لطالما ارتبطت الأمراض النفسية في مجتمعاتنا العربية بوثاق غليظ من وصمة العار؛ فالمصاب بالفصام أو الذهان غالبًا ما يُنظر إليه كشخص يقع تحت تأثير «مس جني»، أو خلل غامض وأبدي في روحه وعقله. ولكن، ماذا لو أخبرتك أن العلم الحديث يثبت اليوم أن بعض هذه الحالات المأساوية ليست سوى «التهاب جسدي» ملموس وقابل للعلاج؟
بدأت القصة قبل خمسة عشر عامًا في مستشفى للأمراض العصبية بلندن، حين دخلت سلسلة من النساء في حالة غريبة حيَّرت الأطباء. بعضهن كنَّ متيبسات، غارقات في ذهول يشبه الغيبوبة، وأخريات عانين من نوبات صرع وحركات لا إرادية. لكن الرابط المشترك الأبرز بينهن كان بداية مفاجئة: نوبات ذهان حادة، وهلوسات وأوهام صاخبة، جعلت عائلاتهن تظن أنهن أُصبن بمرض نفسي مستعصٍ. وبالفعل، ركزت التشخيصات الأولية على الفصام والاضطراب ثنائي القطب.
في خضم هذه الفوضى، يتدخل توماس بولاك، طبيب الأعصاب النفسي الذي درس تلك الحالات، ليكتشف شيئًا مذهلًا: هؤلاء النساء لم يكنَّ مريضات نفسيًا بالمعنى التقليدي، بل كنَّ يعانين من «التهاب الدماغ المناعي الذاتي»؛ وهو مرض نادر يضل فيه الجهاز المناعي طريقه، فيصنع أجسامًا مضادة تهاجم خلايا الدماغ نفسها. هذا الاكتشاف، كما يعبِّر بولاك، «فجَّر عقلي»، وغير مجرى مسيرته المهنية بالكامل.
وأنا أقرأ تفاصيل هذه الحالات، لم أملك إلا أن أتساءل بمرارة: كم مريضًا في مستشفياتنا ومصحاتنا العربية يقبع اليوم خلف أبواب مغلقة، تحت وطأة المهدئات، في حين أن علاجه الحقيقي قد يكون مجرد حقنة تثبط مناعته الثائرة؟ إنها ثورة كاملة تثبت أن العقل ليس معزولًا عن الجسد، وأن الأجسام المضادة يمكن أن تكون سببًا للهلوسة، كما هي سبب لالتهاب المفاصل.
عندما تتنكر المناعة في زي الفصام
لفهم هذه الثورة، نعود إلى عام 2007، حين وصف فريق بحثي بقيادة الدكتور جوزيب دارماو نوعًا جديدًا من هذا المرض عُرف بـ «التهاب الدماغ بمضادات مستقبلات NMDA». وللتبسيط، فإن الجسم ينتج في هذه الحالة أجسامًا مضادة تهاجم مستقبلات «الغلوتامات» «ناقل عصبي حيوي في الدماغ»، ما يفجر عاصفة عصبية ونفسية مدمرة.
المثير للصدمة أن هذا المرض يتنكر في بدايته كفصام حاد: هلوسات سمعية وبصرية، أوهام اضطهاد، وسلوك غير منظم، دون أي أعراض عصبية واضحة، كالتشنجات في البداية، وهو ما يجعل التشخيص الفارق أمرًا في غاية الصعوبة.
وتؤكد الدراسات الطبية المعاصرة أن الأعراض الذهانية والاكتئابية قد تستمر لسنوات، حتى بعد انحسار الالتهاب الحاد، ما يعني أن مرضى كُثُرًا يعيشون بتشخيص خاطئ طوال حياتهم. في بريطانيا مثلًا، انتحرت فتاة تبلغ من العمر 12 عامًا بعد أن تهاون الأطباء في إجراء بزل قطني لفحص سائلها الدماغي، وقضت هيئة المحلفين بأن هذا التقصير أسهم في وفاتها، لتذكرنا هذه المأساة بأن التشخيص الدقيق مسألة حياة أو موت.

كشف الأجسام المضادة الخفية
لا تتوقف القصة عند الحالات الكلاسيكية الصارخة؛ فالبحوث الممتدة تشير إلى وجود «منطقة رمادية». الطبيبة النفسية بجامعة أكسفورد، بيلندا لينوكس، أجرت بحوثًا تظهر أن نحو 5% من المرضى المشخصين بالفصام يحملون في دمائهم هذه الأجسام المضادة، حتى دون أن يستوفوا المعايير الكاملة لالتهاب الدماغ. وهي تقود حاليًا تجارب سريرية لمعرفة مدى استجابة مرضى الذهان الحاد للعلاجات المناعية، مثل الجلوبولين المناعي الوريدي «IVIG» وعقار «الريتوكسيماب».
