الأخلاق و الإيطيقا والسياسة

 وسط العنف والدمار ثمة أحكام تستوطن عالمنا المحطم بفعل الخطابات التضحوية الشمولية بكل أصوليتها تحاول نفي إمكانات العيش وتنعكس بكل عنف على عالمنا المعاش وهو يغرق بالأصوليات المتصارعه التي لا تعرف الا الإقصاء والنفي وتتخذ من الجسد المكان الذي تمارس عليه عنفها الضاري الذي لاهوادة فيه.

من اجل البحث في ممكنات العيش أو ما يعرف فن التعايش بوصفه صناعة قابل للاستثمار والنماء عبر أخلاقيات وسياسات جديدة ذات طابع كوني يأخذ بنظر الاعتبار الإيطيقا بوصفها احد ممكنات تخليق التعايش وتجاوز الأزمات عبر الفعل ولي الاكتفاء بتنظير الممكن عقليا.

من هنا ممكن الاستعانة ببعض التقابلات بين الاخلاق والبيوتيقا، والاخلاق والسياسة من خلال التركيز على عرض بعض التصورات التي جاد بها بعض الفلاسفة.

فعلى المستوى المفاهيمي مثلا نلاحظ رغم انه لا تميز اللغة المألوفة بين الكلمتين "الأخلاق" و"الإيطيقا"، إذ نستعملهما بلا فرق للدلالة على مجموع قواعد السلوك الإنساني. لكن اشتقاقيا، فإن الكلمتين Moral وEtica، تحيلان على التوالي إلى Mores أو Ethos، إلى سلوك الكائن البشري المقيد بعادات وتقاليد وأعراف. نقول مثلا، إن هذا السلوك، أو ذاك، أخلاقي أو غير أخلاقي، إيطيقي أو العكس، ونحن نقصد بذلك أنه حسن أو قبيح، متوافق مع مجموع محدد من معايير السلوك، نعدُّها عادة مقبولة، ونميل في معظم الحالات إلى اعتبارها معايير كلية وشاملة؛ أي يتقاسمها كل الناس بغض النظر عن اختلافاتهم الثقافية المفترضة.لكن، من وجهة نظر فلسفية ومنهجية، ليس للكلمتين "الأخلاق" و"الإيطيقا" معنى متطابق.فالأخلاق morale  مشتقة من الأصل اللاتيني morales وتعني مجموع قواعد الفعل والقيم التي تشتغل كمعايير داخل مجتمع ما، كما تعني أيضا نظرية الغايات المرتبطة بالفعل الإنساني.

أما الإيطيقا éthique فتجد جذورها في الكلمة الإغريقية ethikos وتشير إلى جملة القواعد المحددة والمؤطرة للسلوك الإنساني، كما تشير الى المذهب الذي يهتم بسعادة الإنسان وكيفية بلوغها. وأخيرا تعني : الجانب النظري من الأخلاق ،أي طرق التفكير في العادات والسلوكات الخيرة التي يجب تصريفها لجعل العالم قابلا للتعايش بين الناس. 

يبدو ان الإيطيقا هنا تشغل دوراً مهماً فهي بحسب التعريفات، وما تفضي اليه تقدم تحليلاً ابستمولوجي للاخلاقاً من حيث تقديمها تقديما عقليا للسلوك الذي يمكن أن قادر على تعميق اليات التعايش ومن اجل تحقيق هذا فهي تقدم تامل نقدي واعتقد ان هذه الخطوة تقود الى خطوتين اولهما انها أي البيوتيقيا على وفق قدرته النقدية على تقديم مقترحات في تجديد طرق التفكير في الممكنات الاخلاقية والسلوكية، وصولا الى الوظيفة الثالثة تحقيق الغاية الختامية بجعل العالم قابل للتعايش وبالتالي قابل ان يكون صالح للعيش الانساني. ففي الوقت الذي ترى الاخلاق بوصفها مجموع معايير وأفعال خاصة بالسلوك، نعتاد على قبولها بوصفها تحديدات صالحة، أما الإيطيقا فهي التفكير حول لماذا نعدها صالحة؟ ولهذا تعدها القول، عند التدقيق، إن الإيطيقا فلسفة أخلاقية، أو معرفة فلسفية تدرس قواعد الأخلاق وأسسها.

