقد إحساسه بالواقع، إنها انتقال من قرار يُبرر بعد اتخاذه، إلى قرار يُبنى على أسس تستحق الدفاع عنها مسبقًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.