من جانبه، يرى الطبيب كريستوفر بارتلي، من المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية، أن علينا «توسيع الفتحة»؛ فجسم الإنسان قادر على إنتاج كوينتيليون «مليون مليون مليون» نوع من الأجسام المضادة، ومن المحتمل أن يكون هناك جيش خفي غير مكتشف منها يسهم في إشعال الأمراض النفسية. ومختبره نجح مؤخرًا في رصد ثلاثة أجسام مضادة جديدة قد تكون المتهم الأول في هذه القضية.
عشرون عامًا من الحبس النفسي.. ثم الشفاء!
تبقى القصص الإنسانية الفردية هي البرهان الأكثر إبهارًا. في عام 2018، تعامل الباحث أنتوني زوغبي، في تكساس، مع حالة امرأة قضت نحو عقدين من الزمن داخل مصحة نفسية بنيويورك، بتشخيص «فصام مقاوم للعلاج».
بعد سنوات من المعاناة، خضعت لفحوص شاملة بجامعة كولومبيا، ليتبين أنها تحمل دلائل حيوية لمرض «الذئبة الحمراء» «وهو مرض مناعي ذاتي»، على الرغْم من غياب أعراضه الجسدية التقليدية.
قرر الأطباء علاجها على نحوٍ تجريبي بأدوية تثبط جهاز المناعة. والنتيجة؟ خلال أشهر معدودة، بدأت السيدة بالتعافي والعودة للحياة، بعد عشرين عامًا من الذهول والانعزال. هذه القصة هزت الأطباء، وجعلت زوغبي يطلق مقولته الشهيرة: «لا يمكنك تشخيص إلا ما تملك اختبارات لتشخيصه».
من العلاج الكيميائي للدماغ إلى دقة التصويب
يصف الطبيب النفسي أندرو ميلر مضادات الذهان التقليدية بأنها «علاج كيميائي للدماغ»؛ فهي أدوات خشنة وغير دقيقة، تؤثر في الدماغ كله، وتجلب معها آثارًا جانبية قاسية.
في المقابل، تفتح الحلول المناعية بابًا لعلاجات موجهة ومباشرة، مثل «تبادل البلازما» لتنقية الدم من الأجسام المضادة الضارة، أو استخدام الستيرويدات القشرية، والجلوبولين الوريدي، وصولًا إلى أدوية كبح المناعة التقليدية، مثل «الميثوتريكسات» المستخدم لعلاج الروماتيزم.
حتى مضادات الذهان الكلاسيكية نفسها بدأت تكشف عن أسرار مناعية؛ إذ أظهرت دراسات حديثة أن عقار «الكلوزابين» «أحد أقوى مضادات الذهان» لا يعمل فقط على الناقلات العصبية، بل يسهم جزئيًا في قمع الاستجابة المناعية الذاتية وتقليل نشاط الخلايا الدبقية المهاجمة في الدماغ، وهو ما يعزز فرضية التداخل العضوي بين الجهازين العصبي والمناعي.

المعايير السريرية: متى نرفع الراية الحمراء؟
أمام هذه الاكتشافات، كيف يتصرف الطبيب في عيادته؟ تشير البيانات الطبية إلى أن فحص السائل الدماغي الشوكي عبر البزل القطني، وليس فقط تحليل الدم، هو المفتاح الحقيقي لتجنب تفويت الحالات القابلة للشفاء. وثمة «علامات حمراء» يجب أن تثير شك الطبيب النفسي فورًا، وتدفعه لإحالة المريض إلى طبيب مخ وأعصاب، وأبرزها:
- البداية السريعة والحادة للأعراض «في أقل من 3 أشهر».
- ظهور علامات عصبية مصاحبة، مثل التيبس، أو اضطرابات الحركة، أو النوبات.
- وجود تاريخ شخصي أو عائلي للإصابة بأمراض المناعة الذاتية.
- عدم استجابة المريض نهائيًا للمضادات التقليدية للذهان.
مستقبل متكامل: العقل والجسد في قارب واحد
يقف الطب النفسي اليوم على أعتاب تحول نموذجي ينهي العزلة القديمة بين الروح والجسد. ومع ذلك، يحذر الخبراء من التطرف في التفاؤل، أو الاندفاع نحو الإفراط في التشخيص المناعي؛ فالطبيب توماس بولاك يشير إلى أنه يمشي على حبل مشدود، لأن اندفاع بعض الأسر، وبيعها لمدخراتها للحصول على علاجات مناعية باهظة الثمن، دون تثبت دقيق، قد ينتهي بخيبة أمل، فالمستفيدون من هذه المقاربة هم فئة صغيرة، لكنها حرجة.
إن الحل ليس في إلغاء الطب النفسي التقليدي، بل في صياغة «طب ذكي ومستقبلي» يدمج العقل بالجسد، ويمنح تلك الفئة المنسية فرصة حقيقية للشفاء التام، ليعودوا إلى مجتمعاتهم بشرًا أصحاء، لا مجرد أرقام خلف جدران المصحات.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.