لكن تلك الممكنات المفهومية قابله ان تكون ممكنة للتحقق من خلال الربط بين الاخلاق وفن العقل، وهو الجانب المهم من الفكر في وقت كانت الفلسفة التاملية اليونانية تتامل في الممكنات اكثر من الفعل كان هناك تكامل بين النظر في الاخلاق والفعل في مجال السياسة فهما ينتميان الى حقل العقل العملي وفي التنظير الذي قدمه ارسطو - رغم انه جعل من الاخلاق مجال الممكنات النظرية - فانه ربط بينها وبين الفعل السياسي، فالاخلاق كانت مترابطة مع السياسة في زمن ارسطو قبل ظهور ميكيافلي.

لن أخوض في تحليل أنماط الإيطيقا المختلفة التي بلورها الفلاسفة طيلة التاريخ، ولا في عرض الإيطيقا المعاصرة، يكفي أن نعرف أن ثمة فلسفات أخلاقية، وأنه لا يوجد اتفاق بين الفلاسفة حول أفضل طريقة لتأسيس القواعد الأخلاقية.

من اجل البحث في ممكنات العلاقة بين الاخلاق و الإيطيقا فاننا نجد من الضرورة اضاءة العلاقة بين الاخلاق والسياسة عند ارسطو بموصفها مقدمة ضرورية للعلاقة مع الإيطيقا بوصفها فن العيش كما سوف تتجلى عند سبينوزا.

في مجتمعاتنا المعاصرة، غدا يتكرس بمرور الوقت مفهوم فقير للسياسة، مفهوم محقِّر، بعيد عن المعنى اليوناني القديم للسياسة. من المفيد أن نبدأ، لتوضيح الأشياء، بتدقيق العلاقة بين الأخلاق والسياسة. من أجل هذا يكون من الأفضل التوجه إلى المكان القديم، حيث نبت العلمان "السياسة والأخلاق" أي إلى أرسطو. في البداية نسجل أن لأرسطو وضوحا تاما تجاه الاختلاف بين موضوعات الأخلاق النيقوماخية وموضوعات السياسة. فموضوعات الأخلاق هي نظريات الخير، والسعادة، والفضيلة والعدالة، والصداقة. في حين تهتم موضوعات السياسة بتحليل المجتمع المدني والعائلي، وتحليل المؤسسات،وأساليب الحكم. هكذا إذن، فإذا تقيدنا بأصلهما، فإن الاختلاف بين الأخلاق والسياسة، من وجهة نظر منهجية، يبدو واضحا بالبداهة. تهدف الأخلاق إلى تحليل الفضائل والبحث عن السعادة، والتساؤل حول حقيقة العدالة، وما يتوجب أن نعتبره سلوكا فاضلا وعادلا، ليتمكن الفرد من أن يكون سعيدا؛ باختصار أنها تسعى إلى تحقيق الحياة الخيرة للكائن البشري. من جهتها، تتوخى السياسة تحليل المؤسسات، وأنظمة الحكم التي اخترعها الناس في حياتهم العامة، لإبراز النظام الأفضل؛ باختصار إنها تتطلع إلى تأسيس المجتمع الخيِّر (أو الحكومة الجيدة).

هنا يبدو ان هناك تآزراً بين الاخلاق والسياسة بوصفهما يتاملان في ممكنات تخلق عالم افضل يتحقق فيه للانسان السعادة، فعلى الصعيد الفعل السياسي والنظر الاخلاقي، و هناك تكامل هو لم يتخل عن تذكيرنا بأن الفضيلة والعدالة والسعادة تتحقق عندما يتم التوصل إليها بالترابط مع فضائل أخرى، أي سياسيا. إذ بين الأخلاق والسياسة توجد بالبداهة استمرارية وتداخل.

سبينوزا من اجل تخليق العالم من خلال الإيطيقا "بوصفها فعل"

وهنا أيضا تأمل يقدمه سبينوزا بين الاخلاق و الإيطيقا الفعل اذ يسمح هذا التمييز بين مفهومي الأخلاق  و الإيطيقا بالتنويه إلى أن  فلسفة سبينوزا ذات منحى إيطيقي، وليس أخلاقي كما أشار إلى ذلك الفيلسوف دولوز في كتابه: سبينوزا: الفلسفة العملية.

فالفيلسوف سبينوزا يفكر في الإيطيقا وليس في الأخلاق، حيث يحاول تقصي مشكلة قدرة الكائن الإنساني على الفعل،  بدل التساؤل عن الواجب: ما الذي يجب علينا فعله؟ ذي الصبغة الكانطية والذي يحيل على أخلاق الواجب. يحاول سبينوزا ترصد القدرة الإنسانية: على أي شيء نحن قادرون؟ أو ماهو الشيء الذي في استطاعتنا فعله؟  لذا فالإيطيقا السبينوزية تبحث في إمكانات القدرة الإنسانية وكيفية جعل الفعل الإنساني مندرجا ضمن الفعالية بدل الارتكاسية. إنها فلسفة عملية توكيدية للحياة تتعارض مع كل نزعة أخلاقية متعالية تحاكم الوجود من الخارج وتطرح مسوغات لإدانته.  

