ربما كان سقراط أول من فرَّق بين تأليف الأدب ونقد الأدب وميَّز بينهما، وذهب إلى أنه قلما يوجد من بين الشعراء من يستطيع أن يشرح ما كان يعنيه بشعره.
وقد استعرض لاسيل أبركرومبي، رأي سقراط في مقاله الرائع عن قواعد النقد الأدبي الذي نقله إلى العربية منذ سنوات طويلة الدكتور محمد عوض محمد، إلى أن يميز بين ثلاثة أنواع من المقدرات، هي: المقدرة على تذوق الأدب، والمقدرة على تحليل الأدب تحليلًا منطقيًّا، والمقدرة على نقد الأدب.
وحاول أبركرومبي أن يرد هذا التمييز بين المقدرات الثلاث إلى وجود ثلاث ملكات مختلفة، هي:
· ملكة الإنشاء.
· ملكة التذوق.
· ملكة النقد.
والملكة الثالثة يمكن أن تنمَّى بالدرس والممارسة، وإن كان هذا لا يمنع من أن يكون النقد غريزيًّا.
اقرأ أيضًا: وظيفة النقد الأدبي ومقاييس الناقد الجيد
إن الناقد يكون مدركًا للخطة التي يتبعها في نقده، وهذه الخطة لا بد وأن تعتمد على قواعد منطقية خالصة، قابلة لأن ترتب بحيث يتألف منها نظام خاص.
والواقع أنه لا يوجد أسلوب واحد "سليم" لمعالجة مشكلات الأدب، كما لا يوجد مدخل واحد يمكن اعتباره معيارًا لتقويم الكتابات الأدبية على اختلافها؛ لأن الأعمال الأدبية كثيرة ومتنوعة، وتغطي حقبة طويلة من تاريخ الإنسان والحضارة.
إن التذوق والاستمتاع وتقدير هذه الأعمال لن تتاح للقارئ إلا عن طريق الإلمام بنظرية الأدب.
ويقول ديفيد ديشيس: "إنه من السخف الزعم أن اليونانيين القدامى لم يستطيعوا الاستمتاع بأعمال "سوفوكليس" وتذوقها وتقديرها حق قدرها قبل أن يجيء أرسطو ويكتب كتابه المعروف عن "الشعر".
إن التذوق والتقدير يمكن أن يكونا مستقلين تمام الاستقلال عن نظرية النقد.
وإن النقد الأدبي لا يمكن أن يكون غايةً في ذاته، أو أنه ليس غايةً ذاتيةً، وإنما هو وسيلة للوصول إلى فهم أعمق للعمل الأدبي وتحقيق درجة أكبر من التذوق والاستمتاع.
اقرأ أيضًا: المنهج البنيوي في النقد الأدبي
يقول أحد أكبر الناقدين "ريتشاردز": "وأنه ليس هناك من بين النقاد من يمكنه أن يزعم أنه استطاع أن يحدد قيمة الفن الأدبي ومعناه بدقة؛ فنظريات النقد نظريات جزئية ومتميزة وذاتية وقابلة للمناقشة. لكن هذا لا يعني أنه ليس هناك مقاييس أو معايير للقيمة".
إن الأحكام التي تصدر من الناقد عن أي عمل أدبي في الواقع هي أحكام تقريبية.
فالعمل الأدبي مجموعة متشابكة ومعقدة من الأفكار والآراء والأحاسيس والعواطف والتجارب التي خضع لها الكاتب.
وكان النقد الأدبي أقرب في طبيعته إلى الفن منه إلى العلم، ومن هنا كان الناقد الذي يحرص على إخضاع الأعمال الأدبية لعدد من المبادئ بطريقة منهجية دقيقة وصارمة.
ولا بد من أن نفهم وظيفة الأدب، والغرض منه.
إن من أهم النظريات التي يعتنقها لفيف كبير من المشتغلين بالنقد الأدبي التي نجد لها صدى عند علماء الإنثروبولوجيا والاجتماع المهتمين بدراسة الأدب وعلاقته بالمجتمع، الاتجاه الذي يذهب إلى أن الغرض الحقيقي من الأدب هو "التعبير" و"التوصيل"؛ فالأدب نوع من التعبير عن تجارب المؤلف وحياته وأحاسيسه. وما يدور في نفسه وعقله من مشاعر وأفكار.
اقرأ أيضًا: قراءة في كتاب مناهج النقد الأدبي الحديث
إن التعبير والتوصيل هي الوظيفة المزدوجة للأدب، تكشف لنا عن الجانبين الأساسيين اللذين يجب توفرهما في أي عمل أدبي.
وتوكيد أحد هذين الجانبين، أدى إلى ظهور مذهبين الرومانطيقية والواقعية. والجمع بين هاتين الناحيتين (الذاتية والموضوعية) هو الذي يتمثل في اعتبار الأدب نوعًا من توصيل، أو نقل التجربة الحية العميقة التي يمر بها الكاتب التي يعبر عنها في مؤلفاته.
إن الأدب يفترض وجود أطراف ثلاثة: المؤلف، والقارئ، ثم العبارة اللفظية التي تكون بمنزلة الوسيط بين هذين الطرفين. فالناقد، ينظر إلى التعبير على أن له قيمة ذاتية خاصة به.
وما دام العمل الأدبي تعبيرًا عن تجربة معينة مرَّ بها المؤلف، فإن النظرة إلى ذلك العمل وتقويمه يجب أن تكون مجرد نظرة جمالية خالصة، وإنما لا بد من الأخذ بالمناخ العقلي والثقافي والحضاري الذي تم إنتاجه فيه، ومحاولة التعرف على العوامل السيكولوجية والاجتماعية التي خضع لها المؤلف.
فكأن الأدب على ما يذهب إليه أنصار هذا المذهب، ومعهم المختصون بالدراسات الأدبية من علماء الاجتماع والإنثروبولوجيا، هو عمل اجتماعي ثقافي فني جمالي.
وإن كثيرين من علماء الاجتماع والإنثروبولوجيا ينظرون إلى الكاتب على أنه إنسان يمارس حرفة أو مهنة معينة، وإلى العمل الأدبي على أنه وسيلة للاتصال، وإلى القارئ على أنه مستهلك لتلك السلعة الثقافية.
وحاول "شوكنج" أن يضع نظرية اجتماعية أدبية، أو سوسيولوجيا التذوق الأدبي، وأن نظريته أثارت الاهتمام بالموضوع لدى عدد كبير من علماء الاجتماع، الذين اهتموا بالتعرف على العوامل الاجتماعية للمؤلف في مؤلفاته.
إن المجتمع هو الحقيقة الواقعية التي تختفي وراء مظاهر الأدب، وإن كان ذلك لا يتنافى في الوقت ذاته مع اعتبار الأدب غاية في ذاتها.
وإن من الخطورة إخضاع النتاج العقلي المكتوب للمحكات الجمالية وحدها، وإغفال غيرها من المحكات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية؛ خاصة أن أداة الأدب هي اللغة والكتابة.
وليس من شك في أن النقد الأدبي يأخذ في الاعتبار الأحكام التي كانت تسود في عصور إنتاج العمل الأدبي الذي يتعرض له بالدراسة والنقد. ويحاول أن يتعمق في فهم اتجاهاتها ومواقفها وفلسفاتها، ويتعرف على المعايير الأدبية والفنية.
اقرأ أيضًا: النقد والنهضة الأدبية.. فن نحتاجه لمواجهة الركود الأدبي
هذه النزعة عرفت بـ "النزعة التاريخية"، وكانت شائعة في ألمانيا بوجه خاص في القرن التاسع عشر الميلادي على الرغم من اعتراض كثيرين. ثم انتقلت إلى إنجلترا، فالولايات المتحدة.
العمل الأدبي يجب أن يخضع لمعيارين (إذا أردنا الحكم عليه حكمًا صحيحًا)، وأن يدرس من بعدين متكاملين. هما: الذوق الفني الذي كان يسود عصر إنتاجه، ثم الذوق الفني أو الأدبي العام.
وعندما نقرأ أي عمل أدبي، إنما نقرأه في ضوء عصره ومجتمعه وثقافته وفي ضوء التجربة الإنسانية العامة، والمواقف والاتجاهات الحديثة. وهذا الموقف المزدوج له ما يمثله في الدراسات الإنثروبولوجية مثلًا، حيث ينظر الباحث الإنثروبولوجي إلى أية ثقافة في ضوء الظروف التي أنتجتها.
إن القضية بحاجة إلى أن ينقسم النقاد فيها إلى فئتين؛ ذلك أن جذور الخلاف كائنة في خلط الناس بين مفهومين متميزين: مفهوم "الإنساني"، ومفهوم "الاجتماعي".
إن مختلف ظواهر المجتمع بمختلف صورها إنما جاءت لتخدم الإنسان الذي لا بد وأن يتأثر بها. فإذا شغل الأديب نفسه بأحداث عصره، فإنما يشغلها بها من الجانب الذي يصور لنا وقفة الإنسان إزاء هذه الأحداث.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.