الإيطيقا هي مصدر الإلهام السلوكي والمعياري بالنسبة للموجودات التي تستطيع جعل العقل في مرتبة أسمى من الانفعالات والأهواء. يشخص سبينوزا جذور الأزمة الأخلاقية التي ترتبط لدى عامة الناس بأحكام حسية خاضعة لثنائيات الخير والشر، الجزاء والعقاب، المدح والذم، النظام والفوضى. هذا المنطق الأخلاقي يجد مصدره في جهل عامة الناس بالعلل الحقيقية للأشياء.

في المقابل يؤسس سبينوزا تصورا جديدا يقوم على الفصل بين ميدان المعرفة وميدان الأخلاق. فإذا كان القانون الأخلاقي يمثل قاعدة للواجب، فهو يضع كغاية له الطاعة. وبذلك يمنعنا من تطوير القدرات المعرفية (قانون المستبد). في هذا السياق يؤكد سبينوزا أن الجهلة يجدون ملاذهم في الأخلاق كمعايير متعالية بسبب جهلهم وعدم امتلاكهم للمعرفة: "قدر البشر أن الأساسي في كل شيء هو ما يحمل لهم الفائدة، وتمنوا عاليا تلك الأشياء التي تأتيهم بالرضا. هكذا شكلوا تصورات يقولون أنها تشرح لهم طبيعة الأشياء، أي الخير والشر، النظام والفوضى، الساخن والبارد، الجمال والقبح، مثلما جاءت مقولات الثناء واللوم، والخطأ وحق المكافأة".

من اجل خليق عالم أفضل:

بعد المقاربات السابقة التي تؤكد ان الغاية الاساسية هي تخلق عالم يحقق السعادة ويفشي الامن والتعايش ففي العالم المعاصر هناك كثير من الرهانات التي تحتاج منا الى البحث في مجال الإيطيقا من اجل تحققي عالم قابل للتعايش اذ هناك حديثا متزايد عن ضرورة ملحة لتخليق العالم في مجالات شتى سياسية، اقتصادية، اجتماعية ...فحتى الحروب هناك حديث عن تخليقها، وهذا مؤشر قوي على وجود أزمة أخلاقية سواء من خلال الكم الهائل للعنف الذي يتخلل العالم والذي يهدد الوجود الإنساني نفسه في ارتباط بالحاجة إلى تأسيس قواعد إيطيقة سواء على مستوى القطر الواحد على مستوى العالم ككل، فالعراق على سبيل المثال وسط الاحتباس الطائفي بحاجه الى نظرية في مجال الإيطيقا تعمل بمعزل عن التمركزات وتبحث عن ممكنات التعايش من اجل تخليق عالم مسالم بدل جهود التكفيرية التي تحاول تخليق عالم التوحش والفوضى الخلاقة التي يسعى ايها الجهد الامبراطوري الامريكي لدى المحافظون الجدد.

منها هنا نجد ان رهانات تخليق عالم سلمي يعتمد فن العيش على وفق الإيطيقا على المستوى الوطني والاقليمي والعالمي بات ضرورة ملحة. ياخذ بالتحديات التي يفرضها عودة الدين الى الفضاء العمومي من خلال القراءات الاصولية المتشدد التي تعتمد اليات تحاول تخليق عوالم عنيفة، بالاضافة الى التحديات التي يطرحها التقدم البيولوجي على المستوى الطبي وما يطرحه من قضايا أخلاقية بحاجة الى ان تخصص لها مجالات رحبة للحوار والنقاش التواصلي مما يمهد الى خلق قواعد مشتركة.

وعلينا ان نلاحظ ان البحث في مجال الإيطيقا بات اليوم عالما غنيا بالتحولات المهمة في مجال البحث والتحليل حيث ظهور مجالات متنوعة في هذا الحقل تهتم بالأعمال والطب وغيرها.

الا أن الاهتمام بهذا الحقل فقير جدا في عالمنا بالمقارنة بما يطرحه من بحوث على الصعيد العالمي، نحن بحاجه الى جهود اكاديمية ومؤسسات علمية وتربوية وثقافية تهتم بهذا الموضوع وتجعها من رهاناتها المركزية من اجل تجاوز الأزمات التي نعانيها وتبين فقرنا المعرفي الكبير والمخيف.

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة